يتشابه الرجال عبر التاريخ وتتشابه مخايلهم من حيث العبقرية والعلم والحنكة والقوة والصبر، وبينما كنت أتأمل ما أعرف من حياة عبد السلام ياسين رحمه الله وما تميزت به من صبر وصمود ونضال وتأسيس وبناء وما تركه من تراث علمي يشكل منظومة معرفية تعبر عن تكامل منهجي لديه، فإذا به لم يكن رجلا عاديا رحمه الله ولا معارضا على موضة المعارضة والمعارضين بل كان من رجال العلم والإصلاح، ولعل تاريخ الأمة يحفل بكثير من المصلحين، وكان أن وقر في نفسي أنه أكثر شبها بالداعية والزعيم والفقيه المصلح عبد الله بن ياسين.

في الاسم والأصل

لقد تشابه الرجلان في الاسم فذاك ابن ياسين وهذا ياسين فرحمها الله كليهما. وكلاهما سوسي، فقد ولد عبد الله بن ياسين في أوائل القرن الخامس الهجري في المغرب، من قبائل سوس حيث أن أباه من الصنهاجيين الملثمين من قبيلة تمانارت التي تعد فرعا من قبيلة جزولة السوسية، أما عبد السلام ياسين فمن منطقة أولوز السوسية أيضا، إنهما من سوس الزاخرة بخيراتها ومن خيراتها خيرة الرجال.

وإذا كان عبد الله بن ياسين عاش في ظرف تميز بالصعوبة بالنسبة للغرب الإسلامي أي عصر سيطرة العبيديين وما صاحب ذلك من محاولة فرض التفكير الشيعي بالقوة حتى وصل ذلك إلى حد التنكيل بعلماء المالكية كما وقع مع أبي عمران الفاسي الذي يعتبر شيخ وجاج بن زلو اللمطي، هذا الأخير بدوره كان شيخا ومدرسا لعبدالله بن ياسين، كما عاصر ملوك الطوائف بالأندلس وما صاحب ذلك من تفرقة واستفزاز مسيحي وفرض الإتاوات والضرائب المتتالية على المواطنين، فإن عبد السلام ياسين قد عاش جزء من عمره أيام الاستعمار البغيض بأمراضه السياسية والاجتماعية التي استفحلت بعد الاستقلال ليعيش ويعايش سنوات الرصاص وفي أوجها وجه رسالته الجريئة للحسن الثاني.

رابطة ابن ياسين وجماعة عبد السلام ياسين

لما رأى عبد الله بن ياسين ما رأى من فساد الأوضاع بالمغرب والأندلس ندب نفسه لإصلاح الأوضاع، وبدأ بدعوة القبائل للتوحد والتوحيد مستندا في ذلك على علمه وفقهه ومعرفته بعادات وتقاليد أهلها، لكن إعراض الناس عن دعوته جعله يؤسس باقتراح من أحد أصدقائه رباطا بإحدى الجزر الأطلسية وانتشر خبرها حتى اجتمع له من تلاميذه نحو ألف رجل وسماهم المرابطين وهكذا أصبحت دعوته دعوة جماعية منظمة وهنا أخذت دعوته تتجه إلى القبائل بصفتها مؤسسة مهمة في بنية المجتمع المغربي آنئذ.

ولما عاين عبد السلام ياسين ما عاين وشاهد ما شاهد من فساد سياسي وإداري واجتماعي بالمغرب نتيجة الاستعمار ونتيجة الوضع السياسي المختنق بالمغرب، حاول توحيد صفوف الجمعيات الإسلامية التي كانت وقتها متناثرة هنا وهناك مستندا في ذلك على شكيمته القوية وعزيمته المتوقدة ومعرفته بمناهج الإصلاح والتربية وعلاقة السياسة بذلك.

