عبد من عباد الله

لا يغيب عنك لحظة أنك أمام عبد من عباد الله المقدمين ولاءهم الكلي لله، بساطة في عمق وعمق في بساطة، كمال في كمال ونور شمس ساطعة يحجبها غمام قبة بشرية تختبر صدقك فيما تطلب لأن اشتراك الأولياء مع العامة في الأوصاف البشرية فتنة كما أن ميزتهم وسمتهم وخصوصيتهم فتنة.

حياته الشخصية والعائلية والدعوية الجهادية ومتناغمة ومنسجمة مع مبادئه وقناعاته، ما بدل وما غير، صدق ما عاهد الله عليه. تجلت في قسمات شخصيته شعب الإيمان بالحال والمقال وسرت معاني الإحسان في دمه وروحه وعقله وقلبه، مجالسته رحمة للقلوب الظمأى لماء القرب إلى بارئها ورازقها والانعتاق من داء النفاق المحطم لسعادتنا الأبدية في آخرتنا وصلب كرامتنا وعزتنا في دنيانا، إنه الترياق المداوي لكل عليل، تراه حفظه الله، فتذكرك رؤيته بالله، ونجذب إلى مجالسته فيمر الوقت بسرعة ولا تنتبه إلا وهو يختم بكفارة المجلس والصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ويودعك على أمل اللقاء بك في دعاء الرابطة.

ويل للشجي من الخلي

إنه الإمام المجدد عبد السلام ياسين حفظه الله، سَكَنَه هَمُّ معرفة الله عز وجل فوقف على بابه سبحانه وتعالى يطلب من يأخذ بيده إلى مولاه، وويل للشجي من الخلي، لا يعرف حقيقة أزمته الروحية التي مر بها إلا الله، إنها طلبة المضطرين إلى الله، نطق قلبه: ربي، فأجابه ربه: عبدي. وكان فضل الله عليه عظيما. يسر الله له من يأخذ بيده، ولعبده سبحانه وتعالى ما سأل.

أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون. سورة النمل: الآية 62.

همة سامقة

شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تصنع للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله مسلكا آخر ما سبقه إليه أحد من المجددين، نعتوه بـ”عبد السلام الشريعة” وهو مريد بين يدي شيخه الحاج العباس رحمة الله عليه. إنها إشارة بليغة تكشف عناية الله به وطموح الرجل إلى طلب الكمال وعدم اقتصاره على تجربة نشأت لتحتضن الإحسان وتحصنه من الضياع، بل تطلعه للإحسان الكامل بالمفهوم القرآني النبوي إحسان الصحابة رضوان الله عليهم في صحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

عزمة متوكل على الله

الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله بذل حياته بأيامها ولياليها ليحي أمة مشرذمة تتداعى عليها أيادي الغدر والخيانة كما تتداعى الأكلة على قصعتها. وعظنا رحمه الله نثرا وشعرا بالصبح والغلس ليحبب لنا تغيير ما بأنفسنا برفق ورحمة. لم يتبع نهج من يقول الكلمة ويمشي بل يتعهد ويرعى ويسقي… ويساعد وليد الدعوة على الاقتحام المتواصل للعقبات النفسية الشيطانية الصادة عن التوبة إلى الله والرجوع إليه، وكذا العقبات المعيقة لامتداد تجديد دين العدل والشورى والإحسان، عقبات داخلية تهدد مصيري في الآخرة يوم لقاء ربي، وعقبات خارجية تحاصر دعوة الله الحرة بالقانونية الدولية والحكم الوراثي القائم على بيعة الإكراه منذ قرون العض والجبر والمتجاهل لإرادة شعبه، المتشعب المغلوب على أمره، المخدوع من طرف المطبعين للعلاقات مع إسرائيل الجاثمة على أرض فلسطين الجريحة.

