في متم شهر مبارك- محرم الحرام- وفي ليلة مباركة – ليلة الجمعة- من سنة 1434، الموافق ل 13 دجنبر 2012، انتقل الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين من دار الفناء إلى دار البقاء.

شمس مضيئة بين كوكبين منيرين. توسط الإمام عقدا نظمه في الدنيا بمعية رجلين حبيبين على قلبه. إذا ذكر الإمام في حضرة الأحمدين ترى الدمع يبلل لحيتهما والشوق يغمر فؤادهما. صحبة بنيت على أساس محبة الله ورسوله، فكانت الجماعة وانطلق السير على بركة الله.

رجال الله، أهل الوفاء تحملوا مشقة الطريق وقطعوا طوفان بحر متلاطمة أمواجه، واقتحموا عقبات البناء لأكثر من ثلاثة عقود، إلى أن التحق اليوم جيل التأسيس بالرفيق الأعلى تاركا سفينة العدل والإحسان تشق طريقها إلى الله، حاملة مشعل الدعوة الرفيقة التي تتغيى العدل بين الناس والإحسان في العبادة.

رحل سيدي محمد العلوي تبعه بعد سنتين سيدي أحمد الملاخ، والتحق بهما بعد سنتين أيضا الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين، رحمهم الله رحمة واسعة.

فالسلام عليكم يا موكب النور، السلام عليكم يا أهل الوفاء، السلام على الأحمدين، والسلام عليك

يا عبد السلام، سلام على من جعله الله سببا لهداية كثير من خلقه، سلام على من أكرمه الله بمحبة الناس له، سلام على من ابتلي وصبر، وأوذي واحتسب، وأعطي وأعطى، وذاق وأذاق، سلام على من تعلم وعلم، وتربى وربى، وصاحب وصوحب.

نعم الصاحب والمصحوب، لم تبخل قط على من جالسك أو قرأ لك، يا أيها الإمام، بنصيحة في السلوك أو بعلم من العلوم، إلا وكنت نعم المرشد والدال.

السلام عليك، يا سيدي، سلام الولد للوالد وسلام المتعلم للمعلم وسلام العاشق للمحبوب، سلاما دائما في الدنيا والآخرة.

فضائلك علي كثيرة، لا حصر لها، علمتني القصد في السير، فتحت قلبي لمحبة الله ورسوله والمومنين، كما أرشدتني لمحبة كل خلق الله، وجنبتني- بتوفيق من الله- من مزالق الانحراف والبغض والكراهية، وفتحت الباب واسعا أمام طلاب العلم، ورفعت الهمم من دركات الانحطاط إلى مقامات أصحاب النواصي العالية، بل دعوت الناس إلى ركوب سفينة الإسلام من طوفان النفاق والعدوان، وأبلغت الناس بلاغ الحق: “يا بني اركب معنا”.

انطلق السير من مدينة الأولياء، كنا بالأمس نعدهم سبعة، فهم اليوم عشرة. وما اختيار الإمام مدينة مراكش نقطة انطلاق عبثا، بل في ذلك حكمة بالغة… سوف يهتم بها ،بعد حين، المؤرخون وذووا الألباب:

قدم النصيحة للحاكم والعلماء سنة 1974 بإرساله رسالة مفتوحة لملك المغرب “الإسلام أو الطوفان”، وضع على إثرها في مستشفى المجانين ونفي صاحباه في أقذر المعتقلات السرية في المغرب. ليظن الناس أن الرجل أصيب بالهوس والتخريف، لأنه تجرأ على “نصح الملك” 1978، خطب في مسجد الداوديات بمراكش، مرتين، وحج إليه الكثيرون.. وجاء المنع لأن موعظته تجاوزت “الفقه المنحبس”. فتح بيته للناس ليستمر في النصح والدعوة، وتوجيه الشباب الحائر من أبناء الحركة الإسلامية الذين فقدوا بوصلة السير، فأخرجهم من السرية إلى الظهور، ومن الإسلام الحركي الآلي ومن الإسلام الفكري الجاف ومن الإسلام السياسي العنيف إلى سماحة الإسلام المحمدي وطمأنينة الإيمان والتشوف لمقام الإحسان: توازن في التربية والحركة والبناء.مد جسور التواصل مع كل النخب السياسية والثقافية، بالمحاضرة والمناظرة والحوار الهادئ.أصدر مجلة الجماعة 1979، وجريدتي الصبح والخطاب 1983 لتوسيع دائرة الخطاب، إلا أن صوته على منبر الإعلام كان أيضا مزعجا.أسس أسرة الجماعة 1981 لتصبح بعد ست سنوات 1987 جماعة العدل والإحسان نساء ورجالا، يقولون اليوم لكل الفضلاء إن الرجل ملك الأمة كلها، هذه أيدينا ممدودة أليكم ليستمر مشروع الرجل من أجل بناء مجتمع الإخاء.

