إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ سورة النحل، الآية 90. آية قال عنها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنها أجمع آية في القرآن)، وأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بتلاوتها في الخطبة يوم الجمعة.

أجمع آية في كتاب الله تعالى كانت شرعتك ومنهاجك الذي لا تحيد عنه، وكانت محجتك البيضاء التي لا تزيغ عنها، لذلك كنت في حياتك جامعا. كان قلبك جامعا، وعقلك جامعا، وفقهك جامعا، وعلمك جامعا، وسلوكك جامعا، ولقيت ربك وأنت جامع غير مفرق.

أجمع آية في القرآن كانت مناط همك واهتمامك، ومنتهى إرادتك وهمتك، لذلك علمت العدل والإحسان، وربيت على العدل والإحسان ونظمت بالعدل والإحسان، وجاهدت تبغي العدل والإحسان. وكنت في طريق النبوة ومنهاجها صوَّة من صوى العدل ومنارة من منارات الإحسان.

كنت رحمك الله آية من آيات الله في اليقين. يقينك في الله تعالى ويقينك في النبإ العظيم الذي صار فيه كثير من الناس مختلفين. يقينك في مشروعك في التربية والتنظيم والزحف، ويقينك في أبنائك وبناتك من جماعة العدل والإحسان، ويقينك في أن المستقبل للإسلام وأن القرن الخامس عشر الهجري هو قرن الخلافة على منهاج النبوة. يقين تحقيق لا تعليق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

كنت بمعيار العدل ولغة السياسيين جسورا على قول الحق، مقداما في عرض مطالبك، وفيا لمبادئك، ثابتا على قناعاتك. لم تغيرك عوامل التعرية السياسية، ولم تلن قناتك لدعوات الواقعية السياسية، ولم تفت في عضدك رياح التغريب الثقافي وتيارات التضليل الفكري. وكنت بمعيار الإحسان وعبارات أهل الله تعالى هامة على مفرق اليقين، متحققا بجميع مقاماته.

لم تترفك غزارة تأليفك، وموسوعية كتابتك، وتماسك تصوراتك، وأصالة منطقك، ولم تهوي بك في مستنقع المعرفة المنقطعة عن ذكر الله والتذكير بالله وبالموت وباليوم الآخر، ولم تحجبك تلك الكثافة عن دوران كل تلك العلوم حول رحى العلم اليقين، وهو العلم بالله. لم يلهك تكاثر الأتباع، وشهرتك في الآفاق، وقوتك في الصدع بكلمة الحق، وثناء الخلق عليك عن رؤية نفسك، بعين اليقين، في مقام العبدية لله تعالى، تواضعا، ورحمة، ورفقا، وخفضا للجناح، وذلة على المؤمنين. لم يردِك صخب الملذات الهاجمة، ولم تفسدك بسطة الدنيا الفانية، ولم تلوثك لجة الأكدار المائجة، ولم يفتنك هوس الأحداث المتعاقبة، وما طمس كل هذا الضجيج تعلقك بربه وتجردك إليه وتحققك بذلك حق اليقين. وكان هذا مبتدأك وخبرك حتى أتاك من الله اليقين.

لك الله مرشدنا أتعبت من سيأتي بعدك. وكذلك شأن الأكابر المجددين، ورثة الأنبياء والرسل، بقية الله في الأرض.

كنت في همتك وإرادتك جامعا

تعلقت همتك بالجناب النبوي فحملت رسالة القرآن، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، كاملة غير منقوصة. ولم تسطع عليها صبرا، وهي القول الثقيل، إلا لأنك وطنت نفسك على ورد ناشئة الليل وسبح النهار، وهي أشد وطأ وأقوم قيلا.

وسمت إرادتك للمنهاج النبوي فحملت أمانة ناءت بحملها السماوات والأرض وأشفقن منها. أمانة التبليغ أن لكل فرد لقاء مع الله تعالى، وأن الاستعداد بالعمل الصالح هو الفطرة، وأمانة التبليغ أن لأمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وعدا، من الله تعالى الذي لا يخلف الميعاد، بالتمكين والاستخلاف في الأرض، وأن إعداد القوة هو الجهاد.

كنت في تعلمك وتعليمك جامعا

جلست تحت منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلميذا نجيبا تتلقى العلم النبوي بأذن القلب وأذن العقل وأذن السمع. تلقيت بقلبك في حضرة السادة الطيبي الأنفاس علوم أهل الحقيقة مع الله تعالى، كما قال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله، حتى غدوت عارفا بالله ودليلا إليه، مصداقا لقوله تعالى: الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا سورة الفرقان، الآية 59. وتعلمت بعقلك علوم العصر وفنونه من مظانها وعند أساطينها، وانفتحت بسمعك وجميع جوارحك على الحكمة الإنسانية وهي ضالة المؤمن حتى صرت نسيجا فريدا، ومدرسة تجديدية. وعلَّمت جزاك الله خيرا أن العلم بالله هو باب معرفة الله والوصول إليه، وأن علم الشريعة سياح يصون حمى الله أن يرتع فيه الراتعون، وأن علوم الكون قوة يعدها جند الله يرهبون بها أعداء الله وأعداءهم.

