أجرت يومية المساء، في عدد السبت والأحد 29 و30 دجنبر 2012، حوارا مع الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ونائب رئيس دائرتها السياسية، حوارا شاملا عن الأمام المجدد رحمه الله، وجماعة العدل والإحسان بعد رحيل المؤسس، والعلاقة بباقي الأطراف بما فيها الدولة، والعديد من القضايا الخاصة والعامة. نعيد نشره:

ما دلالة تغيير صفة المسؤول الأول في جماعة العدل والإحسان من المرشد العام إلى الأمين العام؟

إن دلالة تغيير الاسم من المرشد العام إلى الأمين العام يأتي انسجاما مع الواقع الذي تعيشه الجماعة بعد وفاة الأستاذ المرشد العام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي يعتبر مؤسس الجماعة ومنظرها الأول، وهو الذي وضع منظومتها الفكرية والتربوية والسياسية، والتي نصطلح عليها داخل الجماعة بـ«مدرسة المنهاج النبوي» أو نظرية المنهاج النبوي. هذه الاعتبارات جعلتنا نغير الاسم حتى يحتفظ الأستاذ المرشد بهذا المعنى العام باعتباره منظرا ومؤسسا للجماعة. وهناك اعتبار آخر هو أن الأستاذ المرشد رحمه الله اجتمع فيه ما تفرق في غيره، فهو المنظر والمربي وصاحب نظرية متكاملة في التغيير والسياسي وغيرها من الخصال التي جمعها الله في الفقيد رحمه الله، ويصعب أن نجد شخصا له كل هذه الخصال. وبالتالي إذا احتفظنا باسم المرشد العام للمسؤول الأول في الجماعة فإن ذلك سيكون عاملا مشوشا على من سيخلفه وسيكون أيضا مشوشا على مكانة المرشد المؤسس رحمه الله. كما أن البعض يتساءل عن معنى الأمين العام: هل يعني أن هناك تطبيعا مع المشهد السياسي المغربي أو تغييرا للمنهج عبر تغليب الجانب السياسي على التربوي في منهج الجماعة؟ وهذا غير صحيح بتاتا لأن الأمين العام مصطلح تستعمله تنظيمات سياسية ودعوية، وتستعمله حتى الأمم المتحدة، بمعنى أن الأمر يتعلق بالمسؤول الأول، فضلا عن كونه مصطلحا قرآنيا يحمل معنى الأمانة والاستمرارية، فليست هناك أي رسالة من خلال تغيير هذا الاسم، خاصة أن المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله كان في آخر حياته يوصينا بالصحبة في الجماعة. لذلك لم نغير اسم مجلس الإرشاد باسم الأمانة العامة، كما لم نغير شعار الجماعة، الذي هو العدل والإحسان، حتى تبقى الجماعة مركزة على الجانب التربوي باعتبارها تستهدف أساسا تجديد الإيمان في القلوب وفي الأمة من أجل تحقيق الخلاص الفردي بالارتقاء في مدارج القرب من الله تعالى والخلاص الجماعي للأمة بالانعتاق من الظلم والاستبداد.

أحجم قياديو الجماعة عن ذكر تفاصيل انتخاب الأمين العام، هل كانت هناك أسماء أخرى مرشحة داخل مجلس الارشاد؟ ما هي؟ وكم عدد الأصوات التي حصل عليها محمد عبادي الأمين العام؟

