قال الله تعالى: كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة.

كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

هذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. كتب ربنا الحي القيوم الموت على كل كائن حي، فالموت حق والبعث حق والساعة حق ولا إله إلا الله محمد رسول الله.

حلت ساعة الفراق، وما أشدها إيلاما على النفس البشرية وخاصة حين ترزأ فيمن أحسن إليها وتعهدها بالنصح والتربية. لحظة خروج الروح هي لحظة فراق الجسد لهذه الروح ولحظة افتراق لهذا الجسد الذي سيوارى التراب وتبقى الروح الطاهرة للمجاهدين الكمل ترفرف في أعلى عليين وهذا ما تطلبه كل نفس، إنها تطلب العودة إلى موطنها الأول الذي تحن إليه دائما وأبدا يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

ها نحن الآن قد ودعنا الحبيب المرشد رحمه الله بعد أن وارينا جثمانه التراب، ودعنا من أحببناه وملك قلوبنا وعقولنا بصدقه وعلمه ومقاومته للباطل من أجل إحقاق الحق ونصرة المستضعفين، وحبه الكبير لكل عيال الله.

لا يجد المؤمن أمام هذا المصاب الجلل إلا التسليم لقدر الله راضيا بما قسمه الله.

لم يحل للعين شيء بعد بعدهم***والقلب مذ آنس التذكار ما أنسا
يا جنة فارقتها النفس مكرهة***لولا التأسي بدار الخلد مت أسى
ودعنا حبيبنا المرشد الذي طالما ذكرنا بلقاء الله ووعظنا نثرا وشعرا لنستعد ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

طالما قال لنا الطريق من هنا وسعادته بل كل سعادته أن يكون لهذا النداء مجيب: أنا أسعد الناس إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول من هنا الطريق من هنا البداية).

كان حديث المرشد رحمه الله دائما لا يخلو من التذكير بلقاء الله حتى نكون دائما على أهبة الاستعداد للسفر المفاجئ إلى عالم الآخرة ولا نكون من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم: من خرج من الدنيا ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته).

الموت هو أصدق وأتم ما يعرف الناس بالناس. فالكلام عن الميت تكون خالصة مصفاة لا يشوبها كذب الدنيا على إنسانها. هي الكلمة التي لا تقال إلا في النهاية. لذا أجد نفسي عاجزا كل العجز عن تسطير أسطر في مناقب الحبيب المرشد رحمه الله، أجد نفسي تائها أبحث عن الكلمات التي تؤدى المعنى وافيا، لكني أبوء بالفشل في المهمة لفرار كل الأحرف من صياغة كلمة، فما بالك بالكلمات لتركيب جملة تصف الحقيقة، كل الكلمات خجلى من نفسها فتوارت إلى الوراء مما زادني هما وكمدا.

بعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم، فالمعاشرة والمعاصرة حجاب، ها نحن الآن نسمع شهادات تترى من الداخل والخارج تجمع على أن الزمن قليلا ما يجود بأمثال هذا المربي والداعي إلى الله، هذا العالم المجاهد، هذا الزاهد المتبتل، هذا المجدد القائم بأمر الله الذي لا يخشى في الله لومة لائم مما جعله يدفع ثمنا غاليا في مناهضته للحكام الظالمين، حيث قضى ما يقارب العقدين بين اعتقال حصار.

وهاهم أبناؤه ومحبوه يخرجون بعشرات الآلاف في جنازة مهيبة، لا ترى إلا أمواجا بشرية لكن في هدوء وسكينة ووقار وهي تخطو خطواتها نحو مقبرة الشهداء لتواري جثمان الحبيب سيدي عبد السلام رحمه الله إلى مثواه الاخير، ولتقول هذه الجماهير للمخزن المستبد هيهات هيهات أن تحلم بالحيلولة دون حبيبنا، سترفرف روحه الطاهرة في سمائنا وفوق أرضنا وتكون لنا نبراسا في دربنا، وهذه الروح لا تبحث إلا عن شيء واحد هو هذه الثمرة السماوية المسماة القلب، وكل كلمة دعاء وكلمة ترحم وكلمة خير. ذلك ما تذوقه الروح من حلاوة هذه الثمرة. مرمى وصيتي هذه وغايتها أن يقف عليها مومن وتقف عليها مومنة يسمعانها بصوتي مسجلة أو يقرآنها مسطورة فيترحمان على ثاوٍ في قبره أسير لذنبه راج عفو ربه. تلك أولى المقاصد).

الآن كل القيود قد انكسرت وها هي الجماهير تعلن وفاءها لما عاش ومات عليه الرجل دون أن يغير أو يبدل، وفي الوقت ذاته تعلن عن موت المخزن الذي آمن بالسيف والقمع والآرهاب، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.

أليس الصبح بقريب.