انتقل إلى جوار ربه الإمام المرشد سيدي عبد السلام ياسين بعد أن جدد للأمة دينها، وربى رجالها ونساءها، وأسس جماعة تحمل رسالة الدعوة إلى الله، وتعمل لتحقيق موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم بعودة الخلافة على منهاج النبوة. فارقنا جسده ونحن حزينون على فراقه، أما روحه فقد كانت معنا وستبقى تطل علينا من عالمها العلوي، فنسأل الله أن يريه منا ما تقر به عينه. بكت العين دمعا ورجونا الله أن تبكي قلوبنا دما يزيل ما ران عليها ويطهرها وينورها لتنهض لما دعا إليه وبشر به حتى تعرج في مسالك العارفين وتصل لمقامات المحسنين، وتنال الشهادة في سرب المجاهدين. حزينون على الفراق لكن أنت باق فينا بما تركت من أثر طيب وأعمال صالحة وصدقات جاريات وأولاد طينيين وروحيين يدعون لك.

أنت باق فينا وإن رحلت فأنت المربي الرباني: الذي ربى أجيالا على حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد صاحبت الربانيين الوارثين فانخرطت في عقدهم وأصبحت حلقة في سلسلتهم النورانية، فأورثك الله نورهم وارتقى بك في مدارجهم وأبلغك مقاماتهم، ففتح الله لك بما يفتح لأوليائه وأصفيائه، منة منه سبحانه وتعالى وتكرما. كنت رحمك الله المربي والمصحوب الذي استنار بنوره من صحبه واتبعه وأحبه. فأثمرت صحبتك نورا في القلوب وتعلقا بالمولى المحبوب واقتداء بالمصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم. فتركت زمرة من الأولياء هم على أثرك واقفون على باب مولاهم جل وعلا طمعا أن يجود عليهم بما جاد على أصفيائه وخاصته. وأسست لمجالس الإيمان وربطات الذكر والقرآن لتزكو فيها الأنفس وتسمو الأرواح حتى تعرف بارئها وفاطرها، فجعلت الصحبة في الجماعة وخيرك ونورك وبركتك فيها متصلة غير منقطعة ومستمرة غير موقوفة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله.

أنت باق فينا وإن رحلت فأنت العالم المجدد: الذي تعلق قلبه بكتاب الله تعالى تلاوة وتدبرا وحفظا، والذي لازم الجلوس متتلمذا على منبر رسول الله صل الله عليه وسلم، جاعلا من الكتاب والسنة منطلقا لعلمه واجتهاده، غير مقلد ولا مزدر لما سطرته أنامل السلف الصالح لهذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين. اجتهدت لتجديد دين الأمة انطلاقا من الكتاب المقروء كتاب الله وسنة رسول الله ومنفتحا على الكتاب المنظور كتاب العالم وتجارب الإنسانية لأنها من عطاء الله وما كان عطاء الله محظورا. فكتبت وألفت العشرات من الكتب تعرض شرع الله على ضوء منهاج رسول الله وفق دواعي الوضوح ومخاطبة الناس على قدر عقولهم. فعرضت الإسلام في شموليته، فجمعت ما كان مفترقا، جمعت بين العدل والإحسان وبين الرفق والاقتحام وبين جهاد الرجل وجهاد المرأة، وبين عبادة الجوارح وعبادة القلب وبين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي. وميزت رحمك الله بين الأصيل والدخيل وبين الملك والخلافة وبين مقاصد الشريعة ومطالبها، وبين العلم الجزئي والعلم الكلي وبين البدعة والسنة.

أنت باق فينا وإن رحلت فأنت المجاهد المقتحم: الذي لا يخاف في الله لومة لائم، قلت كلمة حق لمن تربيت في كنفهم وترعرعت في حضنهم منتصرا لشرع الله ومنافحا عن سنة رسول الله صل الله عليه وسلم. كما قلت كلمة حق للحاكم عملا بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” فكتبت رسالة “الإسلام أو الطوفان” فابتليت وامتحنت أكثر من ثلاث سنوات مختطفا لكنك صابرت واحتسبت، وكتبت الرسالة الثانية “قول وفعل” لما ادعى الحاكم زورا وبهتانا صفة التجديد، ليحكم عليك ظلما بسنتين سجنا فما لنت ولا استكنت، وكتبت الرسالة الثالثة “مذكرة إلى من يهمه الأمر” بعد الحديث عن “عهد جديد” مع “ملك للفقراء”، فطالبته بإعادة مال الأمة للأمة الذي هو سبب الفقر والقهر والجوع، فكان نصيبك والجماعة مزيدا من الحصار والتضييق، فما استسلمت ولا ركعت إلا للحي القيوم. لقد حررت بجهادك القلوب بعدما كانت فزعة من شبح الطاغوت، والشارع بعد ما كان مؤمما وساحات الجامعات بعدما كانت محظورة، والأفواه والأقلام بعدما كانت مكممة ومحجمة عن الحديث في المقدسات والطابوهات.

