عانت جماعة العدل والإحسان من الإعلام ردحا غير يسير من الزمن، وتنوعت هذه المعاناة وتعددت، فجمعت بين الحصار والتضييق من جهة، وبين القصف الإعلامي الموجه والمكثف من جهة ثانية، وشاركت في هذه المعاناة عدة وسائل إعلام مما جعل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يسأل في بداية ندوته الصحفية الشهيرة بعد رفع الحصار عن مراسلَي قناة الجزيرة وجريدة لوموند باعتبارهما من كان يتحرى في نقل الحقيقة عن الجماعة، مما يدل على أن الرجل كان يعاني من وسائل الإعلام وأضاليلها، وقد فطن لأهمية الإعلام منذ بداياته، حيث تولى بنفسه الإشراف على مجلة الجماعة وجريدتي الصبح والخطاب، ثم تولى الجيل الثاني من الجماعة الإشراف على جريدتي رسالة الفتوة والعدل والإحسان المتوقفتين عن الصدور بالتعليمات غير القانونية في عهد حكومة المناضل عبد الرحمن اليوسفي، وما هذا الإصرار من الجماعة على إصدار مجموعة من المنابر الإعلامية إلا لمخاطبة المواطنين مباشرة دون واسطة مخزنية أو إيديولوجية.

لعل القارئ في غير حاجة إلى الأدلة والقرائن حول التضييق الإعلامي على الجماعة ومرشدها الراحل، لا فرق في ذلك بين عهد الملك الراحل الحسن الثاني أو الملك الحالي محمد السادس، ولا فرق في ذلك أيضا بين حكومة التناوب وما قبلها وما بعدها إلى عهد حكومة الإسلامي الأستاذ عبد الإله بنكيران، وتوافقت على ذلك مؤسسات الإعلام الرسمي سواء في عهد إدريس البصري أو محمد الأشعري أو خالد الناصري أو مصطفى الخلفي، كلهم يعزفون سيمفونية واحدة، لا مجال لعبد السلام ياسين ومن معه في الإعلام الرسمي وكفى.

ولتجلية حقيقة ما نقول يكفي أن نشاهد التغطية الخاصة بجنازة الأستاذ ياسين على قناة دار البريهي لنرى الحصار والخناق.

أولا : قصر المدة الزمنية لهذه التغطية الصحفية، بحيث لا تتجاوز الدقيقة الواحدة.

ثانيا : عدم أخذ أي تصريح صحفي من أحد الحاضرين سواء من عائلة الفقيد أو من تنظيمه أو من عموم الحاضرين الذين جاؤوا إلى الرباط من كل مناطق المغرب وجهاته.

ثالثا : التغطية المخدومة للحضور، حيث عمدت القناة إلى عدم إظهار صورة فوقية للحشد الغفير إمعانا في محاصرة الرجل ولو بعد رحيله، واستعاضت عن ذلك ببعض الصور البئيسة ومنها صورة لأناس واقفين بجانب الجدار ربما لإيهام الناس أن الحاضرين في الجنازة لا يتعدى عددهم العشرين نفرا.

لكن بالمقابل، قامت قناة دار البريهي في نفس النشرة – وبعد هذه التغطية البئيسة – بتغطية صحفية أخرى عن الهيلولة التي يقيمها اليهود المغاربة سنويا في جماعة تنزرت بإقليم تارودنت، وتميزت تغطيتها بحرفية ومهنية تتجلى في :

أولا : أخذ صورة بعيدة للضريح مما يعطي انطباعا عاما للمشاهد حول المنطقة عموما.

ثانيا : طول المدة الزمنية التي تجاوزت ثلاث دقائق.

ثالثا : استقاء مجموعة من التصريحات سواء من قبل رئيس الجماعة أو من قبل بعض البسطاء الذين يغتنمون فرصة هذه الهيلولة لبيع بعض السلع لليهود الزائرين، وكذلك أخذ تصريحات صحفية لبعض اليهود الذين عبر أحدهم بقوله : “جئنا لزيارة الصالح ديالنا”.

السؤال المطروح هو لماذا لم تعطَ لأحد العدليين الفرصة للتعبير بمناسبة تشييع “الصالح ديالهم”؟

إنها معاملة قناة دار البريهي في عهد مصطفى الخلفي، مما يدل على أن لا فرق بين البصري والخلفي في تسيير شؤون الإعلام، وبالتالي فإن مقولة “التغيير في ظل الاستقرار” ما هي إلا كذبة لا تنطلي على أحد، ومن قال عكس ذلك فعليه بالبرهان والدليل.

أما القصف الإعلامي الذي تعرضت له الجماعة وأنصارها فحدث عنه ولا حرج، ولكثرة هذا القصف فإننا لم ننس منه إلا القليل، لذلك نورد في هذا الموطن بعضه لا كله، ومنه :

أولا : أثناء الصراع الدائر في الجامعة بين الطلبة الإسلاميين واليساريين (الموسم الدراسي 91 – 92)، قامت قناة دار البريهي حينها بتغطية الأحداث، ونقلت للمواطنين تصريحات بعض اليساريين، وبالمقابل منعت ذلك عن الإسلاميين وأظهرت مجموعة من الأسلحة والسكاكين والسلاسل … ومعها لافتة مكتوب عليها “العدل والإحسان” لتسويق صورتها أمام الرأي العام أنها جماعة عنف وإرهاب ودم.