كنت في تزكيتك وتربيتك جامعا

نشأت على طاعة الله والاستقامة على أمره، وألقى الله في سرك حرقة الشوق إليه، وألهمك طريق السلوك إليه. فأقبلت على نفسك تطرقها على سندان المراقبة والمحاسبة رجاء أن يحشرك الله مع المفلحين تصديقا لقول الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا سورة الشمس، الآية 9-10. وانشغلت بقلبك تصقله بصحبة أهل الله وبذكر الله وبالصدق مع الله في أحضان تجربة شخصية، توَّجها الحنان المنان بولادة قلبية، سقَتك من خيرها السرمدي اللطائف والأنوار، وورثتك من علمها اللدني المعارف والأسرار.

ربيت رجالا ونساء صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. رجال جامعون لخصال المنهاج النبوي، ومقتحمون للعقبة سلوكا إلى الله على مدارج شعب الإيمان، وصعدا في مراقي الكمال من إسلام إلى إيمان إلى إحسان. يربطهم بالموكب النبوي النوراني رباط الاقتباس والاتباع والدعاء.

رجال قوامون لله تعالى شهداء على الناس بالقسط، سلكت بهم فجاج النموذج النبوي الوعرة شعابه إلا على الوارثين الكمل من أمثالك. لم تقعد بهم أحلاس بيوتهم يسبحون ويحوقلون، منقطعين للعبادة والتنسك في غفلة عن هموم الأمة وآلامها. ولم تغامر بهم في مسارب المنافسة على متاع الدنيا، والانغماس في هذيان العالم المحموم، والإبحار في لجة السياسة ولوثاتها مبتورين عن قضيتهم مع الله تعالى، ومصيرهم إليه، واسم كل واحد منهم في الملكوت الأعلى. جمع الله لك الحسنيين في خاصة نفسك، فكنت القدوة المباركة والأسوة الحسنة.

كنت في تنظيمك وبنائك جامعا

جعلت قبلت رجائك الاعتصام بحبل الله، وسعيت منذ بداياتك في العمل الإسلامي إلى توحيد صفوف أبناء الحركة الإسلامية ولم شملهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وكان سعيك عند الله مشكورا. لكن جرت سفن القدرة الإلهية بغير ما كنت تتوق إليه، وكان أمر الله قدرا مقدورا. وبعزم المقتحم شرعت في بناء جماعة، كان بدء أمرها آحاد أفراد، ثم بارك الله عز وجل في عددها، وكثر سوادها، وبارك في مددها. وبتوفيق الله تعالى، وحكمتك في القيادة كانت سفينة الجماعة تمخر عباب بحر لجي يغشاه موج المحن من فوقه موج الابتلاء. وكانت الجماعة مدرسة الشدائد التي صنعت جند الله الصابر المرابط. والصانع الله.

بنيت جماعة وأسست بنيانها على تقوى من الله، وربيت كائنا عضويا قل نظيره في تماسكه وصلابته، والحق ما شهدت به الخصوم. كائن عضوي سداه الولاية في الله عز وجل، ولحمته الحب في الله والنصيحة والشورى والطاعة. كائن حي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد، بما أودعت فيه من رَوح الإقبال على الله تعالى، وبما سرى في أوصاله من معاني التوادد والتعاطف والتراحم.

كنت في زحفك وجهادك جامعا

عزمت على أن تنقل الأمة من الأماني المعسولة إلى الجهاد، وأنت الباحث دوما عن الخيرية في صغار الأمور قبل كبارها، فقلت رحمك الله: قد تجد وليا لله يجمعك على الله مع القعود، خير منه ولي لله يجمعك على الله مع الجهاد). كتاب المنهاج النبوي ص 130. وعلى درب أكابر المجاهدين سرت وعلى دأبهم مضيت، وبدأت جهادك من حيث ينتهي إليه الواصلون، فأسديت النصيحة والموعظة لحكام الجبر امتثالا لأمره تعالى: وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا سورة النساء، الآية 63. ونالك من صنوف الابتلاء ما تشيب لهوله الولدان، وما زادك الأذى إلا ثباتا على الحق، وما ازددت به إلا رفعة، حتى صرت ملاذا آمنا يفيء إلى جواره المستجيرون من القهر والعسف الجبريين، وركنا شديدا يأوي إليه أفواج المستضعفين ممن لا حول لهم ولا قوة.

لئن كان التاريخ يروي قصة رسول كسرى الذي جاء إلى المدينة لمقابلة خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسأل عن قصره المنيف، أو حصنه المنيع، فدلوه على بيته، فرأى ما هو أدنى من بيوت الفقراء، ووجده نائما في ملابس بسيطة تحت ظل شجرة قريبة، فقال مقولته الشهيرة: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر).

فإننا نروي للتاريخ، أنك كنت الإمام المجدد، وكنت لا تبغي عن نموذج الصحابة رضوان الله عليهم بديلا، في تربيتهم وتنظيمهم وجهادهم، في عدلهم وإحسانهم. كيف لا وكنت تنظر رحمك الله إلى بناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة مطمحا على منوال بنائهم للخلافة الأولى.

فلله درك مرشدنا من عالم ومرب وقائد ومجاهد.

ولله درك مرشدنا عبد السلام ياسين فقد جمعت، فعدلت وأحسنت.