أنت باق فينا وإن رحلت فأنت المفكر المنظر: اطلعت على ثقافة الآخر من مصادرها وأصولها فخبرت خباياها ومراميها، وتعلمت لغاتهم ووقفت على علومهم وحضارتهم، فخططت لمستقبل الإسلام وبشرت بغد الإسلام في بداية السبعينات حيت كان الإسلام ضعيفا مضطهدا، وانتقدت الفكر الماركسي في جوهره و الحضارة الدوابية في عمقها وانفتحت على أحرار العالم تبحث عن مواطن اللقاء، كتبت باللغة العربية والفرنسية ووظفت منهجيات وترجمت مفاهيم حرصا منك على التواصل مع الفئة المغربة، وأنت في كل ذلك محافظ على وضوح وأصالة ما تطرح. كتبت عن الحكم وعن دولة القرآن وعن نظرية التغيير واضعا استراتيجية لحركة الإسلام وإيديولوجية للمسلمين تحكمها خصائص الأصالة والشمولية والوضوح والمستقبلية والإجرائية.

أنت باق فينا وإن رحلت فأنت القائد المرشد: أسست جماعة قوية بحسن تنظيمها وتراص صفوفها وتكامل مؤسساتها، قوية بمبادرات رجالها ونسائها، قوية بنواظمها، بالولاء بين أعضائها والشورى والنصيحة في مجالسها والسمع والطاعة المنبثقة من داخل قلوب رجالها. لقد كرست حياتك لمحاربة الاستبداد فربيت أعضاءها على الشورى لا الإمعية والإذعان، وربيتهم على العزة لا الخنوع، وعلى القوة لا الضعف، وعلى الاقتحام لا الإحجام، فكنت مدرسة في إدارة الشورى وتدبير الاختلاف؛ فكم مرةٍ نزلت عن رأيك لرأي إخوانك عندما يجمعون على رأي، معلما إياهم ومقتديا بحبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكم كنت تحث على تحرير المبادرات وتشجع وتنوه؛ وتغض الطرف عن الأخطاء والهفوات حتى يتعلموا منها.

وقد قدت الجماعة في أحلك الظروف فاقتحمت بها عقبات كأداء عندما يكون الاقتحام حكمة وفريضة، وجنبتها ضربات الأعداء عندما يكون الإقدام تهورا واستنزافا، فكنت رحيما بها حريصا على أمنها، تتحمل بدلا عنها ضريبة الكلمة والمواقف المشهودة.

أنت باق فينا وإن رحلت فأنت الرمز الجامع: رمز للوطن وللأمة، فمهما اختلف معك منافسوك وخصومك وأعداؤك إلا أنهم مجمعون على رمزيتك وتقديرك واحترامك لعلمك وربانيتك وجهادك ورجولتك. وكنت رحمك الله صاحب الفكر الجامع والمستوعب وصاحب الأيادي الممدودة للتواصل والتحاور. سعيت رحمك الله لجمع صف الحركة الإسلامية بالمغرب على أساس منهاج متفق عليه، فأسست أسرة الجماعة معتبرا إياها جزءا من جماعة المسلمين. ودعوت لوحدة الفضلاء داخل الوطن من أجل التغيير والبناء على أساس ميثاق، فحاورت وتواصلت وراسلت، فكتبت “حوار مع الفضلاء” و”حوار الماضي والمستقبل” و”حوار مع صديقي الأمازيغي”. وعملت على وحدة طوائف وفرق الأمة، فكتبت رحمك الله في ما يجمع الصوفية وأهل الحديث والسنة والشيعة والفضلاء والإسلاميين.. من أجل النهوض بالأمة بكل مقوماتها. كما وضعت إطارا للقاء بين أحرار وعقلاء العالم مما يخدم الإنسانية ويدافع عن كرامة الإنسان وإنسانية الإنسان، فكنت رحمك الله رحمة للجميع.

نعم، فارقنا جسدك لكن أعمالك خالدة فينا وشاهدة على ما قدمت يداك ودالة على خصالك وصفاتك. نعم أنت باق فينا وإن رحلت.

رحمك الله وأسكنك فسيح جناته؛ إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا حبيبي لمحزونون، لكن لا نقول إلا ما يرضي الله ورسوله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم ألحقنا به مؤمنين محسنين غير مبدلين ولا مغيرين. واحشرنا في زمرته مع النبيين والشهداء والصالحين إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير يا أكرم الأكرمين ويا رب العالمين.