ثانيا : نقلت وسائل الإعلام منذ سنوات قليلة نبأ متابعة قضائية بتارودانت بتهمة الخيانة الزوجية، وأن المتهم عضو بجماعة العدل والإحسان، وإن تجاوزنا صدق الخبر من عدمه، فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الجدوى والهدف من إذاعة هذا الخبر، أليس الهدف هو تشويه صورة الجماعة بين أفراد المجتمع ؟ وهل كل الخيانات الزوجية الرائجة في المحاكم تجد طريقها إلى النشر؟

ثالثا : منذ مدة تناقلت وسائل الإعلام بلاغا رسميا حول ضبط أحد الشباب بتهمة تهريب المخدرات، وأن هذا الشاب هو أخو ندية ياسين كريمة الأستاذ المرشد. ما الهدف والجدوى من هذه النسبة الغريبة، وهل رأيتم إنسانا ينسب إلى أخته؟

وهذا القصف الإعلامي ليس مقتصرا على وسائل الإعلام المغربية فحسب، بل تعداه إلى غيرها، وفي التسعينيات تخبط المخزن مع الحصار الياسيني، فرفعه يوما أو يومين وأعاده بعد ذلك، وأثناء هذا الاضطراب خرج الأستاذ لصلاة الجمعة في مسجد الحي، وقام خطيبا بعد الصلاة، فتحدث إلى المصلين بكلمة موجزة ضمنها نصائح تربوية، وقد أعجبت بكلمته غاية الإعجاب، ومما أثارني أن الحزب الراتب الذي قرئ قبل الخطبة بدئ بسورة القمر ثم سورتي الرحمن والواقعة، وبعد ذلك تناول الخطيب الأستاذ عبد القادر العافية موضوع الإسراء والمعراج، ولما تولى الأستاذ ياسين إلقاء كلمته نسجها في وحدة موضوعية وتعمد الاستدلال لقضاياها بما تناوله الخطيب حول حدث الإسراء، وبآيات من سور القمر والرحمن والواقعة، وعندما أراد الاستدلال بإحدى الآيات أخطأ فلقنه المحيطون به آية مشابهة لها، وبمجرد ما تلاها تفطن أنه لا يريدها بل يريد الآية الموجودة في إحدى هذه السور الثلاث، مما يدل على قدرة الرجل على الارتجال وضبط الموضوع بمنهجية وبأسلوب عربي سلس، وبعد انصرافنا من هذا التجمع تناقشت مع كثير من الحاضرين، ونبهتهم لهذا الأمر الذي لم يتفطنوا له، لكن المفاجأة ستكون صادمة في مساء ذلك اليوم، حيث استمعت كعادتي آنئذ لإذاعة فرنسا الدولية، حيث أذاعت نبأ عودة الحصار، ومسوغات ذلك عند مراسل الإذاعة الذي كان حاضرا في المسجد هي أن الأستاذ استغل المسجد وخاطب أنصاره ودعاهم إلى الجهاد!

أهناك قصف أخطر من هذا؟ قال الأستاذ ياسين رحمه الله رحمة واسعة: في كل بيت آلات التقاط للبث المرئي والمسموع، ومع كل متنصت مذياع، ويستعمل أعداؤنا هذه الأجهزة (…) للتجسس علينا، وتشويه سمعتنا، وتغيير أفكارنا، والتأثير على شعبنا بالخبر المصنوع، والدعاية التجارية، والوسوسة الدائمة، يستعملون أجهزة الإعلام أدواتِ حربٍ، ووكالات الأنباء وشركات الدعاية معاقل لشن الهجمات علينا).

ومن أخطر القصف الذي تتعرض له الجماعة هو وصفها بالجماعة المحظورة، وهو وصفها اللازم لها في وسائل الإعلام الوطنية والدولية، أما قناة دار البريهي فوصفتها بالجماعة غير المرخص لها، وهذا مخالف للواقع مناقض له، وما تبرئة المحاكم لكثير من العدليين من تهمة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها إلا دليل ساطع على ما نقول، ورغم ذلك تستمر القناة الرسمية المغربية بوصف الجماعة بما ذُكر، وهي بهذا تقع في المحظور حيث تعمد إلى تحقير مقرر قضائي، وهو ما يستوجب متابعتها من أجله قانونا.

أما حكاية “الجماعة المحظورة” فتلك شنشنة نعرفها من أخزم، ويكفي أن نسائل أصحابها إن كانت محظورة فعلا : من حظرها؟ وأين هي الوثيقة الرسمية التي تحظر عملها؟ أم أن الحظر المزاجي يكفي؟.

هذا غيض من فيض، وقُلٌّ من كُثْر التضييق والقصف الذي تتعرض له الجماعة لسنين طوال، لا هدف له إلا تشويه سمعتها في المجتمع وتنفيره منها ومن شيخها وأعضائها، ولو كان عند هذا الإعلام قليل من المصداقية لوجدنا أثر ذلك في المجتمع، ولوقع النفور من هذا التنظيم الإسلامي حقا، ولصنع هذا الإعلام رأيا عاما مناهضا لهذا التنظيم، “لكن يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ”، وجنازة الأستاذ ياسين تبرهن بما لا يدع مجالا للشك أن الإعلام في واد والشعب في واد آخر.