الحلقة الأولى: اللــقـــاء

أول لقاء لي بالإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله، كان سنة 1972، حين انتقل من مدينة الرباط إلى مدينة مراكش. كنت حينئذ طفلا أبلغ ثمانية أعوام من العمر.

لقاء طفل في العشرية الأولى من العمر برجل في الأربعينيات، طبعه الفرح والانشراح والطمأنينة، لم أدرك عمقها إلا بعد حين.

كنت أصحب الوالد – أحمد الملاخ – في كل زيارة لصاحبه الإمام رحمهما الله، أسمع وأرى…

كنت أمعن في النظر إليهما، إمعان المكتشف لسر من الأسرار لم أدركه يومها. أستمع لحديثهما الذي أخذني أخذا. كلام يتمحور حول قضايا أكبر من سني، لكن عناوينها بقيت راسخة في ذهن صبي يفترض أن يكون في ساحة اللعب، وتركت بصمة لم تمح بطوفان المراهقة، ونقشا فريدا في نضج شخصيتي، والحمد لله رب العالمين… من هذه القضايا حديثه الدائم عن الآخرة وما بعد الموت، سؤاله للسيد الوالد عن آخر مقروءاته في مجال الثقافة واللغة والدين…

كان رحمه الله لا يتجاهل حضور الصبي في مجلس الكبار، كما يفعل كثير من الناس مع الأطفال.

كان رحمه الله، بين الفينة والأخرى ينظر إلي مبتسما ويسألني: هل صليت العصر معنا في المسجد؟ هل تحفظ القرآن؟ هل تقبل يدي أبويك؟…).

وعندما أجيبه بالنفي، يجيبني بسلوكه الموجه وليس بالقول المباشر:

– يقبل يدي والدته الحاجة رقية رحمها الله صباح مساء، يتوجه لها بالكلمة الطيبة، يخصص لها وقتها رغم انشغاله بالكتابة والاستقبالات…

– يقرأ القرآن جهرا، كانت لقراءته حلاوة وفي نبرة صوته خشوع يشدك شدا.

– عندما ينتهي الأذان، نسمع لازمة في فمه: هيا إلى الصلاة)، ينادي على ابنه وعلي حين أكون في ضيافته، لنذهب إلى المسجد، ويحرص على الصف الأول.

– يعلمنا كيف نقرأ القرآن: الوضوء واستقبال القبلة وقراءة المصحف بوضع السبابة على الحروف، دون الالتفات.

– يعلمنا كيف نذكر الله، بترديد الكلمة الطيبة والاستغفار والصلاة على رسول الله في حضور وتدبر.

– يعلمنا أيضا اللعب، بل يحثنا على الانخراط في اللعب الذكي: كالشطرنج شريطة احترام أوقات الصلاة، والكراطي لبناء الجسم السليم والعقل السليم.

– يعلمنا المطالعة وقراءة الكتب والمجلات. يسألنا عن حصيلة اليوم في القراءة، بل كنا نقوم بالقراءة الجماعية للكتب باللغة العربية والفرنسية. نتعلم بالخطأ قواعد اللغة ودلالة المصطلح.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (2) اليقظة القلبية

– نصحبه في نزهة بعد العصر لنتأمل خلق الله. يوقفنا أمام شجر النخيل ويذكر لنا قول الله تعالى: مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، كما كان يستوقفنا أمام سرب النمل في انتظام سيره وقصده لبلوغ الهدف، مسبحا الله تعالى.

كل ذلك كان له أثر طيب على طفل حظي بأبوتين: الأب الطيني سيدي أحمد الملاخ الذي كان يتعلم بدوره في مستوى أعلى من الأب الروحي: الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين رحمهما الله.

اليتم، بالنسبة إلي، اليوم مضاعف ووطؤه شديد… ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، خالق الحياة والموت: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون.

إنها سنة الله في خلقه: ضعف بعد قوة.. هرم بعد فتوة.. موت بعد حياة. إنها سنة الله في ملكوته العظيم: يشتاق للقائه العباد الصالحون، ويخاف من لقائه العباد المذنبون، ويفرح للقائه من عينهم تنظر لما عنده عز وجل، ويحزن لفراق أهل الفضل والنور المحبون.

الإمام المجدد رحمه الله مدرسة كل الأجيال. رحيله اليوم أحس به الصغير والكبير، المرأة والرجل. لكن برحيله، رغم قساوته، أحيى الأمة بنورانية قلبه وقوة عقله وسمو إرادته، لأنه ترك للأمة علم المنهاج النبوي لتجديد الدين واسترجاع أمة رسول الله عزتها وكرامتها من المشرق إلى المغرب.