وإذا كانت دعوة عبد الله بن ياسين لاقت إعراضا فاتخذ له رباطا أو منفى اختياريا فإن جماعة عبد السلام ياسين حوصرت من خلال حصاره الذي دام عشر سنوات لينتشر خبرها ويكثر أتباعها كما كثر أتباع عبد الله بن ياسين ومن ثم أصبحت الجماعة أكثر تنظيما وإصرارا، وإذا كان ابن ياسين بعد كثرة أتباعه دعا القبائل للتوبة فإن ياسين بعد انتظام جماعته سيتجه بدعوته إلى نظام الحكم من أجل “تقوى الله عز وجل في الشعب ومصالحه” وللإصلاح والسياسي والاقتصادي وذلك “برد المظالم والحقوق” حيث أن النظام السياسي يحتل مكانة هامة في الواقع المغربي.

لقد انطلق عبد الله بن ياسين من رباط سيدي وجاج بن زلو اللمطي، وأخرج الدعوة من الزوايا إلى المجتمع كله ليقوم ببناء الدولة؛ وهو الشيء الذي سعى الشيخ عبد السلام ياسين إلى إنجازه حيث انطلق بالصوفية من الزوايا ليوظفها في بناء متين لأعضاء الجماعة وليوظفها أيضا في النقد السياسي وفي الإصلاح السياسي.

في العمق

كان نشوء الحركة المرابطية عملا منظما حيث انطلقت لإصلاح الأوضاع الفاسدة عقديا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وكانت تستند في ذلك لقاعدة فكرية لا لبس فيها، عقيدة سنية مالكية، وكانت التحركات السياسية والاقتصادية لعبد الله بن ياسين مرتبطة بقراءة عميقة للأحداث وظروف الوقت، ودعوة الشيخ عبد السلام ياسين عمل منظم منذ بداياته على وفق “المنهاج النبوي” وهي تستند على سند تربوي صوفي كما أن التحركات السياسية للجماعة تمتح من رؤية سياسية ومن مراعاة للحدث السياسي للبلاد وللواقع الدولي الذي يرقب العالم الإسلامي داعما الأنظمة المستبدة متواطئا معها ضد نشوء ديمقراطية توصل الإسلاميين للحكم.

في طلب العلم والحث عليه

كان عبد الله بن ياسين رحمه الله تعالى فقيها عارفا بأحوال زمانه وعادات وتقاليد بلاده، فقد درس بزاوية شيخه سيدي وكاك بسوس وانتقل إلى الأندلس ودرس بها سبع سنوات، ولذلك لم يتجاهل عبد الله بن ياسين قيمة العلم في بناء دولته بل كان يعطي من الزكوات والأعشار والأخماس إلى طلبة العلم، إنها الحكمة والوعي بدور العلم في تقدم الأمم وازدهارها، أما عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى فما فتئ يوصي أعضاء الجماعة بطلب العلم ويحثهم عليه قائلا أن الشواهد بداية الطلب لا نهايته، ولك أن تقرأ ما جاء في وصيته الأخيرة، قال رحمه الله: أوصي بطلب العلم، العلم الضامنَ سَعادَة آخرةِ كل فرد فرد، والعلوم الكونية الضامنة قوة الأمة، تبنيها قبل السواعد القوية والأموال الرشيدة عقول منّظِمةٌ صانعة مخترعة).

الوفاة: تشابه أم اختلاف

لقد بذل عبد الله بن ياسين رحمه الله جهدا فكريا وسياسيا من أجل توحيد المغرب وبقي مصرا على مشروعه حتى توفي في جهاده ومحاربته لقبائل بورغواطة ومات في الميدان شهيدا رحمه الله.

وبقي عبد السلام ياسين رحمه الله يواصل مجهوده الفكري والتنظيمي والتربوي، مصرا على منهجه ودعوته فكثير من المعارضين تراجعوا وكثير من السياسيين استقالوا بعدما ثقلوا وبقي عبد السلام ياسين مجاهدا مكافحا منافحا عن الحق بقلم صادق ولسان صادح مثل عبد الله بن ياسين حتى توفاه الله تعالى، فحق للمغرب أن يفخر برجاله…