1- فلاش باك

قبل الحديث عن الرسائل الممكن قراءتها في انتخاب الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما لجماعة العدل والإحسان، لا بد من التذكير بالتكهّنات التي راجت شهورا بل سنوات قبل رحيل الإمام المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله، وهنا لا بد من التمييز بين أصناف هذه التكهنات و”التحليلات” وقراءة خلفياتها المختلفة:

أ‌- “نظرية” التوريث

حيث كانت هناك أقلام عديدة تتحدث عن أن الأمر سيؤول بالوراثة إلى ابنة الأستاذ المرشد ندية ياسين أو صهره الأستاذ عبد الله الشيباني، خصوصا بعد خرجاته الإعلامية الأخيرة، وهو أمر يجد خلفيته الفكرية و”آبيتوسَه” الاجتماعي – بتعبير السوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو- في نظام الحكم التوريثي بالمغرب، ونظام التوريث المعمول به في الزوايا الصوفية، على أن الأمر في عمومه مفهوم أن تقوده أقلام تحسب على الجهات الاستخباراتية للنظام، ومفهوم أيضا أن تلهج به أفواه الخصوم السياسيين الذين يتمنون أن يروا في تصرفات الجماعة وسلوكياتها ما يقنعهم بصوابية اتهاماتهم المسبقة.

ب‌- صراع الأجنحة

حيث كان الحديث يدور في الصحافة الوطنية عن أن هناك صراعا محتدما داخل الجماعة لا زال البعض يردده ويوهم بوقوعه حتى بعد انتخاب الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما في سلاسة رامزة، وهكذا تعددت التوصيفات التي أعطيت “للجناحين” المفترضين حسب تلك “التحليلات”، فمنها ما تحدث عن الصقور في مقابل الحمائم، ومنها ما جزم بأن هناك تيارا يحبذ المشاركة وآخر يوثر المقاطعة والمواجهة، بل إن منها ما ذهب إلى أن هناك جناحا تربويا تنظيميا يتميز بتشدده واختياره المفاهيم الإسلامية الصرفة، وجناحا ثانيا سياسيا يميل إلى إحداث مراجعات في الخط السياسي ويتبنى المفاهيم الحديثة للدولة والمشروع المجتمعي، وآخرين تحدثوا عن تيار شبابي وآخر للشيوخ في إطار نظرية صراع الأجيال..

وقد روّج هذه التكهنات و”التحليلات” نوعان من المحللين، النوع الأول: محللون لم تتوفر فيهم بعدُ “الباءة” المطلوبة لممارسة التحليل العلمي، سواء من حيث ضعف الاطلاع والإلمام بموضوع البحث والتحليل، أو من حيث حشر الاعتبارات الذاتية والإيديولوجية في التحليل، أو من حيث عتاقة المناهج أو عدم ملاءمتها للموضوع المبحوث فيه، ومن ذلك محاولة أحدهم استعمال منهج التحليل النفسي بشكل مشوّه للخروج بخلاصات ذات طبيعة سياسية، بحديثه عن رمزية صورة الأب والشّبه وما إلى ذلك، وهو شيء بقدر ما يثير السخرية يثير الشفقة أيضا..

وهناك نوع ثانٍ من المحللين، لا يمكن الطعن في سعة اطلاعهم وأكاديميتهم المحترمة، غير أنهم يواجهون صعوبات جمّة في تحليلاتهم، أولاها تعقّد الظاهرة وقصور المنهج “المستورد”، “فهل العدل والإحسان حزب سياسي؟ أم زاوية صوفية؟ أم حركة مجتمعية؟ أم حركة ثقافية فكرية؟ أم غير ذلك؟ أم كل ذلك؟..”

وهذا ما يؤدي أحيانا لنتائج غير متّزنة ولا تنفذ إلى العمق، وهذا إشكال يُطرح على أصحاب النقد الإبستمولوجي بالأساس.

وخلاصة الجمع بين هذه التصنيفات أن هناك تيارا محافظا راديكاليا يقوده الشيوخ وأهل التنظيم والتربية، وهناك تيار سياسي مرن وتجديدي يقوده الشباب المتأثر بالمقولات الحديثة لمفهوم الدولة، وأن هذا الصراع لا بد وأن يؤول في الأخير إلى تبني الجماعة للخط الشبابي والرضوخ لل”واقعية السياسية”، ومن ثم اختيار سبيل “المشاركة” كوسيلة للتغيير من داخل النسق السياسي الحالي.

