رحم الله الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين وغيره من العظماء والكبراء والرجال الأفذاذ الذين كانت حياتهم وموتهم عبرا وإشارات ودروسا ودلالات.

لقد كان الأستاذ ياسين رجلا شهما أبيا مجاهدا في مَحياه ومَماته، عظيما حكيما رحيما بفكره وعلمه وعمله وتربيته وجهاده، وكان مدرسة تتعلم منه الأجيال بوعظه وتوجيهه وقوله وفعله وبنطقه وبصمته وبإشارته وبشارته ونذارته بل في كل لحظة وعند كل كلمة وفي كل مناسبة دروس اليقين في زمن الإنكار ودروس الثبات والاقتحام في زمن الإدبار، ودروس الإقبال على الله في زمن الغفلة عنه وتأخذ منه وعنه كل ما ينفعها في الحياة وبعد الممات.

لقد كان الأستاذ عبد السلام ياسين أجزل الله له الثواب صاحبَ حجة قويّة بلا ضُعف وذا موقف قوي بلا عُنف، وكذلك كانت جنازته؛ فرسالتها كانت قوية رغم التعتيم الإعلامي.

والمتأمل في حدث موته الأليم وجنازته المهيبة يلاحظ عدة دلالات وإشارات سيتطرق هذا المقال المتواضع إلى بعضها.

الدلالة الأولى: تعمد وسائل الإعلام الرسمي لتجاهل الحدث وعدم التعاطي معه بمهْنية واستقلالية وإبرازه على حقيقته دليل واضح على انسياقه وراء التوجيهات والأوامر التي تأتيه من الجهات العليا التي تعادى دعوة العدل والإحسان وتقصي رموزها من الظهور وتمارس التعتيم على أنشطة الجماعة المختلفة في كل مناسبة.

وإصرار الإعلام الرسمي على التنصيص على عدم قانونية الجماعة وعدم الترخيص لها إصرار بليد حاقد ماكد يردد ما في أسطوانة المخزن المشروخة بأن الجماعة محظورة وغير مرخص لها رقم إقرار الأحكام القضائية الكثيرة بمختلف محاكم المغرب بقانونيتها وشرعية أنشطتها.

وجنازته كانت امتحانا للقائمين على الإعلام في الحكومة الحالية، ولقد تعودنا من إعلامنا أن لا يظهر إلا موتى الفن والعفن والرياضة وكل سافل تافه ويتجاهل العلماء وصلحاء البلد.

الدلالة الثانية: إن إقدام أجهزة المخزن على منع عدد من الإخوان والمتعاطفين في بعض المدن المغربية من الوصول للرباط لتشييع المرشد رحمه الله، ومنع أجهزة السلطة كذلك في مدن أخرى لأعضاء الجماعة من إقامة حفل تأبين المرشد دليل واضح قوي على أن دار المخزن لازالت على حالها، وأن القمع والمنع هما سياسته المعهودة التي لا تتغير بتغير الحكموات والوزراء والدساتير والنصوص القانونية والمسؤولين، ودليل على انعدام الحس والرحمة الإنسانية من قلبه وعدم وجود للعاطفة والاعتبار والانزجار والاتعاظ بالموت في قلبه، ودليل قوي على أن الأستاذ المرشد رضي الله عنه لا زال محاصرا حتى بعد موته، ودليل كذلك على أن المخزن له موقف ثابت حاقد معاد للشخص الكريم وأنه ما آذاه يوما في شخصه فحسب وإنما حارب دعوته وحاصر مشروعه ونهجه، وأنه ما غيّر من تصرفاته المنحطة الدنيئة غير القانونية في العهد الجديد ومع الدستور الجديد والحكومة الجديدة والحدث الجديد.

الدلالة الثالثة: حضور مختلف الهيآت السياسية والحقوقية والشخصيات العلمية والفكرية وغيرها في تشييعه وحفل تأبينه من داخل المغرب وخارجه، وثناء وشهادة كبار العلماء من المغرب وغيره وقادة الحركات الإسلامية العالمية له والإشادة بمواقفه ورجولته وحكمته وحسن سلوكه وذكر مناقبه والتنويه بجهاده أفضل الجهاد دليل على المكانة التي يحظى بها الرجل عندهم وعلى صوابية المنهج الذي ظل وفيا له طيلة حياته.