مع تقديري لحرص الأوساط الإعلامية على ذكر هذه التفاصيل، أود التذكير بأمر في غاية الأهمية هو أن البحث عن مثل هذه التفاصيل ينطلق من خلفية القول بوجود صراع بين عدة أجنحة وتسابق وتنافس على الزعامة والقيادة، في حين أن الواقع الذي نعيشه في جماعتنا وعشناه في الدورة الاستثنائية لمجلس الشورى واقع مخالف تماما لذلك، فرغم تقديرنا للآراء والسماح بالتداول وحرية التعبير عن كل وجهات النظر، يبقى جو الأخوة والمحبة هو الأساس، وقد حرصنا أن تكون هذه الدورة هي الأخيرة لمجلس الشورى وسط رباط تربوي استغرق ثلاثة أيام حضر فيه مسؤولو الجماعة على جميع المستويات، وانخرط الجميع في جو إيماني رباني مفعم بمعاني الحب في الله والإيثار، حتى يكون اختيارنا اختيارا موفقا بعد صلاة الاستخارة، بل حرصنا على أن تنظم رباطات تربوية إيمانية مشابهة في كل المناطق حتى يكون اختيارنا موفقا ونابعا من هذا الجو الرباني.

لم تجبني بعد عن تفاصيل مسطرة انتخاب الأمين العام للجماعة.

الجماعة منذ سنوات طويلة وضعت لها مساطر تنظيمية تخص كل مؤسساتها، وهذه المساطر تتطور وتنفتح على التجارب الإنسانية، مثلا مؤخرا قمنا بتنزيل قانون تنظيمي جديد فيه تغيير شامل لمجموعة من المؤسسات والمساطر التنظيمية مع الاحتفاظ بروح الجماعة وثوابتها، وكل مؤسساتنا خاضعة لمساطر وقوانين يتم وضعها في المجالس المسؤولة وتخضع للتشاور وللتصويت وغيرها من الإجراءات الشورية. مثلا بالنسبة لقانون انتخاب مجلس الإرشاد والأمين العام للجماعة فهو يخضع لمسطرة محددة قبل وفاة الأستاذ المرشد رحمه الله، وعدم ذكرنا التفاصيل لا يعني أنها غير موجودة أو أنها معيبة، بقدر ما أن هناك اعتبارات أمنية بالدرجة الأولى، إذ لا ينبغي أن ننسى أننا نعيش في معركة مفتوحة مع الآخر، وبأن أي دخول في التفاصيل يعرض إخواننا وأخواتنا لبعض المضايقات التي نعيشها أصلا، فماذا لو كشفنا عن هذه الأمور التنظيمية.

إذا لم تكن ترغب في ذكر التفاصيل فما هو إذن الإطار العام لهذه الانتخابات؟

الإطار العام لهذه الانتخابات أنها تتم عبر مرحلتين: هناك مرحلة الترشيح، وبالمناسبة هذه العملية لا نراها مجرد عملية عبثية أو مسألة هوى، بقدر ما هي تقدير حقيقي ومعرفة عميقة بمن نرشحه، ولذلك فالترشيح المفتوح على الجميع نعتبره من شكليات الديمقراطية المعيبة، ولا يعبر عن الحقيقة التي نريدها، وهي أن نضع الثقة فيمن نعرفه عن قرب وعن معايشة طويلة وتجربة معتبرة. ولذلك فمرحلة الترشيح السالفة يضطلع بها أعضاء مجلس الإرشاد، وعددهم حاليا 14 عضوا بعد وفاة الأستاذ المرشد العام رحمه الله، حيث يرشح كل واحد من أعضاء المجلس من يشاء لتحصر اللائحة في اثنين ينبغي أن يحصلا على ثلثي الأصوات. بعد مرحلة الترشيح هاته تأتي مرحلة الانتخاب العام، حيث يعرض من حصل على ثلثي الأصوات على جمع عام هو مجلس الشورى الذي يضم ممثلي كل مؤسسات الجماعة وممثلي الأقاليم من أجل اختيار اسم واحد شرط حصوله على أغلبية الثلثين، وإذا لم يحصل أي من المرشحين على الثلثين، تنظم الدورة الثانية، وإذا تعذر ذلك يعتمد على الأغلبية المطلقة إن اقتضى الأمر، والأمين العام للجماعة فضيلة الأستاذ عبادي حصل على أكثر من ثلثي الأصوات.

لم يتم ذكر عدد المرات التي يتم فيها التجديد للأمين العام للجماعة، إذ اكتفيتم بذكر خمس سنوات قابلة للتجديد دون ذكر إن كان التجديد سيتم مرة أو مرتين أو أكثر.

