جاء في بعض الروايات: من أحب فليُـعلن!

في بداية هذه الكلمة أقول إني أحببت السيد عبد السلام ياسين بكل قلبي. فالحب لا يطلب إذنا ولا ينتظر رخصة من أي كان. وَددت دائما لقاءه لأنقل إليه بعضا من مشاعري نحوه وأُقَــبل رأسه المبارك، وسَعَـيت من أجل هذا اللقاء. ولما أمسكت بخيط من شأنه أن يوصلني إليه، داهَم الرجل العياء والمرض، فقيل لي: لم يعد بمقدوره استقبال الناس. والآن خطفه الموت!

تابعت أخبار الرجل وأنا صغير. يصلني منها الصحيح والأسطوري عن رجل يعارض – جهارا نهارا – مَلِكا قاسيا على مُعارضيه، فيَلقى ما يلقاه من المكائد والمحن والعنف فيصبر محتسبا عمله خالصا لوجه الله تعالى. وتابعت أخبار جماعته ومنهاجها المختلف وأنا شاب، فأثارتني التجربة وفَرادتها. جاءت المرحلة الجامعية، فالتقيت ببعض أعضاء الجماعة العاملين في إطار الإتحاد الوطني لطلبة المغرب – فصيل العدل والإحسان- وغيرهم من العاملين خارج الجامعة. فتكرَّست الصورة الاستثنائية التي حملتها عن الرجل وجماعته. لكني لم أقتنع بالسماع، فسحر الرغبة في معرفة ما بداخل البيت وقوة دفع الفضول لا يقاوَمان؛ لذا اقتحمت عليهم مَجالسهم التربوية في أكثر من مناسبة وجلست بينهم القرفصاء في مجلس كان يقام أسبوعيا بحي العكاري فوجدت هناك من نفحات الإيمان وصدق النوايا وطيب المعاشرة والإخلاص في العمل ما يعز العثور عليه في زماننا. حاولت إعطاء عملهم عنوانا فما وجدت ما ينطبق عليه غير العبارات الياسينية نفسها: تربية، تنظيم، وتحضير للزحف. فعمل الجماعة الميداني نموذج تطبيقي للَّوحة التي رسمها الرجل في كتابه: المنهاج النبوي: منهج إيماني وسياسي فريد، ينطلق من التربية ويزحف ببطء، لكن بثقة. وفرادته هذه يقول عنها الفقيد الكبير – ولو في مورد غير هذا- : لست من قيسٍ ولا قيسُ مِني!). وهكذا رفع راية جهاد صادق ضد الظلم وأهله وصاح:

ألاَ مِن مُسعِفٍ حَولي *** على أمرٍ أُحـــاولُه؟
تـيَـــتَّمَ بَينَـنا العـَـــدلُ *** وكُل الناس خاذِلُه
هَلُمـُّـوا نُنـْكِرُ الظُّلـمَـا *** نُـنـَـازلُهُ نُـقَاتِـلـُه
وهكذا ربَّى عبد السلام ياسين دفعات عديدة من نساء ورجال عاملين، في داخل البلاد وخارجها، والذين يُضرب لهم ألف حساب في بلد لا يقبل الاختلاف إلا داخل قواعد مُحكمة التحديد وضيقة الأفق ومُكرسة لأخلاق الطاعة غالبا. فَكَّر، عمل، حشد فجهَر في القاعدين قائلا:

يا قاعـــــدا عنَّـــــا بِـلِيــن معيشـــــة *** كم ذا تُسَوف للنهوض وتلعبُ
كَبَدٌ حياتُك! لو أتيتَ رِكابنا *** لوجــدت أشبال العَـــرينِ تأهَّــــبُ
وَوَجدْت عزما ماضياً ومروءة *** ووجدت إيمــــانا يـجِدُّ ويُكسَــــبُ
وضع بين أعين أعضاء جماعته مَعلمين أساسين الإيمان/الإحسان والنضال/العدل، ونادى فيهم نداء سيبقى ما بقيت هذه الجماعة، فلا أعتقد أن أحدا يستطيع انتزاع إرث الرجل من قلوب أبنائها:

