كنت بصدد كتابة بعض المذكّرات حتى نزل عليّ نبأ انتقال الأستاذ عبد السّلام ياسين إلى الرّفيق الأعلى كالصّاعقة، فهرولت بحثا عن اْحد الإخوة من جماعة “العدل والإحسان” لتقديم واجب العزاء وعبره إلى كافة أعضائها وكذا باقي أفراد أسرته…

وخلال تجاذبنا لأطراف الحديث عبّر لي هذا الأخ بأسف عن تعامل الإعلام الرّسمي الّذي كان فعلا فجّا بشهادة العديد من المتتبّعين لهذا الحدث العظيم، فأجبته أن المصاب أكثر من جلل وأنّ الموقف ليس بالجديد على “إعلامنا النزيه” الّذي يسكت دهرا وعندما ينطق، ينطق كفرا…

وقد ارتأيت بعد عودتي للمنزل وإسهابا في هذا الموضوع أن أخط بعض الحقائق حول كيفية تعامل هذا الإعلام ومَن معه وكذا مَن وراءه مع كلّ ما يرتبط بهذا الرّجل وجماعته متجرّدا من كلّ تأثير عاطفي ينزع للتّحيّز، مع علمي المسبق أن الأستاذ -كما كنت أفضل دائما أن أسميه- لا يحتاج لمثل هذه الشهادة لكن إنصافا للتاريخ الذي لطالما دأبت جهات معروفة على تزويره والتفنّن في قلب حقائقه حتى إلى يومنا هذا موظّفة وما زالت في ذلك مختلف الوسائل، والقائمة تطول في عدّها كما أن الأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا الباب…

بداية، إنّ الرّجل كان وعاش ثم مات حرّا ومجاهدا بكل ما تحمله هاتان الكلمتان من معنى ومغزى ومضمون عميق في كلّ أبعادهما، وبذلك فهو أكبر من أن تنال منه مثل هذه المواقف وواهم من ظنّ أو يظنّ ذلك، وقد جرّب كل من يعنيه الأمر في هذا الباب وعلى رأسهم السّلطة كيف عاد خاسئا وهو حسير حين حاول مواجهة ومحاربة أستاذنا الجليل رغم ما سخّرته هذه الجهات في “حربها الظالمة” عليه وعلى جماعة العدل والإحسان من مختلف وسائلها وإمكاناتها المادية والمعنوية والإعلامية بل وحتى الخبيثة منها…

إنّ هذه الحرب التي أبانت جليّا عن فشلها الذّريع في كسر شوكة هذه الجماعة ومؤسسها، بل لم يزدها ما سُلّط عليها من محن دون مسوّغ أو مبرّر يستند إلى أبسط القوانين والأعراف إلاّ صلابة وتشبّثا بمواقفها، وتمسّكا بمشروعها، والتحاما بقياداتها، ليست بالغريبة ولا بالجديدة بل هي معلنة ومفتوحة إلى يومنا هذا، دشّنها في المقام الأول النظّام وأجهزته بشكل ممنهج منذ أكثر من 40 سنة مباشرة بعد كتاب “الإسلام أو الطّوفان” إلاّ أن الجديد فيها هو الإنخراط التاّم والكامل لجهات “مستقّلّة” عدّة خصوصا بعض وسائل الإعلام بنوعيها التّقليدي والإلكتروني المجبولة على ثقافة الإقصاء والمشهورة بمثل هذه المهمّات القذرة في التّشهير والتشويه عبر اختلاق الأكاذيب إن بتوجيهات أو بمحض إرادة بل حتى تطوّعا مقابل بعض الامتيازات أو للظفر ببعض الرّضا، ضاربة بعرض الحائط أصول الموضوعية، والنّقد البنّاء المبنّي على التعايش والاختلاف الشّريف والصّدق، طبعا مع بعض الإستثناءات التي كانت “تُنصِفُ” الجماعة ومرشدها العام وإن بشكل نسبيّ والتي يمكن عدّها على رؤوس البعض من أصابع اليد الواحدة بل يمكن إضافة أن هذا الظّلم كان يصدر حتى من بعض “ذوي القربى” وما كان من الشّيخ الحكيم إلا أن يردّ بقولته المأثورة هم إخواننا لهم أخطاؤهم كما لنا أخطاؤنا)