وإن حضور أعضاء الجماعة وغيرهم بشكل كثيف في جنازته حجة قوية على محبة الله لهذا الرجل، وأن الله تعالى أحبه ووالاه وألهم قلوب الناس حبه ووضع له القبول في الأرض كما في الحديث الصحيح، وما كانت تلك الجموع التي حضرت لتشييعه والشهادة له وعيونها تذرف على ألم فراقه لتجيء من مدن مختلفة وتتحدى ظروفها المادية والعملية والأسرية لتحضر جنازته لولا محبته ومحبة الله له، وما كان الله ليحبه لولا محبته لما يحبه وسيره على هدى منه وبصيرة.

والحضور المتنوع لكل الحساسيات المجتمعية وفعالياته أضفى على جنازة الرجل طابعا شعبيا جماهيريا يغني عن أي تعليق، ويبعث رسائل لمن ما زالت تستهويهم سياسة النعامة، أن الشعب يميز جيدا أهل المواقف الرجولية، ويحرص أيّما حرص على التعبير بما يكنه لهم من تقدير وإكبار ووفاء.

ولقد أثنى عليه بالخير والصلاح والولاية والورع والزهد و… من لا ينتمي لجماعته أكثر وقبل من ينتمي إليها.

الدلالة الرابعة: شاءت الأقدار الإلهية أن تكون صلاة الجنازة والتشييع من مسجد السنة بالرباط، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل أفرغ الجهد والوسع تمكينا لدين الله تعالى مؤصلا دعوته من الكتاب والسنة، ولقد كان يعتبر اليوم الذي يكتشف فيه سنة يوم عيد فيفرح فيه أيما فرح ويعمل بها كما يقول المقربون منه، ولقد عاش رحمه الله على السنة مدافعا عنها وعن منهج أهل السنة والجماعة منكرا ومتبرئا من غيرها كاشفا لأخطاء المبتدعين المتشددين المتنطعين ومحذرا من جناياتهم وأخطائهم على الأمة.

ألم يكن الرجل يلقب وهو بالزاوية البودشيشية بـ”عبد السلام الشريعة” ترى كيف لا يستحيي البعض ممن يصنفون نفوسهم حماة العقيدة على التشكيك في عقيدة الرجل واتهامه بالضلال والبدع.

فعلى هؤلاء أن يقرؤوا بعقول قلوبهم وصية الأستاذ المرشد التي سجلها وكتبها للأمة امتثالا للأمر النبوي قبيل أن توافيه المنية ليختبروا الرجل في عقيدته ويمتحنوه بناء على ما صرح به، عسى أن ينصفوه ويبرؤوه مما رموه به زورا ويتوبوا إلى الله، عفا الله عنا وعنهم.

وعليهم – كي يتأكدوا- أن ينظروا إلى قبره المتواضع بين موتى المسلمين، وفي هذا رسالة لمن كان يتهم ويعتقد أن أهله وجماعته سيبنون له بعد وفاته ضريحا خاصا به يطوفون به ويتمسحون بأسواره ويتبركون به وفيه.

قال الدكتور محمد بولوز في هذا الصدد: “وحتى ما هو شائع بخصوص علاقته كشيخ للجماعة مع أعضائها ومتعاطفيها، فقد فندت جنازة الرجل كثيرا من الظنون، فلم نر عويلا ولا صياحا ولا شقا للجيوب ولا تهافتا على النعش للتبرك وإنما هو صبر واحتساب وهدوء وذكر صامت ودعاء، وحمل المحبون نعش شيخهم ليضعوه بين قبور المسلمين ولم يفردوه في ناحية أو في بيت له أو مقر تمهيدا لجعله زاوية أو ضريحا يزار، بل وسمعت في تأبينه من أكد أنه رحمه الله اقترح عدم استخدام كلمة الشيخ واستبدالها بعبارة “الأستاذ المرشد”. مقال له بعنوان: “رحم الله عبد السلام ياسين وحفظ الجماعة بالتوحيد والسنة” نشر بموقع هسبرس بتاريخ 16/ 12/ 2012.

وإن سيْر المشيعين للمرحوم بهدوء وسكينة ونظام وانتظام من غير عويل ولا نياحة ولا صراخ لا من النساء ولا من الرجال، بل بصمت وتذكر واعتبار بهذا الحدث العظيم وذكر ودعاء وبكاء في السر، دليل بليغ وحجة قوية على سنية وصوابية التربية التي تلقاها أعضاء الجماعة من هذا المربي الكبير.