وبقدر ما في هذه الطروحات من نَفَسٍ سوسيولوجي بقدر ما فيها أيضا من تمنِّيات، سواء من جهة النظام الذي يتمنى أن تنحرف الجماعة عن خطها السياسي اللاّحب المعارض لحُكْمه واختياراته، بل يعمل بالليل والنهار، خصوصا وهو الخبير في لعبة الانشقاقات والتيارات التصحيحية والتفجير من الداخل، وما الضربات تحت الحزام التي تتلقاها الجماعة إلا تليين ضروري لتهيئة أجواء تقبّل الشروط المعلومة للدخول إلى “الحضرة”… أو من جهة بعض الغيورين من الأحزاب والأفراد الذين يقدرون قوة الجماعة ويتمنّون أن “تنخرط” في اللعبة حرصا على “استقرار” “الأوضاع” و”أكل اللقمة” ولو في ظل وهم ديمقراطي لا يشبع في الأخير إلا رغبات بعض النفوس في الجلوس قبالة الكاميرات، وحيازة بعض المكاسب ولو كانت على حساب الكرامة ومن وراء ظهر الشعب.

ج‌- نظرية “الأكبر سنّا”

وتستند إلى ما هو مسطّر في كتاب “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، ورغم أن الجماعة ما فتئت تؤكد تجاوزها للبنود التنظيمية المسطرة في المنهاج النبوي، وتأكيدها على أن التنظيم يتطور بتطور الجماعة، إلا أن البعض يصرّ – في كسل معرفي بيّن- على الرجوع إلى ما تمّ تسطيره في سنوات التأسيس الأولى.

ويعتبر مروجو هذا الطرح من الذين اختاروا الحلول السهلة، وتحكمت فيهم هواجس السبق الصحفي وتقديم “المعلومة المنتظرة” – ولو أنها لم تصر طازجة بعد – على حساب العمق.

د‌- نظرية “اللوبيات والصفقات”

لا غرابة أن يتجه البعض – بما ألفه عند الكثير من التنظيمات والأحزاب- إلى الحديث عن إمكانية اختيار رأس العدل والإحسان انطلاقا من حسابات واعتبارات سياسية صرفة، كرسائل إلى من يهمه الأمر، ومن ذلك اختيار من سيدفع في اتجاه “المهادنة” و”المشاركة” أو يتبنى التصعيد والراديكالية، وهو أمر جار به العمل في الكثير من المحطات الحزبية، ويستند إلى خلفية تصوُّرية، مفادها أن هناك لوبيا يحدد مواصفة القيادة المرجوّة حسب الظرفية السياسية و”الإشارات” المطلوبة، وهنا تحضر خلفية “النخبة الطليعية الملهَمَة” التي تقود “الجماهير الشعبية” حسب الطقس السياسي الذي لا تتقن قراءته إلا هي بعيدا عن “العامة” من الأعضاء والمنخرطين…

لقد أثبتت جماعة العدل والإحسان أنها تفكر تفكيرا استراتيجيا لا يستعجله عامل الوقت، ولا تجتذبه الدروب السياسية الضيقة والتفاصيل السياسوية الصغيرة، بل تبحث عن خطى تأسيسية لتداول حقيقي على الحكم في دولة مؤسسات فعلية.

2- الرسائل الممكنة

أ‌- جوانب شكلية

يمكننا أن نسجل ابتداء ملاحظات شكلية لا تقل أهمية، ومنها:

غياب الصراع على “رآسة” الجماعة وزعامتها، وهذا نادر جدا في الحياة السياسية المغربية، حيث غالبا ما تبدأ الحروب الكلامية وحروب الاصطفافات والاستقواء قبل أن يصل الأمر للضرب تحت الحزام والتخوين وتبادل اللكمات و”التشيار” بالكراسي، بل إلى إشهار السكاكين..، بينما لم تشهد العدل والإحسان تصريحات ولا تصريحات مضادة، ولا جولات لتسويق “الذات” ولا ولائم لضبط بوصلة التصويت وشراء الولاءات، بل إن الأستاذ محمد عبادي صرح بأنه رجل بسيط ولا تتوفر فيه شروط القيادة)، وهو ما أثار تعليقات بعض الظرفاء على الفيسبوك، الذين تحدثوا عن اندلاع صراع السباق على زعامة الجماعة، في إشارة إلى زهد قيادات الجماعة في المسؤولية وتهيُّبِهم منها.

في أغلب انتخابات الأحزاب المغربية يكون المخزن على اطلاع بما يعتلج في المطبخ الانتخابي للحزب وباتجاهات الرياح، هذا إن لم يكن قد تدخّل بالفعل لصالح الجهة التي يريدها في تلك المرحلة، وهو أمر يصعب الحديث عنه مع جماعة العدل والإحسان، حيث ظل المخزن يعيش في “حيص بيص” مثله مثل باقي المنتظرين، حتى أعلنت الجماعة اسم أمينها العام في الندوة الصحفية ليوم الإثنين 24 دجنبر 2012.

