مرشدي الحبيب.. لقد كنت لنا نعم الأب الرحيم، ونعم الناصح الصدوق، ونعم الرفيق في غياهب الطريق، ونعم الصاحب الأمين، ونعم المرشد الرشيد. فرحمك الله، وجزاك عنا خيرا..

سيدي.. إن تغب اليوم عن ألحاظنا فلن تغيب عن قلوبنا، وإن ثويت إلى جوار “الشهداء” فإن لك في سويداء قلوبنا منازل باقية ما بقي فيها عرق يخفق. ومهما طال الفراق فلا بد يوما من اللقاء. وإن بعدت بيننا الشقة فلا بد يوما من لقيا. بإذن الله الملك الوهاب.

سيدي.. لقد رسخت في عقولنا وطبعت في قلوبنا أن الموت كأس وكل الناس شاربه، وأن القبر باب وكل الناس داخله) وعلمتنا الصبر والاحتساب، فكانت مصيبة وفاتك، ولوعة فقدك علينا، بحمد الله منزل الرحمات، بردا وسلاما؛ فلم نجزع ولم نفزع ولم نشق الجيوب أو نلطم الخدود، ولم نقل إلا ما يرضي ربنا، ولكن العيون منا دامعة، والقلوب منا حزينة. فصبرنا واحتسبنا وكلنا أمرنا إلى الله كما كنت تعلمنا دائما وكنت تفعل إذا حزبك أمر أو أهمك هم: الفرار إلى الله واللجأ إليه سبحانه، فرحمك الله وجزاك عنا خيرا..

سيدي.. لقد آويتنا وحضنتنا ونحن صغار لا علم لنا ولا فهم ولا نور فعالجتنا بالإحسان في مصحة الصحبة حتى صرنا بحمد الله زرعا مستويا على سوقه يعجب الزراع ليغيض بهم الكفار. فكانت صحبتك مفتاحا لخيري الدنيا والآخرة، وأسست جماعة كانت وعاء ومحضنا لتلك الصبحة المباركة. فنسأل الله العلي القدير أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السموات والأرض أن تزولا. فجزاك الله خيرا..

سيدي.. لقد جددت الإيمان _بفضل الله_ في قلوبنا بعد أن كانت قفرا موحشا ويبابا. وأسرجت النور في عقولنا وقد كانت ظلاما حالكا وسرابا. وذلك بدعوتنا بالقول أحيانا وبالفعل تارة وبالكتابة تارة أخرى إلى قول “لا إله إلا الله” ومعاني “لا إله إلا الله” والعمل بمقتضى “لا إله إلا الله” بحرص وصبر وحدب. أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها الأنعام 122، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور النور 40. فالمنة بعد الله لك وحدك فجزاك الله خيرا..

وربيتنا سيدي.. على الصدق في السلوك: صدق النية، وصدق التوجه، وصدق الطلب، وصدق العمل. فخلفت بعدك أجيالا من الصادقين المصدقين. فجزاك الله خيرا..

وعلمتنا أن العلم إمام العمل). وأعطيتنا البرهان من نفسك. وأنهضتنا لطلب العلم النافع المنشئ للعمل الصالح، فكان من ثمار ذلك أن تخرج أفواج من أبنائك البررة المحبين أبناء العدل والإحسان وبناتها علماء ودكاترة وخبراء في شتى المجالات مستعدين ومتوثبين بعدك لتبليغ رسالة المنهاج النبوي إلى العالمين. فجزاك الله خيرا بما علمت وحفزت وحرضت ووجهت..

سيدي.. لقد علمتنا أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم، وأن نجاهد في الله حق جهاده، وأول جهاد صرفت نظرنا إليه جهاد أنفسنا بالليل والنهار، وحملها على العمل ب”يوم المؤمن وليلته” والخصال العشر وسائر شعب الإيمان. ثم جهاد الظلم والفساد. وسائر أبواب الجهاد الأحد عشر كما سطرتها في المنهاج. وأعطيتنا القدوة من نفسك حيث جمعت بين جهادك نفسك بلا هوادة، وجهاد الظلم والظلمة وثبت على ذلك فلم تبدل ولم تغير، فكنت من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا الأحزاب 23. فجزاك الله خيرا بما نصحت وجاهدت..

ثم علمتنا أن الجهاد قوة دون عنف، ورفق دون ضعف، وقلت كلمة الحق كاملة واضحة فأوذيت فصبرت، وسجنت فاحتسبت، وحوصرت فصفحت بل وترحمت على من آذاك، وإخوانك وجماعتك، شر الأذى. وترفعت عن الرد على من شتم أو قذف أو بدع أو فسق. فجزاك الله خيرا..

وقد كان قصدك قبل ذلك وبعده الله، ووجهتك الله، وقبلتك الله، فرحلت مقبلا على الله مشتاقا إليه، فهنيئا لك الفوز، وطاب لك اللقاء، وجمعنا الله بك وبالحبيب المصطفى والآل والصحب الكرام في جنان الخلد إخوانا على سرر متقابلين الحجر 47، آمين. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.