الدلالة الخامسة: عدم حضور ممثل عن الجهات العليا في الجنازة إشارة إيجابية لصالح الجماعة، ودليل على الغباء السياسي والحقد الدفين والكراهية المجانية لهذا الرجل العظيم السمح الكريم الذي كان يحب كل الناس إذ لولا إخلاصه في حبهم ما نصحهم بنصائحة البليغة الخالية من أي تملق أو نفاق، وهو الذي لم يُسجل عنه أبدا أن حقد أو بغض أو رد على كل من آذاه أو شتمه أو كفره من المسلمين بل تركهم لضميرهم ولأفعالهم وللتاريخ وللناس من خارج جماعته ليردوا عليهم، وهو الذي طلب منه بعض إخوانه أن يرد على مخالفيه فكان يأبى في شموخ العلماء وأدب المربين ورحمة العارفين وسماحة المتصدقين بعرضهم…

وهو الذي طلب من إخوانه أن يستغفروا للحسن الثاني لما مات، ولما قالوا له إنه هو الذي ظلمك وآذاك وسجنك و…. قال لهم كيف لا أستغفر لمن ساق الله لي الابتلاء على يديه. ولما جاءه من ينعي له الملك الراحل ظانا أنه سيفرحه، فاجأ صاحب النعي وهو يقول متأسفا “كان الله لنا وله”، وما ذكره بعد موته إلا وترحم عليه.

وأعتقد جازما أن كثيرا ممن انتقدوه أو بدَّعوه أو آذوه أو اتهموه بما لم يكن فيه قد ندموا -وسيندمون- على ما قاموا به في حقه وفي حق الجماعة كما صرح بعضهم.

الدلالة السادسة: حضور أعضاء الجماعة بكم كبير من غير تأكيد من القيادة على الحضور يدل على الحب لمنهج هذا المربي وقبوله بين الناس، والوفاء بحق هذا الرجل، وتقدير العلماء العاملين المجاهدين وآل البيت الطاهرين الصالحين، والاعتراف بفضله وجميله على الناس ومعاهدة لله وله على مواصلة ما ابتدأه.

وخروجهم بأعداد وفيرة وبنظام وانضباط وتماسكهم وتوادهم وتراحمهم وتراحمهم وإبداء حبهم الخالص لقيادتهم ولغير هدف مادي دليل على قوة الجماعة العددية ورد على من يتهمها بالتآكل والقوقعة والانكماش وتقلص عدد أعضائها خصوصا بعد انسحابها من حركة 20 فبراير وأن بين قيادتها صراعات داخلية على المناصب والزعامات والمصالح.

وعلى أعداء الجماعة أن يعرفوا أن مشروع الجماعة وطموح أعضائها لا ولن يتأثر بموت أحد ولا باستقالة أحد ولا بطعن أحد ولا بأذى من هذا أو ذاك، وهذا ما أثبتته الأيام وأكدته الأحداث.

وإن سير المشيعين صامتين ذاكرين خاشعين من غير ترديد الشعارات أو حمل لافتات ضد أية جهة دليل على أن الجماعة في كل المسيرات والمظاهرات لا تستعرض عضلاتها كما يروج خصومها، فهي لا تخرج ضد أحد، وإنما تخرج طاعة لله ولرسوله ونصرة ودفاعا عن الحق أو وقوفا مع أهل الحق ونصرة المستضعفين والمظلومين من الخلق.

الدلالة السابعة: إن الأقدار الإلهية هيأت أن يكون موضوع خطبة الجمعة في مسجد السنة “الإخلاص وتصحيح النية” في الأعمال والأقوال لتكون صالحة معتبرة في ميزان الله تعالى. وما أكثر ما ذكّر الأستاذ ياسين رحمه الله بهذا الأصل الأصيل في الدين وحث عليه! وفي ذلك إشارة لمن حضر الخطبة لعله يكون مع موكب المخلصين في حبهم لله وفي إخلاصهم في خدمة الوطن وحث لوسائل الإعلام العمومية التي صورت الحدث دون بثه للناس للتعامل بمهنية وترك الحسابات الضيقة ونبذ التعليمات الفوقية ونقل الواقع بحقيقته للشعب وعدم التعتيم والتمويه عليه.

فسلام الرضى على من عاش هاديا داعيا ناصحا مخلصا، وتحية الرحمة على من قام على دعوة الله زاهدا راغبا راهبا عزيز النفس كريما رحيما حكيما، وسلام على من ربى وعلم ونصح ووجه وحاور ونظّر لمستقبل الإسلام. وسلام عليه يوم لبى نداء ربه راضيا صابرا محتسبا، لم يبدل ولم يغير. وسلام عليه يوم يبعث حيا يفرح ـ إن شاء الله ـ وهو يقرأ صحيفة أعماله.