احمِل لِواءَ العدلِ وانشــرْ صَوتـــهُ *** في صَف أهل العدل والإحسان
كنْ رحمةً للخلقِ واصـنعْ للوَرَى *** خَيرَ الصَّنائعِ، والضعيفُ العَـاني
قاتلْ لتُنـصِفَهُ أثيراً ظـالماً *** إنْ لا تـَـقُم ْكنتَ الأثيمَ الجــانِي
انخرط الرجل بقوة في المشهد السياسي؛ إذ خاطب رأس السلطة مباشرة، ولم يفاوض من أجل مكسب له أو لجماعته ولا قَبِلَ بأنصاف الحلول، وإنما ثبت على ما رأى فيه مصلحة الشعب المغربي المظلوم، وهو أن يُحكم من قبل حاكم عادل تقي، يُفشي الإيمان وينشر العدل. وكما انطلق مناضلا باسِلا في الساحة العامة عند تأسيس جماعة العدل والإحسان، ختم مسيرته تلك بشوط نضالي كبير وشاق عندما أقر مشاركة جماعته، بشبابها وشيبها، برجالها ونسائها، في صفوف حركة 20 فبراير للدعوة إلى إسقاط الفساد والاستبداد عن كاهل المغاربة، في لحظة الثورات والانتفاضات الشعبية التي اجتاحت خريطة المنطقة.

كان كتابه “الإحسان” منعطفا من المنعطفات المهمة في مجاهدتي الروحية. قرأته، انغمست فيه مع صمت الليل، فأدركت أن كلمات كهذه لا يكتبها إلا صادق، صالح وعاشق لله. وحينها عددته وليا من أولياء الله، ولم أنتظر إذن أحد ليقول لي ذلك أو يقرني عليه. وبذلك اشتد حبي له. أقرأ عبارة عرفانية هنا، وأخرى هناك، يطالعني نور بين سطر هنا وآخر هناك، أحس بإشراقات روحية هنا وأخرى هناك. كلما قرأت أكثر كلما صعدت إلى أعلى، إلى حيث الوجود السماوي المرصع بنفحات الإيمان والعشق، خارج معادلات الأرض؛ التي تجمع بين أرقامها الغث والسمين.

في “الإحسان” يحدثك السي عبد السلام كمُرَبّ، كصديق وكمُحب لكَ. تتنقل بين الصفحات وتستشعر معدن الإخلاص يتحدث إليك. هو – وكما قال بنفسه- حديث القلب عن القلب وعن الإحسان وعن محبة الله ورسوله وعن المعرفة وعن الكمال. فكان بذلك رجل إحسان بامتياز.

كما لا يخفى أدبه الكبير مع المخالفين – إسلاميين كانوا أو غير ذلك. لا بل أكثر من هذا، كان رجل دعوة للحوار وعاملا به. كما أنه رَد الأطروحات التي تعتقد العنف، ودعى إلى الرفق وجَعله واحدا من أركان منهاج جماعته. الرفق مع الجميع وفي كل الشؤون الحياتية الخاصة والعامة. وإذا كان من يتحدث عن أن الجماعة مارست العنف فلنا أن نقول إن الفترة التي دخلت فيها الجماعة في صدامات – وهي محدودة جدا على أي حال- داخل الكليات كان الأمر يتعلق بأجواء صدامية بالجملة على مستويي الخطاب الايديولوجي والممارسة النقابية والسياسية سادت الوسط الطلابي. وفي جميع الأحوال، لا يمكن أن يدعي أحد أن الجماعة تبنت العنف، عقيدة أو وسيلة. لقد حمل الفقيد أبناءه على العمل بالرفق كأسلوب يفتح قلوب الناس على الإيمان وعلى أهله.