لحد الآن هناك نقاش داخل المجالس المسؤولة حول تحديد عدد الولايات بالنسبة لرئيس الدائرة السياسية والمسؤوليات الأخرى. أما بالنسبة للمسؤول الأول عن الجماعة، فالقانون المنظم يذكر أن التجديد على رأس كل خمس سنوات، بل أكثر من ذلك سيبقى المجال مفتوحا أمام أي طعن أو إعفاء إذا وقع شيء يستدعي ذلك خلال هذه الدورة نفسها. أما عدد الولايات فلم يتم تحديدها بعد.

أثير عدم حضور عائلة الشيخ عبد السلام ياسين إلى الندوة الصحفية الأخيرة التي تم فيها الإعلان عن اسم الأمين العام. ما سبب ذلك؟

لا بد من إشارة مهمة جدا هي أن عائلة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله وأصهاره لهم مكانة معتبرة داخل الجماعة وفي قلوب جميع أعضائها والمتعاطفين معها، وكثير منهم يشتغل داخل مؤسسات الجماعة بشكل عادي جدا، بل أكره ما يكرهون، وعلى رأسهم الأستاذة نادية ياسين حفظها الله، أن يُتعامل معهم على اعتبار أنهم أبناء المرشد، وكل أفراد الأسرة الشريفة رباهم المرشد رحمه الله على أن يبنوا شخصياتهم انطلاقا من مؤهلاتهم وعطاءاتهم، فالاعتبار العائلي غير حاضر بتاتا داخل الجماعة، وهناك عدد منهم يتبوؤون مناصب متقدمة داخل مؤسسات الجماعة، ليس بصفتهم من أبناء أو حفدة أو أصهار الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، بل باعتبارهم أعضاء داخل الجماعة لهم مؤهلات تؤهلهم لتلك المناصب، مثلهم مثل باقي الأعضاء، مع تقديرنا الكبير لهذه العائلة التي احتضنت هذا الرجل وتحملت معه وبذلت وأعطت من أجل أن توفر الجو المناسب ليؤدي رحمه الله رسالته على أحسن وجه.

هل حضروا اللقاءات التي تم تنظيمها لانتخاب الأمين العام للجماعة؟

الأستاذ منير الركراكي، وهو صهر الأستاذ المرشد رحمه الله، كان حاضرا باعتباره عضوا في مجلس الإرشاد، والأستاذ عبد الله الشيباني، وهو زوج الأستاذة نادية، كان هو الآخر حاضرا باعتباره عضوا في الأمانة العامة للدائرة السياسية.

وهل الجماعة جادة في أن يتم الترخيص لها بتأسيس حزب سياسي؟

أذكر أن أول من نادى بتأسيس حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية هو الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في وقت كانت جل أطياف الحركة الإسلامية توثر العمل السري، بل منها ما كان يتبنى العنف كأسلوب للتغيير، وهناك من كان يرفض أي ظهور علني لأي شكل من أشكال التمثلات للحركة الإسلامية، وهذا النداء ورد في مجلة الجماعة. المشكلة ليست مشكلتنا، بل مشكلة الطرف الآخر، والجميع يعلم أن منح الترخيص لحزب سياسي في عرف مخزننا العتيد لا يتعلق بجديتك ومدى استعدادك ووطنيتك، بل هو منة من النظام يعطيها من يشاء ويسلبها ممن يشاء، وليس أدل على ذلك أن تنظيمات أخرى، ومنها تنظيمات إسلامية، قدمت الأوراق المعتمدة واحترمت جميع المساطر، ومع ذلك لم يرخص لها بتأسيس حزب لا لشيء إلا أن مزاج المخزن لا يرغب في ذلك، مثلما وقع لحزب الأمة وحزب البديل الحضاري، والأمثلة كثيرة.

