بانتخابها الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما، استطاعت جماعة العدل والإحسان أن تخلق الحدث مرة أخرى، مكذبة بذلك العديد من التكهنات عن تدبير الانتقال من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة النضج والرشد. لكن طريقة الانتقال بهذه الكيفية السلسة لم تكن خالية من العديد من الإشارات والدلالات على مستويات عدة:

على المستوى التنظيمي: لقد أبانت الجماعة على متانة بنائها التنظيمي ونضج هياكلها ومؤسساتها، خصوصا وأن حدث وفاة المرشد رحمه الله ليس بالسهل على هذا التنظيم لما يكنه أعضاؤه من محبة وتقدير عظيمين لهذا الرجل. وهكذا جاء انتخاب الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما بتلك الطريقة الديمقراطية الشورية ليفند كل المزاعم التي طالما اتهمت قيادة الجماعة بالاستبداد الديني أو بالوصاية على الأعضاء واختياراتهم.

وحدة صف وانسجام مواقف: فالتشكيلة التي أعلنت الأمين العام للجماعة وإن مثلت مجلس الإرشاد فقد دلت بوضوح على انصهار مؤسسات الجماعة في بوتقة واحدة: ذ. عبد الواحد متوكل مسؤول الدائرة السياسية، و ذ. فتح الله أرسلان يمثل الواجهة الخارجية والعلاقات العامة، وذ. عبد الكريم العلمي مسؤول مجلس الشورى (برلمان الجماعة المعبر عن إرادة واختيارات أعضائها) وذ. محمد العبادي مسؤول لجنة التربية سابقا.

فكل ما يروج له إعلاميا من وجود تيارات مختلفة وآراء متضادة داخل الجماعة يبقى بعيدا عن الواقع، حيث أبانت أجوبة المتدخلين في الندوة الصحفية عن انسجام تام مع المبادئ الثابتة للجماعة وعن صدورها عن المشروع المبثوث في أدبياتها المعروفة.

على المستوى السياسي: يمكن اعتبار الأستاذ محمد العبادي عنوانا لمظلومية الجماعة وأحد الذين نالوا النصيب الأوفر من آلة البطش المخزنية على امتداد ثلاثة عقود من الزمن، حيث مورست في حقه وعائلته جميع أنواع الانتهاكات نتيجة مواقفه الصلبة وجرأته السياسية؛ (الاختطاف، الاعتقال التعسفي، الحرمان من الوظيفة، مصادرة حقه في التعبير (محاكمته بسبب آرائه)، منعه من حقه في السكن (تشميع بيته إلى الآن)، منعه من السفر مرات عديدة…). إذن فأمام رجل بهذا التاريخ وبهذه المواصفات سيكون من الصعب جدا انتظار أي تغيير في مواقف الجماعة في اتجاه التليين أو غيره، كما يظن البعض أو يأمل آخرون. هذا إذا اعتبرنا أن لشخصية القائد تأثيرا على التنظيم، أما الأستاذ محمد العبادي فهو ما فتئ يؤكد قبل توليه هذه المسؤولية وبعدها على استمرار مضي الجماعة على النهج الذي سطره مؤسسها رحمه الله.

على المستوى التربوي: زخر بيان مجلس الشورى بعبارات الوفاء والعرفان لروح المرشد المؤسس عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، ولم يكن ذلك إلا دليلا على قوة ارتباط الجماعة بمؤسسها وإشارة إلى الاعتراف بالجميل والإشادة بالقيمة العظيمة لهذا المشروع الضخم، ثم التأكيد على الثبات ومواصلة مسيرة العمل إلى أن يكتمل البناء وتتحقق الأهداف.

ويمكن فهم الاسم الجديد “الأمين العام” في سياق التأكيد على معنى الوفاء للمرشد رحمه الله، والحرص الشديد على تطبيق أحد المعاني التربوية العميقة التي صرحت بها وصيته الأخيرة وهي “الصحبة في الجماعة”، إذ بانتقال المرشد إلى الرفيق الأعلى يبقى التشبث بالجماعة وخدمة مشروعها هي المورد التربوي الذي تسري من خلاله معاني الصحبة وأسرارها، الأمر الذي يتوافق مع أفق مشروع العدل والإحسان الممتد في الزمن عبر الأجيال التي ستحمله. في حين أن الأدبيات الصوفية تحيلنا على شيخ مرب يورث سره أحد مريديه النجباء.

لقد أظهرت جماعة العدل والإحسان مرة أخرى أنها تنظيم محكم مبني على مؤسسات منسجمة متكاملة فيما بينها، وأكدت بوقائع ملموسة على أنه وبالرغم من ضخامة المشروع الفكري الذي يؤطرها وغناه فإنه لم يكن يوما مصادرا لحرية الإبداع، بل يتضمن في طياته هوامش فسيحة تتيح فرصا كبيرة للتعديل والتطوير بما يمكن الجماعة من مسايرة المتغيرات ومواكبتها.