تقديم

الآن وقد غَيَّب الله تحت الثرى الجسدَ الشريف. وهو كان العقبةَ المانعة للبعض من الجهر بما هم به مقتنعون. وبقيت الروح الطاهرة والمعنى المنيف. وبقيت الثلاث المرْجُوة التي تخلف كل مُوَفق عفيف: ولد صالح، صدقة جارية، علم ينفع الناس… كل ذلك مَصُوغ في حركة مباركة.

وقد قال أهل العلم والمعرفة أن “المعاشرة” بل المعاصرة حجاب. و”قُبَّة البشرية” بلاء يخفي الله الكريم تحتها أسرارَه في عباده. ومن أراد التوسع في المعنى عليه بالفقرة من كتاب الإحسان.

الإمام المجدد ملك للإنسانية جمعاء

المطلع يعلم أن لب مشروع ذ. عبد السلام ياسين، والذي هو “المنهاج النبوي في عهود التجديد” في شقه الإنساني هو: islamiser la modernité. أي اقتراح الاسلام على الانسانية التي تشقى بحداثتها. الانسانية التي فقدت معنى وجودها وبوصلة اتجاهها. وهي بحاجة ماسة اليوم إلى منهاج، ورجالِ منهاجٍ يُذَكرونها أنها ليست كما يقال لها وللإنسان (أنه مجرد حيوان متطور، لا معنى لوجوده ولا لحياته، إلا الرّتْع واللهو والعبث).

ولَعَمري أن ذلك كان هو رسالة الأنبياء والمجددين من بعدهم. وقد أجمع أو كاد “أهل مكة” على أن الإمام الراحل من المجددين الكُمَّل. فمن تتبع شهادات الفطاحل من كل مدرسة بعد وفاة الفقيد يدرك سماقة الرجل. ودعك ممن شذ، فالشاذ لا يقاس عليه. والشيطان الأخرص لا يؤخذ برأيه ولا كرامة. وبذاك شهد أهل العلم والتخصص من كل صنف: إسلاميين، أكاديميين، سياسيين، مجاهدين، مناضلين، سلفيين، صوفية، علمانيين…

لقد اجتمع في الرجل ما تفرق في غيره. لقد انجمع على الله فجمع الله له أطراف الخيرات، وبقيت من بعده منهاجا يسير عليه كل مبشِّر ومنذِر.

وإذا أخذنا في الحسبان المدرسة العالمية التي خرجت للناس في كل بقاع الأرض عبر “شَتَلات” غُرست على عين الله هنا وهناك، علمنا أنها ستصير بعد حين أشجارا مثمرة تُطعم الانسانية رحمةَ الاسلام، وعدلَ الاسلام… رسالتها وبرنامجها العام: يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فَمُلاقيه.

الإمام المجدد نبراس لكل مدافع عن كرامة الانسان

من تتبع أصناف المعزين في الفقيد، واستوعب تصريحاتهم يستنتج بسهولة أن الرجل ومشروعه، هو إرث وحَقّ لكل ساعٍ للفضيلة، ولكل داعٍ للعدالة والحرية… فكل الرموز المغربية المعتبَرة حضرت وعزت نفسها في فقيدها، كما نابت مئات الآلاف من الشباب والرجال والنساء مناب من حبسهم العذر عن تشييع جثمان إرث ٍنبوي إلى مثواه الأخير. ورجعت بمعناه و”روحه” لتنشرها في كل ربوع الوطن وخارجه …

الإمام الراحل مرشد للإسلاميين خاصة

هنا لا أحتاج كثرة عناء للدلالة على أن الراحل بقي منارا يستضيء به كل داعية إلى الله، وكل داع إلى شريعة الله. وبعض الشهادات تكفي:

** شهادة د. داودي كوميدي، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بالجزائر: إن فكر الأستاذ ياسين يستفيد منه الداعية، يستفيد منه الإعلامي، يستفيد منه عالم الاجتماع، يستفيد منه الفيلسوف، يستفيد منه القانوني، يستفيد منه الفقيه وحتى المتخصص في الاقتصاد، يستفيد لأن الشيخ ياسين كتب في جميع هذه المجالات وأبدع فيها وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، الله وفقه لهذا…

** شهادة فضيلة الدكتور أحمد الريسوني: ذ عبد السلام ياسين رحمه الله قائد ومرشد ومؤسس ويكفينا أن نقول أنه عالم والعلماء ورثة الأنبياء، فالرجل كان قدوة في زهده وصموده وشجاعته وتجرده إلى الله .

… هذه المعاني كان الرجل فيها قدوة وعبرة في حياته وسيبقى فيها قدوة من خلال مدرسة العدل والإحسان التي أرساها ووضعها وهذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿ما قدموا وأثارهم﴾.

** شهادة اليمنية توكل كرمان (حاصلة على جائزة نوبل للسلام): أعزي المغرب وأمتنا العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء بوفاة الشيخ المناضل عبد السلام ياسين، كما أعزي نفسي وحركة العدل والاحسان المغربية.

** شهادة الشخصية الأردنية الشهيرة ليث شبيلات: العالم الجليل الصامد على الحق الشيخ القدوة عبد السلام ياسين الذي كان يتجلى فيه الوصف القرآني لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: “إن إبراهيم كان أمة”.

** شهادة الشيخ د. القرضاوي: كان الشيخ ياسين حقا أحد أعلام التربية والتزكية والدعوة،.. والعالم الكبير فقيد الأمة الإسلامية…

** شهادة الشيخ حسن الكتاني: الشيخ عبد السلام ياسين من العلماء الذين ورثوا النبوة.

الإمام المجاهد للضعفاء مؤيدا ونصيرا

لا يعترض عاقل، ولا يكابر فاضل على كون الجسد النحيف الذي حمل الروح القوية الصامدة ما ذاق طعم الراحة، ولا تاجر بمصير الفقراء والمحرومين. ولا استغل سداجة الطيبين. ولا زايد بقضية مُستضعفة المستضْعَفين: المرأة كما كان يصفها. بل اختار لها منهجا قويما تنال به مكانتها اللائقة بها: لا نظرة النِّدية اختار، ولا نظرة التشييئية، ولا نظرة المثلية أراد. ولكن منهاج: الولاية بين الرجل وأخته المرأة.

ومن أجل الفقراء والمحرومين عاش محاصَرا زاهدا فيما عند مَن فَقَّر، ناصحا له بكل قوة أن يُعيد ما أخذ قبل أن يقال “جنازة رجل”…

وخصص جزءا كبيرا من مشروعه للتنظير والتهييء لـ”تعليم يحررنا”. تعليم مُفْضٍ إلى الحرية وإلى توطين التكنولوجيا. تعليم مُعَبِّئ للطاقات جامعٍ لها في حركة جامعة منتجة. تعليم مبدع غير مقلِّد ولا مبتدع.

الإمام العَلَم مفخرة المغاربة

إن رجلا هذه بعض مناقبه وصفاته. وهي صفات ولودة، مُنْتِجة، مستقبلية لَهُو بحق يُطاول شموخ الأطلس، وسماقة الريف، وأصالة وتفرد “شجرة أركان”. وحُقَّ لك أخي المغربي، ولك أختي المغربية أن تفرحا بهذه النعمة، الهدية من الله الكريم الذي يعطي من شاء ما شاء وكيف شاء، وبغير حساب. فالحمد لله في المبدإ والمعاد.