ليست لدينا أسباب ذاتية ومبدئية تحول دون الرغبة في تأسيس حزب سياسي، بل لنا شروط موضوعية، وهي ممارسة العمل السياسي الحقيقي وليس العمل السياسي “الديكوري” كأن نكون واجهة للاستبداد أو أن نغطي على جرائم الفساد، فإذا كان هناك اعتراف بنا كما نحن وليس كما يريد النظام فليس لدينا أدنى مشكل، فالشأن العام بما هو سعي مع الآخرين لتغيير أوضاع المجتمع نحو الأصلح وتمكين لقيمنا الإسلامية، وخاصة الحرية والكرامة والحرية، هو جزء من دعوتنا ويمثل شطرها العدلي، والدليل على ذلك أننا منذ التسعينيات أسسنا في الجماعة الدائرة السياسية المتخصصة في الشأن العام، وهي تتوفر على هياكلها وأنظمتها ومساطرها وبرامجها الخاصة، وتشبه في ذلك الأحزاب السياسية، غير أننا لا نرى أن ممارسة العمل السياسي في إطار المؤسسات المغشوشة يعتبر مجديا في الواقع الذي نعيشه الآن.

لماذا لا تتقدمون بطلب رسمي لتأسيس حزب سياسي من أجل إحراج الدولة؟

إن ذلك عبث في عبث، لا نريد أن نعود إلى التاريخ ونسرد ما وقع لإعلامنا من حظر ومنع وتضييق، وما يقع حاليا من تضييق على جمعيات مختلفة، بما فيها جمعيات للتنمية ولحفر الآبار لتوفير المياه في البوادي، وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ، فبمجرد وجود شخص ينتمي إلى العدل والإحسان لا يعترف بها، بل حتى عندما تقرر تأسيس جمعيات النجاح بالمدارس حرمت بعض المدارس التي يديرها أعضاء أو متعاطفون مع الجماعة من الترخيص، وقس على ذلك جمعيات فنية ورياضية، فضلا عن التضييق على أرزاق كثير من أعضاء الجماعة والمتعاطفين، والتجسس المكشوف على قيادييها.

إن بناء الثقة ينبغي أن يمر بمراحل، ومثال على ذلك حصلنا على أزيد من 50 حكما قضائيا من مختلف محاكم المغرب، سواء الابتدائية أو الاستئنافية أو حتى المجلس الأعلى، وكلها تؤكد أن جماعة العدل والإحسان جماعة قانونية، ومع ذلك ما زلنا نعامل بكل إقصاء ونحرم من أدنى الحقوق التي تعطى للمواطن العادي، فبالأحرى أن يتم الاعتراف بنا ويرخص لنا بتأسيس حزب. ولا أريد هنا أن أكرر حكاية القبر التي تعد برهانا فاضحا لسياسة المخزن تجاه دعوة العدل والإحسان.

ألا تعتقدون أن رغبتكم في تأسيس حزب سياسي ستصطدم بقانون الأحزاب السياسية الذي يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني؟

القوانين التي تؤطر تأسيس الأحزاب السياسية ببلادنا جد متخلفة عن مقتضيات الحريات السياسية والمدنية التي تكفلها شريعتنا الإسلامية السمحاء وكذا منظومة حقوق الإنسان. لهذا ينبغي أن تخضع لنقاش حقيقي بدون خطوط حمراء. فحينما يشترط تأسيس حزب سياسي بضوابط محددة وقوالب معينة، وفوق كل ذلك برضا المخزن الذي يرخص لمن يشاء ويمنع من يشاء بغير مسوغ قانوني، يفقدها استقلاليتها ووظيفتها الحقيقية باعتبارها وسيلة لتأطير الشعب والدفاع عن حقوقه وحمايتها، وليست مجرد مقاولات سياسية لتبرير السياسة المخزنية والتستر على الفساد والاستبداد.

مثلا في بريطانيا هناك أحزاب معارضة للنظام القائم وتشتغل وتتبارى مع الآخرين، بل تسمى أحزابا جمهورية وتعطى لها الحرية مثل غيرها، فالمهم هو أن تحترم قواعد العمل المدني السلمي الحضاري وأن يكون الاحتكام إلى الشعب وإلى صناديق الاقتراع الحرة.