وقد كانت تزداد حدّة ووتيرة هذا التّحامل المحموم الّتى انتقلت من التّشويش والتّشكيك والتّلفيق حتّى وصلت حدّ الكذب والبهتان والدّعاية المشبوهة والمغرضة في ظلّ هذه الحرب المسعورة كلّما همّت الجماعة محاولة إسماع صوتها إنطلاقا من حقّها الطّبيعي في الوجود والتّعبير عن نفسها عبر مشاركاتها الميدانية كما هو الحال خلال بدايات الحراك الأخير ضمن حركة 20 فبراير تحت شعار “محاربة الفساد والاستبداد”، مع العلم أن الأستاذ عبد السّلام ياسين رحمة الله عليه -الذي كان دائما أكثر من واضح وشفّاف في هذا الميدان – كان له قسم السّبق في خوض معاركه ضدّ كل مظاهر هذا الفساد وهذا الاستبداد في مصادرها وأصولها بل وحتى في عقر دارها…

فالعارفون بالأمور خصوصا المنصفون منهم يدركون تمام الإدراك أن هذا الرجل أكبر من أن يستوعبه النّظام وإعلامه بشقّيْه الرّسميّ والمسخّر، وكذا كلّ من يحاول النّيل منه ومن مبادئه حتى وهو ميت، لأن وطنيّته وحبّه لهذا الوطن وهذا الشعب لا تشوبه شائبة وفاق كل التّصوّرات بل تفرّد بذلك الحب العجيب لأمّة المصطفى صلى الله عليه وسلم بشكل خاص وللإنسانية بشكل عام، كما أنهم يدركون كذلك أن هذه “الحرب” سوف لن تهدأ بانتقاله إلى جوار ربه و يعلمون علم اليقين أن مقاومته من جهة أخرى حتى وهو مسجّى في لحده لن تخمد جذوتها بل ستزداد توقّدا وتوهّجا بمنهاجه النّابض وفكره الثّاقب، وخير شاهد ودليل على ذلك المؤتمر الدولي المنعقد بتركيا تتويجا لعطاءاته أيّاما قلائل قبل وفاته لمناقشة هذا الفكر انطلاقا من “المنهاج النّبوي” وما انبثق عنه من توصيات إيذانا بقيمة إضافية جديدة لحساب جماعته، وهنا سؤال يطرح نفسه بقوّة: ماذا ربح هؤلاء وأولئك من وراء حربهم الظّالمة على هذا الرّجل الطّود ومنارته “العدل والإحسان” الشّامخة؟؟؟

والجواب الّذي لا لبس فيه هو أنّ قوة جماعة العدل والإحسان وتماسكها إضافة إلى ما سلف ذكره تكمن في المقام الأول في هذه الحرب الشرسة وغير الشريفة المفروضة عليها كل هذه السّنين…

ختاما أقول: بالتّمعّن والتّأمّل أكثر في إرث ومناقب هذا الرّجل انطلاقا من وصيّته الأخيرة قبل أن ينتقل إلى جوار ربّه نتوصّل دون أدنى عناء إلى حقيقة لا ينكرها إلاّ واغل في جحوده تجاه الأستاذ عبد السّلام ياسين: هي بكلّ بساطة أنّ أستاذنا الجليل الحيّ دائما في قلوبنا وقلوب كلّ الأحرار بقي شامخا وشهما وكبيرا في هذه الوطنيّة الّتي فاقت حتّى حدودها الجغرافية دون مقابل يذكر فقد كان معطاء ولم يكن أبدا أخّاذا مهما كانت الظّروف عكس العديد من “الزّعماء” الذين كانوا وما زالوا يربطون انتماءهم لهذا البلد بمدى انتفاخ أرصدتهم البنكية والمنافسة على تكديس الأموال الطّائلة والإمتيازات الرِّعِيَّة برّا وبحرا وجوّا، أفقيّا وعموديّا…

جزى الله أّستاذنا الفاضل عنا وعن امّتنا العربية والإسلامية خير ما جزى به نبيّا عن قومه ورسولا عن أمّته لما أسداه وقدّمه من جليل الأعمال، وما خلّفه من آثار متميّزة، سائلا المولى جلت قدرته أن يتقبّله في مستقرّ رحمته من الشّهداء والصّالحين، وأن يلحقنا به مسلمين ثابتين.

فباسمي مجدّدا واسم كافة أفراد أسرتي أتقدّم بأخلص عبارات العزاء والمواساة إلى كافة أفراد عائلته وكذا إلى كافة أعضاء جماعة العدل والإحسان.

وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

معتقل رأي سابق