نظمت جماعة العدل والإحسان بمدينة سيدي سليمان حفلا تأبينيا للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، حضره عدة شخصيات وهيئات وفعاليات سياسية ونقابية وحقوقية وجمعوية وفعاليات نسائية بالمدينة.

ومن بين الفعاليات التي قدمت تعازيها وكلمات بالمناسبة، حزب التقدم والاشتراكية، الشبيبة التقدمية، الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، حزب العدالة والتنمية، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حركة التوحيد والإصلاح، المنظمة الديمقراطية للعدل، الاتحاد الوطني لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب،… إضافة لعدة ممثلين عن الجمعيات وفعاليات أخرى من أساتذة ومحامين.

وقد كانت جل التدخلات تنوه بالمجهود الذي بذله الراحل المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله في المجال الفكري والسياسي ومجال الدعوة إلى الله وتربية الأجيال على الخلق الحسن… ومناهضته للاستبداد ودفاعه عن حقوق المواطنين.

وعرف البرنامج تنوعا في فقراته ومواده حيث تخلله عرض لمقاطع من جنازة المرشد ومقاطع من الوصايا التي كتبها رحمه الله ومقاطع لشهادات لشخصيات وطنية ودولية في حق الرجل.

واختتم حفل التأبين بكلمة ختامية للأستاذ عبد اللطيف العمراني ممثلا عن جماعة العدل والإحسان بالمدينة، نوه من خلالها بالحاضرين الذين قدموا تعازيهم في وفاة المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله.

وتجدر الإشارة أن الحفل عرف تضييقا من قبل رجال السلطة الذين منعوا نصب خيمة العزاء خارج البيت مما دفع الإخوة إلى إقامته داخل البيت.

فيما يلي نص الكلمة الختامية للحفل:

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة ختامية لحفل تأبين الأستاذ المرشد عبدالسلام ياسين

بسيدي سليمان -21-12-2012

في ختام هذا الحفل التأبيني، نود أن نتقدم بالشكر الجزيل لكل من حضر وواسى وقدم العزاء من قريب أو بعيد، في فقد الأستاذ عبد السلام ياسين. وإن الشهادات التي قُدمت في حقه من قبل علماء ومفكرين ودعاة وسياسيين ومثقفين وغيرهم داخل المغرب وخارجه، ترشحه لأن يكون فقيد الشعب المغربي وفقيد الأمة العربية والإسلامية بل وفقيد الإنسانية، لأنه ظل طوال حياته يحمل همّ الإنسان وحقه في العدل والكرامة وحقه في معرفة ربه وخالقه ليعيش كريما في الدنيا والآخرة.

الأستاذ المرشد رحمه الله، لم يسأم تكاليف الحياة وقد جاوز الثمانين من عمره كما سئم الشاعر زهير بن أبي سلمى، لأنه كان يحمل رسالةً ظل يؤديها لآخر نفس من عمره؛ رسالةَ العدل والإحسان. رسالةُ العدل للإنسان المستضعف الذي أرّقه همّ المعاش اليومي وشغله عن عبادة ربه عبادة اطمئنان وإيقان، رسالةٌ للإنسان المترف الذي شغله همّ جمع المال من كل طريق وشغله البذخ في معرفة سبب وجوده في هذه الحياة، رسالةٌ للإنسان المستبد الجائر الذي أطغته سلطته فتجبر على العباد والبلاد، أن يا هذا الإنسان، قد كنت ضعيفا ومن قبل لم تك شيئا مذكورا، وسترجع ضعيفا مهما تجبرت وستقبر وترجع إلى ربك فيحاسبك على جرائمك وظلمك وأكلك أموال الناس بالباطل، يوم لن تكون معك سلطة ولا أجناد يطيعونك إذ تأمرهم، يوم يُبعث المستكبرون أمثال الذَّر وهو النمل الصغير جدا، من الصَّغار، يطؤهم كل شيء كما كانوا يطئون العباد. نعم، هذه رسالة العدل والإحسان مجتمعة، رسالةٌ آمن بها بقوة ولم يخضع لأدنى مساومة بشأنها، وطبقها وبلغها بكل أمانة، ولم يغادر دار الدنيا حتى بثها في رجال ونساء اطمأن إلى أمانتهم في تحملها من بعده، لقي ربه واقفا، شامخا لم ينحن لمخلوق ولم يغترّ بمنصب بل ترك المناصب كلها وقد كان تقلد أسماها في وزارة التعليم من بداية الاستقلال الشكلي، وكان من سكان الفيلات وأصحاب السيارات الفارهة، ترك كل ذلك ليتفرغ لرسالته. بدأ بنفسه أن صحب عارفا بالله فقيرا أخلص في صحبته حتى توفاه الله، ثم ثنَّى بنصح أعلى سلطة في البلاد، سنة 1974، حين أرسل نصيحة “الإسلام أو الطوفان” للملك الراحل، وتحمل بعد ذلك ألوانا من الابتلاءات لا يعلمها إلا الله، وظل محارَبا محاصرا منذ ذلك الحين إلى ساعة وفاته، وورثت الجماعة هذا التضييق حتى في حفلات تأبين مرشدها في العديد من مدن البلاد.

