في يوم من أيام الله مشهود، قضت مشيئة من لا يدوم إلا ملكه، أن ينتقل إلى عفو ربه ومغفرته، مربي الأجيال وباني مدرسة الإحسان، والجاهر بالحق، الصادع بكلمة الله في وجه العامة والسلطان، الأستاذ المرشد، والإمام المجدد، عبد السلام ياسين تغمده الله بواسع رحمته، وأغدق عليه من جزيل عطاياه.

يوم مشهود، ولا شك حضرته الألوف المؤلفة من المحبين الذين حجوا من كل فج، تشهد للشاهد بالقسط. جاؤوا لوداع جسد طاهر طالما صلى لله وصام وتبتل بين يدي ربه وقام؛ غير مفارقين لروح المحبوب المصحوب؛ فهي وإن سمت في العلياء، فإن ظلالها وارفة على الأرض، ورواؤها يسقي القلوب، وضياؤها يشع في الآفاق.

انتقل مؤسس مدرسة “المنهاج النبوي” إلى دار طالما تهيأ لها، وذكّر بها، وحرض على الاستعداد لها، ووصى بجمع زادها، ونصح باتقائها.

انتقل المؤسس رحمه الله من دار إلى دار، لكنه حي في وجدان كل الذين صحبوه وتعلموا منه وتتلمذوا على يديه وأنسوا به، وألفوا ابتسامته وحنوه.

إن الرجال العظام لا يموتون في ضمير الأمة؛ واسألوا التاريخ عن الصحابة الكرام والتابعين والعلماء العاملين من السلف الصالح، هل طوى الزمان ذكرهم؟ هل انقطعت الصلة بهم؟ هل غابوا عن الأفئدة رغم طول المدة وبعد الشقة؟

كلاّ، وألف كلاّ، وهل لهذه الأمة من حياة واستمرار إلا بأولئك العظام الذين نُحتوا في ذاكرة كل مسلم، وخلدت أعمالُهم أسماءَهم، فهم حاضرون مع كل جيل، حاضرون بإيمانهم وأخلاقهم وعلمهم وجهادهم ومواقفهم.

ونحسب الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أحد هؤلاء؛ فهو بحق من البناة، وما أقل من بنى في زمن الهدم والخراب؛ وبناؤه من طراز خاص، إنه بناء الرجال وصقل الشخوص. ربى وعلّم ونظّر ونظّم. لقد بنى جيلا، بل أجيالا، وبإذن الله يثمر بناؤه أمة كاملة.

قضى الإمام المرشد، المجدد، رحمه الله ردحا من الزمن في رأب صدع النفوس وعلاج صدإ القلوب وتنويرها بحب الله وذكره وحب المؤمنين وموالاتهم، فلا غرابة أن يتربع على عرش أفئدة محبيه.

لقد أفنى رحمه الله عمره في إعادة بناء العقول بتحريرها من أغلال الخوف وقيود الانحباس والتقليد وعاهات الاستلاب وثقل الواقع والماضي، دون كلل.

لقد انبرى في صولة الأسود، منتصب الهامة ناصحا لجناب من تتطأطأ بين أيديهم الرقاب وتبتلع في حضرتهم الألسنة.

لم يفلح الترغيب والمساومة، ولا الترهيب والمحاصرة في وأد طموح الرجل ولا فل من عزمه.

امتلك، رحمه الله، إرادة سامقة وعزيمة فولاذية، فجد وكد وجاهد وصبر صابر ورابط، وما لان له من جانب.

انتظروا يأسه، فما زاده ذلك إلا إصرارا.

انتظروا تراجعه، فما زادته الأيام إلا إقداما.

انتظروا فشله، فما عرف غير النجاح سبيلا.

انتظروا تبديله وتغييره، فما بدل ولا غيّر.

انتظروا تنازله، فأراهم ثبات الأفذاذ.

انتظروا أن يدهن فيدهنون، فرد إنا ها هنا صامدون.

انتظروا انكساره، فما زادت الأيام عوده إلا صلابة.

انتظروا عجزه، فما بدا منه افتقار لغير الله.

انتظروا تفرق الناس من حوله، فما ازدادت الجموع عليه إلا إقبالا.

انتظروا وفاته، فأحيت جنازته ذكره وخلّدت اسمه، ودلت على أنه يقض المضاجع حيا وميتا.

رماه القريب والبعيد، ظلما وعدوا وبغيا وبهتانا، بما لا قبل له به؛ فصبر واحتسب وردّ ب:”اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”.

صادروا حريته، وما استطاعوا لمصادرة قلبه أو عقله سبيلا.

عاش مضطهدا في بلده، لكنه عزيز بين أهله وأحبابه. جاهد في الله لأجل الناس؛ فأحبه الناس. عاش لله ومات لله.

عاش آية في ربانيته وعلمه ومواقفه، وغدا آية في جنازته وتشييع جثمانه، وتجلى آية في عزائه باعتراف خصومه قبل أحبائه بمناقبه وأفضاله، وجميل ووافر شيمه، وعظم خسارة الأمة بافتقاده.

الناس معادن؛ لكن عبد السلام ياسين رجل من معدن نفيس؛ قلما يجود القدر بمثله، وقلما تجتمع الخصال التي تفرد بها في شخص بعينه، فأكرم به من رجل ما تزال الأمة في حاجة ماسة لأمثاله، ولسبر أغوار مدرسته وما خلفه من علم غزير.

فاللهم تول بعنايتك ورحمتك وعطفك عبدك عبد السلام، واجعله يا رب في أعلى عليين، وألحقه بالنبيئين والصديقين، واجمعنا بهم في مقعد صدق عندك يا منان يا رحيم.