كيف هي علاقة جماعة العدل والإحسان بالأحزاب السياسية؟

منذ تأسيس جماعة العدل والإحسان وهي تبني تصورها على المدخل الجماعي لإصلاح الأوضاع في المغرب، ونحن نقول ذلك دائما، وقالها الأستاذ المرشد العام رحمه الله في كتبه، وعبرنا عنها في كثير من مقررات مجلس القطري للدائرة السياسية وفي أدبياتنا. إننا نؤمن بأن أي قوة مهما كانت تمتلك من قوة اقتراحية ومن امتداد جماهيري لا يمكنها، بمفردها، أن تحل المعضلة الكبرى التي أوقعنا فيها المستبدون والمفسدون، فلا بد من أن تتضافر جهود جميع المخلصين، وما أكثرهم في هذا البلد. ولذلك فمقاربتنا مقاربة جماعية، فنحن نقدر جهود الجميع ونحترم اجتهاداتهم، وحتى الذين لهم اجتهادات تعارض اجتهاداتنا يمكن أن نتعامل معهم، فنحن مستعدون لذلك، ولا أدل على ذلك من تنسيقنا في حركة 20 فبراير مع أطراف لها مرجعية مختلفة عن مرجعيتنا، فكل هذا لم يمنعنا من أن ننجز في الميدان عملا مشتركا كان رائعا لولا بعض الظروف الذي أفسدته. معنى هذا أننا نبني عملنا السياسي على التعاون مع الجميع وننادي دائما بهذا الأمر، وقد أطلقنا نداء «جميعا من أجل الخلاص»، وأطلقنا نداء «حلف الإخاء»، إضافة إلى كتب الأستاذ المرشد رحمه الله الحوارية مع الفضلاء الديمقراطيين ومع الأمازيغيين والوطنيين، فنحن نعتبر أن هؤلاء يجتهدون من أجل إصلاح الأوضاع بالمغرب، واجتهاداتهم مقدرة، وإنما يجب أن نجلس مع بعضنا البعض وأن نعترف ببعضنا البعض وأن نضع سويا خارطة طريق من أجل إخراج البلاد مما تعيش فيه.

وكيف هي علاقتكم بحزب العدالة والتنمية؟

علاقتنا بحزب العدالة والتنمية مثل علاقتنا بباقي الأحزاب السياسية، وإن كانت تتميز باشتراكنا معه في المرجعية الإسلامية، فمن الناحية التصورية نصطف في نفس الصف، وإن كانت جل الأحزاب السياسية لا ترفض هذه المرجعية. وعلاقتنا بالحزب بهذا الاعتبار تبقى مميزة، فنحن نتواصل ونتعاون معهم، ولم نتردد في تهنئة الأستاذ عبد الإله بنكيران لما انتخب أمينا عاما للحزب، رغم موقفنا من الحكومة وموقفها منا، ونفس الشيء فعلناه مع حزب الاستقلال وغيره.

صرح الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة مصطفى الباكوري بعدم وجود أي اتصال لحزبه بجماعة العدل والإحسان.

هذا صحيح. فعلا ليس هناك أي اتصال بهذا الحزب.

وبالمناسبة أسجل، مع الأسف الشديد، أن الساحة السياسية في بلادنا مليئة بعدد من الألغام التي يبثها المخزن وأعوانه في إطار سياسة فرق تسد، وهناك ريبة وشك وسوء ظن بين بعضنا البعض، لذلك نفضل أن نتواصل بشكل مباشر مع غيرنا حتى يعرفنا الآخرون. في كثير من التجارب والمحاولات التي تيسرت لنا حينما نلتقي بالآخر ونكتشفه ويكتشفنا عن قرب نجد أن ما يجمعنا كثير وأنه يمكننا أن نتعاون في عدد من المجالات، فنحن في كلمة واحدة منفتحون على جميع الشخصيات والهيئات والأحزاب ما لم يكن هؤلاء مساندون للظلم والفساد.