كان رحمه الله واسع الأفْق رحب الصدر لم يحمل حقدا على أحد وإن كان ممن سامه الخسف والعذاب. يروي الأستاذ عبد الهادي بلخيلية عضو مجلس الإرشاد في الجماعة أنه لحظة وصَله خبر وفاة الحسن الثاني سنة 1999 وكان في لقاء مع المجلس، أوقف اللقاء على الفور ورفع كفيه وحثهم على رفع أكفهم، ودعا الله للملك الراحل بالرحمة. لم يكن يغضب لنفسه، كذلك يكون الربانيون، بل كان يغضب فقط حين تنتهك حرمات الله وحرمات المؤمنين.

وفي العهد الجديد أعاد الكرة بنصح ملك البلاد في رسالة تحمل اسم “مذكرة إلى من يهمه الأمر” حثه فيها على رد المظالم إلى الشعب المغربي للتخفيف على الملك الراحل يوم الحساب أمام الله.

سيذكر التاريخ الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله كواحد من عظماء الأمة الذين أفنوا أعمارهم في سبيل مبادئهم وعزة أمتهم وكرامة شعوبهم. لقد أعلى من قيمة العدل بصفته أمرا إلهيا وبصفته أرضيةً لابد منها لبناء إحسان الفرد والجماعة والأمة. كان يؤمن رحمه الله بأن التغيير العميق لا يمكن أن يأتيَ بانقلاب دموي يأتي على الأخضر واليابس، يستبدل مستبدا بمستبد، بل الانقلاب الحقيقي ما يكون نابعا من القلب مؤديا إلى انقلاب الفرد على نفسه وهواه وشيطانِه. وكان دائما ما يتمثل قولة الإمام عبد القادر الجيلاني في الفتح الرباني:” التوبة قلب دولة”.

استفاد رحمه الله من التراث الزاخر لعلماء المسلمين ومربيهم كما استفاد من التجربة الإنسانية التي تحدث عنها في كتبه الأولى “الإسلام بين الدعوة الدولة” و”الإسلام غدا” حين ثمَّن غاليا تجربة ماو تسي تونغ الصيني الموسومة بـ”التربية بالعمل” حين أنزل النخب التقنية من عليائها إلى أوراش العمل والحقول لتستفيد العامة من معارفهم ويتعلموا هم التواضع مع الشعب. واستفاد من تجربة غاندي الهندي في مقاومته السلمية للاستعمار والظلم والنزعات العرقية. كان يغرِف من كل مفيد ليبنيَ به عملا راشدا، استفاد قبل ذلك وبعده من التجربة النبوية في رفقها ورحمتها وعفوها وسماحتها.

يوم وفاته رحمه الله أوردت قنوات الإعلام الرسمي خبرا جامدا لا ترحم فيه على الرجل، وحاملا رسالةً مبَطَّنة :”توفي اليوم عبدالسلام ياسين مرشد جماعة العدل و الإحسان الغير مرخص لها”. مع أن الجماعة مرخص لها و قد صدرت أحكام قضائية منذ سنة 1990 بإسقاط تهمة الانتماء لجماعة غير مرخص لها عن كل المتابَعين من أعضاء الجماعة في العديد من محاكم البلاد، بل صدر الحكم من المجلس الأعلى للقضاء سنة 2000 بكون الجماعة قانونية و قد وضعت ملفها لدى السلطات المعنية. و لم يتابَع أحد منذ ذلك التاريخ بهذه “التهمة”. ورغم موجة الإشاعات المغرضة التي تتهم الجماعة بعدم قانونيتها فإن الجماعة يكفيها إجماع علماء الأمة و سياسييها و مثقفيها، وفيهم المؤيد والمخالف، في شهاداتهم في حق الأستاذ المرشد رحمه الله تعالى، و يكفيها تلك الجموع الغفيرة التي شيعته من مسجد السنة إلى مقبرة الشهداء.

رحم الله الأستاذ الفقيد و أسكنه فسيح جنانه، و أعلى مقامه عنده في الصالحين، آمين.