من أهم اللبنات التي ساهمت بشكل كبير في إقامة صرح جماعة العدل والإحسان كبنيان مرصوص يشد بعضه بعضا، ويقف شامخا متمنعا على معاول الهدم والتخريب، ومحاولات التشويه والتثريب ما سطرته أنامل الإمام المجدد، المؤسس المرشد في أكثر من مجال وميدان، وعلى مدى عقود من الزمان. كتُبٌ شكل كل واحد منها تحفة تربوية تعليمية تكوينية غاية في الجدة والجودة، نهاية في العمق والدقة، آية في الفاعلية والجدوى على مستوى التنظير للمشروع التربوي التغييري: “المنهاج النبوي”، وعلى صعيد بناء شخصية المؤمن الرباني، الداعية السالك إلى الله بيقين العابد، وإحسان الواصل، وإتقان العامل: “الإحسان”. وفي معمعان التدافع، وتدبير الشأن العام، والتخطيط للحكم: “العدل، الإسلاميون والحكم”. وفي مجال التأريخ لمستقبل الإسلام: “الإسلام بين الدعوة والدولة” و”الإسلام غدا”. وفي مجال التواصل مع الآخر، ومد جسور التفاهم والتقارب معه: “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، “الديموقراطية والشورى”، “حوار مع صديقي الأمازيغي”، “حوار الماضي والمستقبل”. وفي مجال الفقه في الماضي والحاضر والمستقبل: “نظرات في الفقه والتاريخ” و”الرسالة العلمية”. ومن خلال القراءة الفاحصة لما عند الأغيار من نظريات وأفكار: “الإسلام والقومية العلمانية”، “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية”، “سنة الله”، “الإسلام والحداثة”، “حوار مع النخب المغربة” بعقلية نقدية عالية لا متعالية، بناءة لا صدامية عدائية طائفية مغرضة. وفي ساحة الشهادة بالقسط، والقيام لله بالحق: “الإسلام أو الطوفان”، “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، “رسالة القرن في الميزان”. وفي حقل التنظير لمشروع الفن الفاعل والمؤثر والمغير: “المنظومة الوعظية”. وفي الإبداع والإمتاع، والإقلاع بالقريظ نحو آفاق تمتزج فيها الكلمة المعبرة بالفكرة البكر، والخيال الابتكاري بالعاطفة الجياشة المنهضة، والصورة الجميلة المركبة بالموسيقى المونقة الرنانة، ووحدة الموضوع بالوحدة العضوية الجامعة المانعة الرائعة: “شذرات” و”قطوف”. هذا مع التأصيل لدولة القرآن وتبيان مآلات التفعيل وآليات التنزيل: “مقدمات لمستقبل الإسلام”، “القرآن والنبوة” “إمامة الأمة”، “جماعة المسلمين ورابطتها”، “الخلافة والملك” “رجال القومة والإصلاح”. دون أن نغفل النَّفس التأملي الحجاجي الأكاديمي الذي نجده في الكتب التي ذكرنا وخاصة “العقل والنقل الإرادة”، “محنة العقل المسلم”، “ومقدمات في المنهاج”. وهل ينكر إلا مكابر النظرة التخصصية المائزة الحائزة على ثقة أهل الصنعة والفن، تلك التي نظر بها المرشد المؤسس رحمه الله للاقتصاد من زاوية نظر كاملة متكاملة فكرية تربوية، وسياسية تدبيرية: “في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية”. ناهيك عن خبرته الواسعة في التربية والتعليم حيث تجد للرجل جولات وصولات في أكثر من ميدان تربوي تعليمي، توجيهي تكويني كان ولا يزال بصمة مميزة في المجال، ومرجعا لا يستغنى عنه على كل حال: “مذكرات في التربية”، “نصوص تربوية”، “كيف أكتب إنشاء بيداغوجيا”، ومساهماته في تأطير العملية التربوية التعليمية إن على مستوى التأليف، أو على مستوى المقررات لا تعد ولا تحصى ولا يمكن أن تُتَجاوز فأحرى أن تنسى. وما خص الله به الرجل من فضائل العلم النافع المنشئ للعمل الصالح، وفواضل البحث المستقصي الدارس المتمكن، وأفضال التنظير والتأطير المؤديين إلى التغيير يشهد به العدو قبل الصديق، والخصم قبل المتعاطف، والقريب قبل الحبيب، وهو مع ذلك يقول عن نفسه أنه طويلب علم لا يدعي لها تخصصا في مجال، ويشهد لأهلها بأهليتهم لا يغمط أحدا حقه، ويثني على الرجال في كل مجال. يكتب الكتاب ولا ينشره حتى يبلغ أجله، وإن استغرق في قاعة الانتظار أعواما تتجاوز العقود الثلاثة والأربعة في بعض الأحيان، فإن خرج إلى الوجود فكأنه ابن وقته، بل إنه رائد فَرَط يسبق إلى حوض المعرفة، ويهيئ لمن خلفه، ولمن بعده مراتع يتوهم بعضهم أنه اكتشفها، أو اكتسبها، أو آلت إليها إرادته وسعيه. فمن ناقل، ومن منتحل، ومن ناسخ، ومن متاجر ناشر، ومن مقتبس، ومن ملتمس ضالته فيما وجده عند هذا العالم العارف العلم جاهزا باردا يُزف إليه بلا صداق ولا مهر، ولا علامة قف بدعوى الحقوق المحفوظة، والأقراص المشفرة، والمكتبات الخاصة. هدية يأخذها ويتبناها، وكان قبل يحلم بها ويتمناها. آلاف مؤَلَفة، آلاف مؤلِّفة نهلت من هذا المَعين ووجدت فيه خير مُعين، ودعك ممن أخذ وأنكر، ودعك ممن تقول وتغول، دون أن يقرأ أو يتمثل، ودعك ممن يهرف بما لا يعرف، ومن ينتصب في منصة القضاء لم ينصبه أحد، ولا هو أهل لحل أو عقد، أو أخذ أو رد، أو إبرام أو نقض أو نقد، ومن يرمي البحر بالحصاة ويظن أنه نال منه، ومن ينطح الجبل بقرن وعل وهو يتوهم أن هز كيانه، ومن خرج في العراء كجبان المتنبي ولسان الحال يقول:

وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ***طلبَ الحربَ وحدهُ والنزالا

أستغفر الله وهل نعدم في المؤلَّفة قلوبهم، المؤلِّفة أقلامهم نماذج منصفة غير مجحفة، وألسنة مسددة راشدة بالحق ناطقة شاهدة. لهؤلاء نعدهم بمزيد ينتظر صرخة الوجود بعد أن قضى في رحم الانتظار عدة عقود، نعده ونمنيه بجديد ممتع ومفيد، من فقه التجديد، في المنهاج النبوي الاستخلافي الرشيد، من نثر وقصيد، يجد فيه ما يريد وأكثر مما يريد. ومن لم يسعفه الصبر على البحث عن الحق والحقيقة، ليجد الرفيق السوي ويسلك طريقه، ومن لا جَلَد له على قراءة ما انتفعت الملايين ببنات جنانه ولسانه، وبنانه وبيانه، ومن غره أن له قلما يسيل مداده ويسوِّد صفحات دنياه وأخراه ليقرأ كتابه عند ربه -كفى به يومئذ على القائلين والكاتبين حسيبا- نعفيه من قراءة ذخائر هذه الخزانة، ولا نحمله ما لا يطيق من صبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ومن يدعون إلى ربهم بالغداة والعشي يريدون أن يرقوا إلى الإحسان دينا، وإلى العدل حكما وتمكينا، وإلى القضاء ميزانا، وإلى القسمة تكافؤا وتأمينا، ونقول له يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن البرهان ما تمنع على الإتلاف والتجاوز، ونكران الجميل إلا من المتربص، والمتملص من الشهادة، والمتخصص في تنفيذ التعليمات المأجورة المأزورة بالعرَض الزهيد القليل من دنيا غيره، وممارسة الحجر والوصاية، والحصر والمنع، والخفض والضرب، والجر والنصب.. يكفي أن نقول له إن في وصية هذا القائد الرائد المرشد القدوة، الفقيد الحميد، الشهيد السعيد، ما يفصح عن معدنه، ويبلغك غاية مقصده ومكمن مأمنه. ذلك أن الرجل خبير بالمنطلق، خبير بالعوائق، خبير بالرقائق، خبير بالبوارق، خبير بالفوارق، خبير ببناء الرجال، وبكيف يكون بنيان الرجال لتكون البنية على أحسن حال، وإلى أحسن مآل.

إقرأ وصيته فقد أفضى إلى ما قدم، وتجرد من كل منظار أسود، أو داكن على أي لون شئت. إقرأ وصية من عاش كما لم يعش أحد، ومات كي لا يموت وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة آل عمران، 169،170) لتعلم أن العبرة بالخواتم، وأن الرجل كان يخطط كما يخطط أغلب الناس لحياتهم وأكبر وأحسن مما يخطط الناس لحياتهم، فقد ترك لي ولك كلمة في عقبه لعلنا نرجع إلى الله قبل فوات الأوان، ولات حين مناص، في كل ما كتب الرجل تأكيد على الخلاص من حبال الفانية، وخدع الحرباء الملتوية، لنلقى الله بصدق وإخلاص، ولنتعلم كيف نريد ونسعى للآخرة، لنكون من أبنائها، ولننال رضى النجاة من عقاب والله، وعذاب الله، وخزي الدنيا والمصير، ولنرجو مع من يرجو جنة الله، ورضى الله، والنظر في وجه الله، بجوار رسول الله، ومن كان معه في الدنيا جهادا، ليكون رفيقا له مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين يوم لقاء الله، لا حرمنا الله وإياك من الخلود في التنعم في النظر إلى وجه الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والحمد لله.