سلام على مرشدنا الغالي.

سلام على الروح الطاهرة الزكية.

سلام عليك في الأولين والآخرين.

تمر على البلدان والأجيال محن مخيفة، وأتراح مبرحة، ومصائب مهولة، ولكنها تهون وتذوب أمام موت الأئمة الربانيين، والعلماء المجددين، والمربين الكبار، ومن هؤلاء الأكابر الإمام الرباني المجدد الحقاني، الشريف الحسيب عبد السلام ياسين الحسني الإدريسي.

فقد فقدناه، والأمة أحوج ما تكون إلى منهاجه النير، ومجالسه العطرة، وصحبته المباركة.

لقد كان المرشد الكريم ـ رحمه الله تعالى ـ رجل العبودية ـ لله عز وجل ـ والعلم السديد، والفهم الجامع، والسلوك الرفيع، والنظر البعيد، والهمة الحارقة الخارقة.

ولقد عاش لأمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقلبه وقالبه، وقلمه ولسانه، يذكر الأمة المباركة بالرجوع إلى محتدها الزكي، وأصلها الزاهي، وينبوعها الصافي ألا وهو الوحي المنير، يفرح لأفراحها ويحزن لأحزانها.

فهو رجل ذاكر مذكر بالله تعالى ورسوله الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فمنذ حطت ركابه في صحبة شيخه العارف بالله سيدي الحاج العباس ـ رحمة الله عليه ـ وسلوكه على يديه السلوك القرآني السُنِيُّ، وهو يدعو العالمين إلى إكسير السعادة، ومعراج الروح، ألا وهو التربية ثم التربية ثم التربية…

فلم يحفل بسخرية الساخرين، وبتبديع المتنطعين، وتشكيك المشككين. بل احتمل جفاء المقربين، وتهكم العقلانيين، فلم يخل مجلس من مجالسه العطرة من التذكير بهذا الأصل الأصيل من الإسلام وشريعة رب العالمين، إنه مقام الإحسان والإحسان وحده.

إلا أن هذا لم يدفعه للانزواء عن العالم الموار، بل ولج زحامه بتوثب ويقظة حادة، وتؤدة غالبة، فنظم في عقد منهاجه، هم الإحسان مع هم العدل في الحكم، والأرزاق، والتوزيع، فأرسل صيحاته تترى من وراء الكلمات المتوهجة، والسطور المتوثبة، وقضبان السجون، وجدران الحصار، ينصح الجائرين ويبكتهم بأسلوب شجاع لبق يجمع بين النذارة والبشارة، والوعد والوعيد، عسى أن يتوبوا إلى شريعة العدل والإحسان.

فقد كان ـ رحمه الله ـ شجاعا في كلمة الحق والنصيحة الصادقة، وأطر الحكام على الحق، وأمرهم بالتوبة ورد المظالم.

إنه كان شجى في حلوق المفسدين، فكان شعاره ودثاره أن لا صلح مع المعتدين.

وهو مع صولته على المستكبرين، كان في غاية التواضع، ولين الجانب، والشفقة على المستضعفين، مجالسا لهم، يغضب إن مست كرامتهم، أو انتهكت حرماتهم، فاتحا لهم أبواب الأمل والنصر القريب وبشر المومنين، بلسما لجروحهم، نسيما عليلا لكروبهم، يــألف ويـؤلف.

وهو على ما وصل إليه من الصيت الذائع، والعلم الغزير، والتنظير العميق، كان يعد نفسه طالب علم، فلذا أضحى في تطور دائم، ونمو مستمر، من حيث سعة المدارك، وعمق التكوين، والكتابة المبدعة.

إلا أن هذا لم ينسه منة شيوخه عليه عندما كان صبيا، ثم يافعا ثم شابا ثم كهلا، فكان يلهج بذكرهم والثناء عليهم على ما علموه من قراَن، ونحو، وصرف، وفقه، وتزكية لاسيما الفقيه العلامة المختار السوسي ـ رحمه الله ـ وتلامذته.

ناهيك بتعظيمه لأهل القرآن، والذرية النبوية الشريفة، فكان إذا زاره حامل قرآن، أو شريف النسب، أو عالم رباني، استنار وجهه وهش وبش، وكأنه نشط من عقال، وكذا توقيره العظيم للصحب الكرام، والأئمة الأعلام، والمجددين، ورواد الصحوة الإسلامية، وأبنائها البررة.

أولائك أبائي فجئني بهم*** إذ جمعتنا يا جرير المجامع

إيــهٍ فقد كان ـ رحمه الله تعالى ـ كاتباً مكثراً مجدداً مبدعاً، ترك لأمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، تراثا واسعا ثريا من حيث التجديد، والتنظير، والتخطيط، الحكيم، والفهم الواسع المتوازن لشريعة رب العالمين، وواقع المسلمين الماضي، والحالي، والمستقبلي، وصدماتهم، وانكساراتهم، وخلافاتهم، وطرائق النهوض من جديد. ويظهر ذلك جليا في أصول اجتهاده مثل “المنهاج النبوي” و”الإحسان” و”العدل” و”تنوير المؤمنات” …إلخ؛ وغيرها من الكتب التي فيها من جواهر الكلم، ودرر النصائح، وغرر التنظير، وشذرات الاجتهاد، البحر الزلال، كل هذا بأسلوب مشرق الديباجة، عذب البيان، شيق ريق.

وهذا ما جعل فيضا من المفكرين، والمثقفين، وأبناء الحركة الإسلامية، يقبلون بشغف على هذا القلم الحي النابض السارية فيه ربانية المربين، وإرادة المجاهدين، وحكمة المصلحين، قال ـ الله تعالى ـ يختص برحمته من يشاء.

يزدحم الناس على بــابه***والمشرب العذب كثير الزحــام

وأدل شيء على هذا، الشهادات المتواترة من المحبين، والأصدقاء، والخصوم على فضل الرجل، وصدقه، وورعه وزهده، وما ذلك إلا للقبول الذي منحه الملك الوهاب ـ سبحانه ـ لهذا الرجل المبارك.

إذا عظمتك الأكابر فلا تُبَال***بمطاعن الأوزاع والأخياف

إنه رجل قل أن ترى العيون مثله!

فســلام عليك، يا سيدي، ورحمك الله – عز وجل ـ وجعلنا من أبناءك البررة، بفضله ومنه آمـــين.

عزائي لذويه وأقربائه.

عزائي للإخوة في جماعة العدل والإحسان.

عزائي للمسلين في المغرب الحبيب.

عزائي للمسلمين في شتى المعمورة على هذا المصاب الجلل.

إنا لله وإنا إليه راجعون.