قرآني الخلق

ما من فكرة أو اقتراح يهديه لك الأستاذ المرشد رحمه الله إلا كان “ابنا شرعيا” لكتاب الله عز وجل وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

القرآن على لسانه وقلبه في حله وترحاله لا يخفي إعجابه بالصوت الملائكي للشيخ محمد رفعت رحمه الله، ويشجع الشباب على تأليف مكتبة قرآنية في بيوتهم وحواسبهم والتنغم بسماع أجود المقرئين حتى يصبح سماعهم القرآن الكريم. ونلتقي معه في المجالس العامة والخاصة لنجدد عزمتين نختارهما عن طواعية: الأولى أن نحفظ القرآن الكريم، الثانية أن نكون مدرسة قرآنية متنقلة عبر الأجيال .

أترضى لنفسك المتاجرة بدعوة الله؟

علمنا الإسلام الرسمي عبر منابر العض والجبر الأخذ من الدعاة بأقوالهم الوعظية دون أفعالهم، لا يعلمون أنهم بذلك يبذرون نواة الانشطار في كياننا بين العلم والعمل، وتزداد الهوة اتساعا بهيمنة اللائكية الحديثة في بلاد المسلمين الموظفة للائكية الوراثية ـ الملك العاض ـ في حصار ماكر لكل دعوة إلى الله حرة تبشر بمستقبل الإسلام.

حاول المخزن التفاوض مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله في أمر الاعتراف المشروط بجماعة العدل والإحسان فأبى الإدلاء بكلمة إلا بعد استشارة أولي الأمر منا يقصد: إخواننا أعضاء مجلس الإرشاد المعتقلين آنذاك (1990/1992) منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، فجاؤوا بالمرشد رحمه الله إلى السجن ليجتمع مع إخوانه على أمر كانت نتائجه محسومة منذ تعرفهم عليه، فأجمعوا مجددا على عدم بيع دعوة الله. علق الحبيب المرشد على ما توهمه الطامعون في احتواء الجماعة : يظنون أننا في سوق النعاج… يساوموننا؟

ألي عند الله حاجة؟

ألك عند الله حاجة؟؟؟ رحم الله الإمام المجدد كان هذا السؤال الجوهري لازمة وعظه ومذاكرته ومكتوباته، كانت حياته دعوة وها نحن نرى بأم أعيننا أن موته أيضا دعوة، أعطى برهان صدقه مع الله ببذل كل الوقت والجهد والمال في سبيل الله مساهمة عملية لبناء صرح الخلافة على منهاج النبوة المنتظرة بإذن الله.

يقول الأستاذ المرشد رحمه الله: إن فاتك أن تكوني من الذين قرت عيونهم بالله، وقرت بهم عيون وقلوب، وأنست بقربهم الأرواح، وذكرت رؤيتهم بالله، وكانوا على باب الملك تراجمة عن الوحي أمناء للرسل، فلا أقل من أن تقفي بالباب راجية راغبة). (كتاب الإحسان: ص 132).

تلطف الأستاذ المرشد بشباب الدعوة

ما أكره أحدا على تبني فكرته أو موقفه بل لا يكره أحدا على ترك ما يعتقد. أفتكره الناس حتى يكونوا مومنين؟!!

يأتيه شاب قليل البضاعة من العلم ويتهمه بفساد العقيدة فينصت له ويتلطف به ثم ينطق بالشهادة أمامه إعلانا صريحا منه على إسلامه ودخوله لدين أخرجه منه ذاك الشاب برعونة وجهل. إنه تواضع الصالحين من عباد الله وأدب جم مع خلق الله، رفق بمتحمس ملتهب عسى أن يعود إلى رشده يوما.