رحمك الله سيدنا الإمام، أديت النداء ووفقني الله تعالى، وأمثالي كثر، للاستجابة لهذا النداء الصادق المصدوق. حينئذ كنت شبلا صغيرا، قدر الله لي والحمد لله على منه وعطائه، أن أكبر بمعيتك في الجماعة التي كانت يومها ثلاثة رجال ثم عشرة ثم مئات ثم آلاف ثم عشرات آلاف، ثم… فهي اليوم جماعة العدل والإحسان مدرسة الصحبة تربع أبناؤها وبناتها في قلبك الطاهر الذي اتسع ويتسع لكل من دخل من باب الصحبة والجماعة وفي الجماعة.

رجل سالت لرحيله دموع المحبين من أبناء أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء العالم، عربيهم وعجميهم، نسائهم ورجالهم، صغيرهم وكبيرهم.

رجل كتب عنه الكثيرون من أكاديميين وباحثين في شتى العلوم الكونية، واعترفوا من خلال ذلك بأن الرجل موسوعة معرفية تتميز بالقصد في تبليغ الرسالة وبالصدق في تشخيص معضلات الأفراد والمجتمعات وبالنجاعة في تحديد الوصفات العلاجية. فاستحق بحق لقب “طبيب القلوب والعقول”، حيث أخرج العقل من متاهات التيه في الظلمات إلى النور، كما أنقذ القلب من سقم الغفلة إلى سلامة الذكر، مصداقا لقول الله عز وجل: “ألهم قلوب يعقلون بها”. القلب والعقل في نسق واحد منسجم ومتكامل غير مضطرب يحدث توازنا في السلوك ورقيا في مدارج الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان.

رجل وضع للأمة علم المنهاج النبوي لتجديد الدين يدور في فلك الوحي، مرتكزه القرآن الكريم وبوصلته سنة سيد الخلق سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.

علم المنهاج النبوي ثمرة تجربته في السلوك، ذاق رحمه الله حلاوتها، وأخبر وأسمع الناس، كل الناس، أن طعم المنهاج النبوي حلو يغذي الروح ويمنحها طاقة هائلة يحولها الجسد إلى وظائف البناء.

قبيل رحيلك سيدي الإمام، اجتمع فضلاء الناس على أرض تركيا ليعترفوا للأمة أنك فعلا إمام، وأن علمك بحر خطته يمينك الطاهرة بتوفيق من الله، منظومة علمية متناسقة ومتكاملة لا تعارض بين مكوناتها وضعت كل القضايا في تراتبية دقيقة، تتجلى ثمارها في أبناء مدرسة العدل والإحسان، الذين تجلت فيهم خصال تربيتك الشريفة، خصال أهل الإيمان وأهل الإحسان.

إشهاد لخلق على خلق، ولا نزكي على الله أحدا، فرحنا لذلك وحمدنا الله تعالى على هذا العطاء، وودت تبليغه لمرشدي رحمه الله. إلا أن قدر الله لا يرد، قبضت الروح الشريفة قبل الدخول عليه حينها فهمت قوله قبل موته “خرجنا”.

خرج الرجل من الحياة الدنيا وفاضت روحه في صبح يوم دافئ لتشرق شمس علمه على الناس أجمعين من المشرق إلى المغرب، لينال إن شاء الله الجزاء الأوفى من رب الناس ملك الناس إله الناس.

والسلام عليك سيدي الإمام في الدنيا وفي الآخرة.