قدمت تعازِ من مختلف الأطياف السياسية في وفاة الراحل الأستاذ عبد السلام ياسين، هل هذا يعني أن هناك انفتاحا على الجماعة، أم أن الأمر يتعلق بعادات اجتماعية؟

أعتقد أن جنازة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله فوق التقاليد الاجتماعية. صحيح أن المغاربة في لحظة الموت ينسون اختلافاتهم ويبدون متعاونين ومتآزرين أكثر من الحالات الأخرى، لكنني أعتقد أن الإجماع الذي حصل حول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله هو أكبر من مجرد تأثر بلحظة الموت لأن الرجل يستحق ذلك بامتياز، فقد كان رحمه الله، كما شهد له الجميع داخل المغرب وخارجه ومن يتفق معه ومن يختلف معه، عارفا بالله، ربانيا ووطنيا وشهما ومنظرا بصيرا وقائدا حكيما، ونأسف أن هذا التقدير لم يُنتبه إليه إلا بعد وفاته، فقد كان يحمل في قلبه العطف والحنان والحب لكل الناس دون أن يميز في يوم من الأيام بين هذا وذاك، وأذكر أن آخر لقاء جمعنا به سأل الأستاذ محمد عبادي عن مصير بيته المشمع، فلما حكى له الأستاذ عبادي أن الأمر ما زال على ما هو عليه رغم تدخل الجمعيات ورغم رفع شكاية إلى وزير العدل والحريات، قال له: «رغم ذلك لا تدعو عليهم ولا ندعو عليهم، بل ندعو للجميع بالهداية»، فالرجل كان يحمل في قلبه الحب للجميع، وقال: «نحن لسنا من الذين يحملون الحقد على الآخرين لأن سلعتنا كبيرة جدا. نحن نريد أن نكون رحمة في العالمين». لذلك فهذا الإجماع حوله أكبر من أن يتعلق بتقاليد اجتماعية لأنه كان يستحق ذلك وأكثر من ذلك رحمه الله تعالى وأجزل له الثواب.

هل لغياب رئيس الحكومة عن جنازة الراحل عبد السلام ياسين دلالة، رغم أن الجميع كان يترقب حضوره؟

نحن لم نترقب حضوره، وإن كان قد صرح قبل ذلك، حسب بعض المواقع، بأنه سوف يحضر. لقد أخذ المبادرة وكان من الأوائل الذين حضروا إلى بيت الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وقدم واجب العزاء ونحن نشكره على ذلك، ونشكر كل المعزين، بل هناك عدد من الوزراء من العدالة والتنمية ومن غير العدالة والتنمية زاروا بيت الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله لتقديم العزاء، فنحن نقدر شعورهم الإنساني، ونتفهم جدا عدم حضور رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران، لأن هناك خطوطا حمراء لا يسمح لأحد بتجاوزها، فالمخزن يظل هو المخزن ولو في لحظات الموت التي تستوجب سلوكا متسامحا وإنسانيا، وهذا واضح من خلال التضييقات التي عانينا منها أثناء مسار الجنازة، فقد اقترحنا أن تمر الجنازة من شارع محمد الخامس وكان همنا الأكبر في ذلك هو ألا نوقف المواصلات العمومية لأننا قدرنا أن إيقاف الترامواي لمدة ساعتين سيربك العمل الوظيفي وسيحدث مشاكل كبيرة للمواطنين، وما كان الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ينتقده في الآخرين لم نكن لنفعله في جنازته، ومع ذلك، هؤلاء أصروا على أن يعطونا مسارا مغايرا وغيروه مرة أخرى، فهذا هو المخزن العجيب. لذلك فإن عدم حضور الأستاذ عبد الإله بنكيران باعتباره رئيس الحكومة إلى الجنازة أمر نتفهمه كثيرا.