يروي بعض أعضاء الجماعة قصة طريفة في الرفق عاش تفاصيلها الفقيد. ففي يوم من الأيام، نزل عليه شيخ متطرف الفكر مع رفاق له ضيوفا في بيته، فإذا بالشيخ المذكور يُطلق فتاوى قاطعة في تكفير عبد السلام – المضيِّف – ويعدد المبررات لفتواه تلك. انتظره هذا الأخير إلى أن أتم ما في جعبته، نهض وتوجه للوضوء ثم عاد. قعد معهم كما السابق، وقال، موجها كلامه للشيخ المكفر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ها أنذا آمنت على يدك، فاشْهدْ!

ولا ننسى كيف أنه لا تفارقه ابتسامته الوديعة مهما كانت الظروف. يتبسم لرفاق دربه، لزواره، لشباب جماعته، للصحافة وللناس، دون أن يُـفقده ذلك حزم وهيبة القادة.

لقد جمع الرجل ما لا يجتمع إلا في خواص الخواص من الناس. فقد كان عالما مجددا، عارفا ربانيا، شاعرا رقيقا، قائدا حكيما، داعية مُربيا وسياسيا مناضلا.

كما لا يجب أن ننسى أنه قاد جماعة تضم مئات آلاف من الأعضاء والمتعاطفين على مدى أزيد من ثلاثين سنة بلا مظلة قانونية تحميهم من بطش المخزن وكيده وتضييقه، وكان سلاحهم الوحيد العمل التدريجي المخطط والثقة في أن الله مع الصابرين إلى أن صارت الجماعة أكبر تنظيم في البلد.

يصف المحنة قائلا، بحسرة وهَم متطلع إلى تحرير الأمة ونهضتها:

يا رب شَقَّ النُّزلُ شقَّ المــُقامْ *** قد اغتربنا بين قـــــوم لئــامْ
همُ أذَلُّـوا أمـة المـُصطـفى *** ورَكبوا وأمسكـوا بالزمامْ
يا رب نصرَك على جمــعِهــم *** ومن تَكُن له فليس يُضامْ
كتب الفقيد وناقش، بتجديد وإبداع، في العرفان/التصوف، الأخلاق، الفقه، التاريخ، العمل السياسي، الاقتصاد، الفكر المادي، الحداثة، المرأة، الفن، الشباب، الأمازيغية، الدولة والتغيير السياسي وغيرها من المواضيع. ومُغرض من يقول إن فكر الرجل وأسلوبه كان نسخة لتجارب مقارنة. فقد جدد في الفكر والعمل الإسلامي تنظيرا وممارسة. وبذلك، أغنى ساحتنا العامة بمساهمات مشرفة وحافزة للنقاش الجدي بين الاسلاميين بعضهم البعض وبينهم وبين غيرهم من المكونات الموجودة في الساحة. لقد أسس مدرسة في التربية والعمل الدعوي والممارسة السياسية خارج المؤسسات.

نعم، لم يستطع الفقيد الوصول بجماعته إلى واحد من أهدافها (القومة)، ونَعم بالتأكيد دخلت الجماعة في عهده نفقا استعصى الخروج منه، لكن هذا النفق دخله البلد ككل ودخله أبناؤه وقواه السياسية والمدنية وسلطته الحاكمة على حد سواء، ومن جهة أخرى هذا لا يلغي أن الرجل حافظ على وحدة الجماعة وقدرتها على التنظيم والتأطير والفعل، وعلى ثباتها في ظروف القهر والتضييق والدعاية الكاذبة وكرس مبدأ اصطفافها في موقع الدفاع عن المستضعفين. ويكفيه هذا فخرا في زمن ينبطح فيه الرجال أمام إغراءات المال الحرام وبريق السلطة الزائف الزائل.

بلا ريب، وجدت سيرة الفقيد، البديعة والغنية بالمواقف والعمل، موقعها في سجل رجالات المغرب الكبار إلى جانب أعلام بصمت تاريخنا المعاصر كالسادة عبد الكريم الخطابي، علال الفاسي والمهدي بنبركة وغيرهم. سيذكر التاريخ، دائما، هذا الرجل الشريف نَسَبا وسلوكاً ومقصداً.

لقد فقدنا بركة تواجد رجل رباني بيننا!

رحمة الله تعالى عليك أَسِيدِي عبدْ السْلاَم.