اقتحام عقبة الفتنة التاريخية

إن كان الوحي يفتقد في زمانا إلى سلطة تنفيذية قوية تقيمه وتحميه وتعيد سيادته المغتصبة منذ تحول الخلافة الراشدة إلى ملك، فإنه أحوج ما يكون لتربية جيل يقتحم عقبة الفتن التاريخية بجبر ما انكسر من تاريخ المسلمين وتجاوز الصراعات المذهبية والتشرب المباشر من المدرسة المحمدية وسط بيئة المتواصين بالمرحمة والحق والصبر في صحبة مستنهضة لهمم الصادقين في طلب الفوز بالله والمحرضة على الذكر الدائم لله شاكرة لأنعم الله سبحانه وتعالى. لا يتعصب المرشد الحبيب رحمه الله لاجتهادات من سبقونا بالإيمان من فقهاء ومحدثين وصوفية لكنه يبرز نصيبهم من الصواب ويثني عليهم الثناء الحسن واضعا نصب عينيه بشارة حديث الخلافة على منهاج النبوة، علمنا رحمه الله كيف ننظر لمستقبل الإسلام وننتقل من تجديد الذكريات إلى تجديد العزائم وندعو لكل من سبقنا بالإيمان في دعاء الرابطة.

مؤامرة شيطانية على الإيمان بالغيب

دبت في الخطاب الإسلامي لغة هجينة تبتعد من معين الوحي رويدا رويدا بل تجد حرجا في ذكر الغيب أو تذكره بكيفية محتشمة، فيقحم المستهلك لهذا النوع من الخطاب نفسه في قفص الإسلام الفكري أو السياسي الفارغ من روح القرآن بوعي منه أو بدون وعي.

إنها مؤامرة شيطانية على الإيمان بالغيب المتربصة بالفكر الإسلامي المعاصر، ويقترح المرشد الحبيب رحمه الله على شباب الدعوة منهاجا إيمانيا إحسانيا محصنة أهدافه ووسائل عمله من وباء الغفلة عن ذكر الله والمجددة لمعاني ذكر الموت والآخرة: البعث والنشور والحساب ويوم الحسرة والطامة والقارعة والساعة والنفخ في الصور ويوم الجمع ويوم التغابن… يحرص رحمه الله على أن لا نحرم من طلبة أهل الله ألا وهي: النظر في وجه الله عز وجل الكريم الوهاب، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعالي، إنها لازمة كتبه الحوارية والتربوية. كي لا ينسينا ما نحن إليه سائرون ما نحن إليه صائرون وتكون مسيرتنا الدعوية التجديدية في خدمة مصيرنا عند الله سبحانه وتعالى.

أزمة منهاج مسكوت عنها

عبر نوافذ الفضائيات وشبكات الأنترنت والمواقع الإلكترونية الإسلامية أصبح لَـيُّ ـ بفتح اللام وضم الياء ـ أعناق النصوص الدينية لخدمة أهداف أهل الجدل الإيديلوجي أمرا مألوفا، وأنت تتابع البرامج الحوارية للإسلام السياسي أو الاتجاه المعاكس… ترى متحاورين غيورين على دينهم وعقيدتهم يزدادون عداء لبعضهم ويجددون حربا كلامية أقبرت منذ قرون.. كان إنذار المرشد رحمه الله بخطورة هذه الأزمة وتداعياتها على واقع المسلمين في السبعينيات من القرن الماضي.

إنها أزمة مسكوت عنها وتهم بالأساس المرشحين لإمامة الأمة وزعامتها إنها: أزمة منهاج، خطورة هذا النوع من الأزمات يزيد المسلمين تشرذما ويهدد أمنهم الاجتماعي ويعطي الفرصة للكائدين للدين والمعادين له بالتلاعب بالعاطفة الإيمانية للمسلمين بما يضمن مصالحهم الشخصية والإقليمية والدولية. أسس الإمام المجدد رحمه الله في كتاباته الغزيرة أصول فقه التجديد وما يصطلح عليه بفقه المنهاج مبادرة منه للعاملين في حقل الدعوة ليكون لهم مشروع واضح المعالم في تربية وتنظيم رجال ونساء متحزبين لله يشكلون طليعة مجاهدة تسعى لبناء مستقبل الإسلام دعوة ودولة.