فيما أذكر، أول حديثين حفظتهما عن الإمام – وأنا ابن الثامنة من عمري –: حديث النية وحديث الصخرة.

حرص الإمام أن يكون هذان الحديثان أول ما يستقر في جوفي لتصلح النية ويستقيم السير.

حديثان عظيمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما ترغيب وترهيب، يتعلم المرء منهما الخوف والرجاء.

حديثان يعكسان همة ونية الوالد المعلم وخشيته على النفس من الطغيان، رحمه الله.

الحديث الأول: قال صلى الله عليه وسلم: “إن أوَّلَ الناسِ يُقضى عليه يوم القيامة رجلُ استُشهد؛ فأُتي به فعرَّفَهُ نعمتَه فعرَفَها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ. قال: كذبتَ؛ ولكنك قاتلتَ لأن يُقال: جريء، فقد قِيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلمَ وعلَّمَه، وقرأ القرآنَ، فأُتي به فعرَّفه نِعمَه فعرفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلمَ ليُقال إنك عالم، وقرأتَ القرآن ليُقال هو قارئ، فقد قِيل، ثم أُمرَ به فَسُحِبَ على وجههِ حتى أُلقِي في النار. ورجلٌ وسَّعَ اللهُ عليه وأعطاه من أصناف المالِ كُلِّهِ، فأُتي به فعرَّفه نعمَه فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذَبتَ، ولكنك فعلتَ ليُقال: هو جواد؛ فقد قِيل، ثم أُمر به فسُحِب على وجهه ثم أُلقي في النار”. رواه مسلم.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (6)

الحديث الثاني: المعروف بحديث الصخرة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي في طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج،وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أَدِّ إلي أجري فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزىء بي، قلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون”.

علمت بعد أربعين سنة وأنا ألقي على الإمام نظرة الوداع سر اختياره في تلقيني هذين الحديثين الشريفين، أن إخلاص النية أساس البناء والقصد في السير إلى الله طلبة أهل الله وخاصته.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: من التجربة الشخصية إلى تأسيس مشروع أمة (5)صدق مرسل رسالة "الإسلام والطوفان"

أعلم جيدا أن الإمام المجدد رحمه الله، لم يرغب يوما في أن يصبح تحت دائرة الأضواء الكاشفة، أو يذكر في سجل عظماء التاريخ… إنما كان قصده من علمه الواسع العمل به لنيل رضا الله، مصداقا لقول الله تعالى في سورة الكهف: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

إلا أنني أرى من واجب كل من تعلم على يده الشريفة وكل من ولج مدرسته الطيبة المباركة أن يدل أبناء أمة رسول الله على تجربة الرجل وفقهه التجديدي، الذي يتجلى في تراث نظري ضخم، ومدرسة قائمة بذاتها وكتابات مجددة مبدعة قوية متحررة: إنه علم المنهاج النبوي، الذي تحاول مدرسة العدل والإحسان بلورة قوته وتحرره في ثلاث أبعاد:

– التحرر من ثقل الإنتاجات الفقهية المظروفة بسياقات تاريخية معينة. ماضوية تلغي العقل المجتهد وتغرق الأمة في التقليد.

– التحرر من الترسانة المفاهيمية للنسق الديمقراطي الغربي دون إلغائها. الاستفادة من الحكمة الإنسانية ضرورة مجتمعية.

– التحرر من ضغط أحداث الواقع المعيش المحكوم بالظرفية الآنية وسيطرة الأنانية المستعلية والعقلية المصلحية المنخرطة في منظومة العقل المستبد.

في إحدى زياراتي له، بتاريخ الأحد 11 رمضان 1431ه الموافق ل22 غشت 2010م – الثالثة زوالا- سألت الإمام رحمه الله عن سلسلة إصداراته لكتاب دولة القرآن) والتي كان آخرها جماعة المسلمين ورابطتها)، أجابني بقول الشاعر:

وما من كاتب إلا سيفنى***ويبقي الدهر ما خطت يداه
فلا تكتب يمينك غير شيء***يسرك في القيامة أن تراه
علم المنهاج النبوي اجتهاد معاصر لفهم الدين وتحرير العقل المسلم من سيطرة الهوى لسيادة الوحي يصعب على الزمن إقباره، ويستعصي على الخصم إلغاؤه، ويستوجب على أبناء مدرسة العدل والإحسان إظهاره.