قد يظن ظان أن الرجل الذي غادر عالم الأحياء يوم الخميس الفائت لن يرجع إلى الحياة أبدا لأنه انطمر في جوف الأرض ولن يعود أبدا… وهذه حقيقة سطحية قد يجاريها من اعتقد أن الرجل كان جسدا، وحين تهالك بسبب التعذيب والسجون والمشافي والمجاهدات خر ساقطا ومضى إلى أفول…. لكن الرجل يا صاح منذ هبته الإيمانية وهو ابن الأربعين من عمره بدأ يسبح في عالم التجريد والروح والملكوت، لاسيما حينما صحب عارفا أدخله رحاب الصحبة والعرفان وقلْب دولة ذاته رأسا على عقب…. (رحم الله سيدي العباس القادري وأسكنه فسيح جنانه… آمين).

حين ذاك بدأ بالتبشير الأولي بذاك العالم الملكوتي الذي اكتشفه وتنسم من فيحائه وذاق عبير صفائه، لكنه حين شب عن الطوق دخل على التو إلى عالم التجديد والريادة فيه، ذلك أنه اكتشف حقيقة أن هذا العالم الملكوتي الذي ولجه من قبل، لم يكن شيئا مبتدعا عما عاشه الأصحاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة أولئك الشباب الذين تحلقوا حوله في دار الأرقم ابن أبي الأرقم… فأدرك حينها أن أس السلوك وجوهر الترقي الإيماني في مدارج اليقين والولاية إنما هو فعل رسول وسنة نبي، وكأنه استخلص شيئا نادرا وهو أن التلقف في هذا الشأن عن غير النبي صلى الله عليه وسلم في مجال التزكية أمر مناف للأدب مع ذاك الرسول المربي الأعظم الذي صُفي قلبه من أدناس الأرض وجواذبها ولعاعاتها وهمومها الزائلة في غار حراء، ليكون قلبه قلب النور الذي تنزلت فيه الفيوضات الإلهية والوحي الرباني….

لذلك كل من دلف إلى زيارة الإمام ألفاه مستبشرا حين يعثر على سنة من سنن النبي عليه السلام لاسيما المفضية إلى مفاتيح التربية وكوامن التغيير النفسي وبناء الإنسان عقديا.

وكم راقني حقا حين ساق سورا قرآنية وشرع في ضبط الآية المفتاح فيها وكأنها التي عليها مدار السورة كلها، ليسهل استيعابها وفهمها وإن شئت تفسيرها….

وفي كل ذلك تجديد حقيقي في ديدن التربية والسلوك، ذلك أن إخراج مفهوم التزكية من المضيق إلى الفضاء وربطه بجذوره وأصوله النبوية، وما في ذلك من طي لزمان سحيق أتى على هذا الإرث النبوي ليتوارى خلف المغارات والزوايا ويسيج بألفاظ وأعراف وفعال قد تبدو مستحدثة عند الفقيه الذي لم يدرك حقيقة التربية والسلوك بعد….

ومما يشهد بالفكر التجديدي للرجل أيضا في ديدن التربية والسلوك أنْ ربط التربية الفردية بالتغيير الجماعي… إذ لم يكن في عرف المجدد هذا فصل بين بناء الذات وبناء الطليعة المؤهلة للتغيير الواقعي على الأرض… لاسيما وإن الإيمان رهين بعمل صالح ظاهري يسنده ويعضده ويشهد بقوته وصدقه…. وقد أثبت التاريخ أن الأئمة المجاهدين في التاريخ الإسلامي إنما هم الذين عاشوا يقينا إيمانيا في أنفسهم، ثم تجسد واقعا ببناء جماعة مجاهدة جسدت القيم الخالدة على الأرض، فكان جهادها جهاد رحمة وسلام وقوة.

نعم أدرك الرجل الرباني أن نهر الإيمان يفيض بتوحد بضع وسبعين شعبة… فقام المجدد بتأليف تلك الشعب الإيمانية في أصول كبرى جامعة، ابتداء من تركيز باب السلوك على تلك الصحبة الحانية فالجماعة الحاضنة للقيم الإيمانية فالترقي في مدارج الذكر والصدق والعلم والعمل والسمت والتؤدة والاقتصاد والجهاد أخيرا …. ولم يتوان الرجل عن ذكر هذه الخصال العشر طيلة حياته الإيمانية، سواء حين تحدث عنها في (الإسلام غدا) أو حين سلك الطريق مربيا، أو حين قربت وفاة جسده الطاهر بتلك الوصية الخالدة… ولم يثبت عنه أبدا أن عدل عنها في جل ما كتبته يداه من نفائس الكتب التربوية أو ما ذبجه يراعه من نقاشات فكرية في عالم التصوف في (الإحسان)، مما يشي عندنا أن هذه الخصال إنما هي أصول قطعية في مدرسة التربية والسلوك عند هذا الإمام المجدد….

ويا ليت الرجل استفرغ جهده في التحرير والتحبير وإجادة التصانيف التربوية الجامعة، ليكون عالما مجددا في ذاك الفن فقط، لاسيما وإن كثيرا من وسموا بالمجددين قديما إنما كان ديدنهم الذي يسرحون فيه إنما هو تأليف الكتب وترصيف الأفكار في المظان المختلفة… لكن الرجل يا صاح لم يكن كذاك، بل إنه انتقل من التجريد إلى التجسيد ليتشابك مع نفس بشرية أخرى ويقومها ويربيها ويطهرها من رعوناتها وتفلتاتها وأهوائها لتغدو حية من تراب ومونقة من جذور… فوجدناه يؤلف رجالا ويصبر على أبناء تشربت عقولهم أفكاره وانغرست في قلوبهم بعض من قيمه ليغدو جلهم مميزين عن الناس بصلاحهم وتؤدتهم وفكرهم العميق… أي أن الرجل ألف كتبا ثم ألف رجالا يشهدون على قوة ساعده العلمي التربوي… لذلك لا نظن أبدا أن الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين قدس سره قد مات، فالروح الطليقة حين رأت النور صادقة سارت عليه ولم تتوان عن المضي فيه وكسرت شوامخ العقبات الكأداء لتحافظ عليه صافيا من جذوره فكان لها ما أرادت… روح بشرية تسربلت بالنور فغذت نورانية بحق فنقشت في صفحات التاريخ الخالدة….