اختيار شكل الندوة الصحفية كشكل تواصلي زكى تأكيد الجماعة على تقدير الإعلام وإعطائه دوره في الحصول المعلومة والتفاعل المباشر معها، وهو ما يتنافى مع منطق الكولسة والغموض.

ب- سؤال الديمقراطية الداخلية

الكثير من المحللين والمتابعين لم يستطيعوا الفصل بين رمزية “المؤسس” و”المنظر” و”المصحوب”، وبين منطق الشورى والمؤسسات والديمقراطية الداخلية، ولعل الأمر انجلى الآن بما فيه الكفاية، وتبين أن الجماعة حريصة على الشورى في صفوف مؤسساتها، فحضور 98 في المائة من أعضاء مجلس الشورى في دورته الاستثنائية الذي تشكل فيه النساء نسبة 26 في المائة، وتحديد ولاية خمس سنوات، تتم بعدها انتخابات أخرى لمنصب الأمين العام، هي خطوات ديمقراطية لن يستطيع المزايدة عليها أحد.

ج- سؤال التماسك التنظيمي

بتجاوزها لمسألة اختيار أمينها العام، وبتجديدها لبنائها بشكل يوسع الدينامية الديمقراطية الداخلية، وبتجنُّبها مركزة القرار، وإعطائها مكانة كبيرة للشباب في أهدافها وببرامجها ومؤسساتها القيادية، تسعى العدل والإحسان إلى إظهار تماسكها التنظيمي المعهود، والذي تزيد من قوته التربية العميقة التي تحرص عليها الجماعة أشد الحرص، إضافة طبعا لوحدة التصور الذي يجعل سؤال المرجعية محسوما وغير قابل للنقاش إلا من خارج الجماعة، فقد شكل الزخم التنظيري للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ثروة كبرى يحق للعدل والإحسان أن تفخر بها وتعمل على نشرها ترشيدا للحركة الإسلامية في العالم، لأنها تغطي أزيد من أربعين سنة من التنظير كما صرّح ذات يوم الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز، وكما صرح الكثير من العلماء والباحثين عبر العالم خلال مؤتمر إسطنبول الأخير حول “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين”.

د- سؤال الخيار السياسي والعلاقة مع النظام

وهو سؤال لم تتغير معطياته كثيرا، فالكرة كما تعتقد جماعة العدل والإحسان في مرمى النظام، و”لا يمكن أن تطلب من أحد قطعت يديه أن يلعب كرة السلة” كما صرّح المحامي عبد اللطيف الحاتمي ذات برنامج على الجزيرة، ومن ثمت فإنه ما لم تحدث فجوة حقيقية ويظهر النظام نيته الجدية في التغيير فإن العدل والإحسان ماضية في طريقها، تمارس العمل السياسي البعيد المدى تأطيرا وتأثيرا وتوعية ومواقف من خارج إطار اللعبة المرسومة، بالإضافة طبعا لحرفة التربية والدعوة الأثيرة لدى الجماعة.

هـ- سؤال التصوُّر: الخلافة أم الدولة المدنية…

ينبغي الإشارة إلى أن كل عنصر من العناصر التي ذكرتها يحتاج إلى مقال مستقل، ولذلك حسبي أن أكتفي بمجموعة من الإشارات في كل نقطة، إن سؤال التصور يحتاج إلى تحيين بلغة أقرب إلى اللغة السائدة، فقد صاغ الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه التصور السياسي للجماعة بلغة قرآنية ومفاهيم إسلامية أصيلة تثير لدى الصحفيين والباحثين تساؤلات كثيرة وتخلق لديهم تشويشا وخلطا، ومردّ ذلك- كما كان يؤكد رحمه الله- إلى الهُجنة الثقافية التي نعيشها وابتعادنا عن اللغة القرآنية والنبع النبوي الصافي، ولذلك على “الوسطاء الفكريين والثقافيين” في الجماعة أن يعملوا على تكييف لغة التصور وصياغتها بشكل يقرّب المفاهيم أكثر كما يفعل بعضهم مشكورين من أمثال الدكتور عمر إحرشان والباحث خالد العسري وأحمد بوعود وغيرهم، أقول هذا لأن بعض الصحفيين لا يزالون يسألون مجلس إرشاد الجماعة: هل تخليتم عن “الخلافة على منهاج النبوة” أم ليس بعد؟ وعن الفرق بين دولة القرآن التي تنشدها الجماعة ومفهوم الدولة المدنية التي تصرح بها أيضا، وللإشارة فقط، فتصور الدولة في المنظومة الفكرية للعدل والإحسان هو تصوّر مدني من حيث آليات التداول وبشريته المعرضة للخطأ والمحاسبة والعزل، ومن حيث حق المعارضة وصيانة التعددية السياسية والفكرية، ومن حيث حرية الرأي والتعبير وحقوق الأقليات… وهو قرآني من حيث المضمون والمقاصد والغايات والرسالة.