يأبى الزمن إلا أن يصفعنا مرة أخرى، كوننا أمة تجهل نفسها وتحقرها حد المقت في صيرورة تاريخية لجلد الذات وتقزيمها الدائم، فآخر من يعرف نفسه وقيمته بمعرفته لعلمائه الذين هم عملته الصعبة وخزان هويته وتفرده عن الآخرين، هم نحن، وآخر من يعطي للعالم قيمته التي يستحق، هم أيضا نحن، فقد توالى علينا في هذا الأسبوع والأسبوع الذي قبل هذا الأسبوع، ليتبثا لنا بالقرائن والأدلة مدى توهاننا وتشظينا في متاهات اللاأدرية وحياة اللامعنى. فقد أرجع المؤتمر الدولي حول نظرية المنهاج النبوي عند عبد السلام ياسين المقام في تركيا الأسبوع قبل الماضي، بإشراف ثلاث مراكز دولية، وموت الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الأسبوع إلحاحية وراهنية الحديث من جديد عن قضية اغتراب مفكري المغرب، وشموسه المنيرة عن مغربهم، وعن أهالي هذا المغرب، إذ لا أحد يلقي لهم بالا، ولا أحد من ذويهم وأقربائهم يعترف لهم بقدرهم ومقدارهم. فيكون النسيان هو القدر المقدور المحتوم الذي لا مفر لهم منه، وهذا ما عبر عنه بكثير من الحرقة قبل قرون ابن حزم الأندلسي بقوله متحسرا على حظه العاثر الذي ألقي به في بلاد المغرب، لا في مكان أخر، مادحا نفسه ومعيرا إياها، إذ رغم كل الذي كتبه فقد عرف مسبقا ببعد نظره المعهود دوما أن الإقصاء هو مصيره الأوحد، ومحاصرة الفكر هي قدره الذي لا مهرب منه إلا إليه عند قوله:

أنا الشمس في جو العلوم منيرة *** ولكن عيبي أن مطلعي الغرب

إن الاغتراب والغرابة التي عاشها صاحب طوق الحمامة، وأبو الوليد الباجي وأبو إسحاق الشاطبي هي ذاتها الغربة التي يعيشها كثير من مفكرينا وأدبائنا، بل وحتى فنانينا اليوم، فتتكرر التجربة وتعاد، بشكل غريب ومبهر، فتصبح بمثابة القانون الذي لا يمكن الهروب منه أو حتى الانتفاض في وجهه، إنها العادة التي تحولت إلى قانون القوانين والثابث الذي لا يتغير، وهذا ما عبر عنه أحد أعلام التاريخ والتصوف المغربي محمد العربي الفاسي، في مرآة المحاسن: ووسموا المغاربة بالإهمال، ودفنهم فضلاءهم بين قبري تراب واخمال، فكم فيهم من فاضل نبيه طوى ذكره عدم التنبيه، فصار اسمه مهجورا كأن لم يكن شيئا مذكورا).

عبد السلام ياسين امتداد لهذا القانون الجاري به العمل إلى اليوم في هذا البلد الأمين المسكين، فالرجل كان بين أهله وذويه رجل خرافة وأسطورة ورؤى مغرقة الدجل واللامعقول، رغم أنه مفكر أغنى المكتبة الإسلامية المعاصرة بعشرات الكتب والرسائل التي أمست تجد لها ناشرين لا في العالم العربي وحده، بل في أوربا وأمريكا، والأدهى والأمر أنها أمست تتوفر في طبعات ثانية وثالثة بل وسابعة، وتترجم إلى أكثر من لغة ولسان. فالرجل لم يكن فقيها بسيطا بلحية وجلباب تقليدي، بل كان من وراء تلك اللحية التي تشبه في كثير لحية تولستوي، لغة مغرقة في التأمل وبعد النظر، ولم يكن في الجلباب القديم الذي يشبه جبة الحلاج ذاك سوى نظرية في التغيير، بل ونسق وبراديغم فلسفي كامل ومتكامل، فرض نفسه على سائر المهتمين بدراسته الحقل الإسلامي في المغرب وخارجه.

إن المشروع الفكري التغييري الذي طرحه وفصله ذ.عبد السلام ياسين على مدى أربعين عاما، تم ويتم تقديمه وإعدامه من لدن نقاد تقودهم إيديولوجيات سياسوية في أحكام قيمة غريبة ومشينة، تتجاوز حد النقد إلى حد الإسفاف والسباب والشتم، وهذا الذي يمكن أن نسجله من تعليقات الكثير من القراء لكثير من الصحف الالكترونية على أخبار الرجل، والتي تلخص مدى سوء الفهم الكبير الذي يعتري فهم كثير من المغاربة اتجاه أحد رموزهم الفكرية والدينية.

عبد السلام ياسين، لم يعد شخصية تهم أتباع جماعة العدل والإحسان وحدها، بل تجاوز أمره أو بالأحرى فكره جماعة بعينها، ليعانق رحابة العالمية يوما عن يوم، إذ أصبحت كتبه وأعماله تستأثر باهتمام مثقفين ودارسين من تركيا والأردن ومصر وباكستان والولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها. متجاوزا الحصار وألوانه وأجناده، ومتجاوزا عتبة الدار، عتبة مغرب النسيان والتناسي إلى مشارق العالم ومغاربه، وهذا ما عرفناه قبل موت الشيخ بأيام قليلة عندما أفرد الأتراك لفكر الشيخ مؤثمرا يليق بالأربعين عاما من التبثل والاعتكاف في محراب الكتابة وشرفات التأمل.

لست أبالغ – رغم أنه ليس من عيب هنا في المبالغة – بأن الساحة الثقافية المغربية كانت أكبر المتضررين والمتظلمين من الحصار الذي عرفه الشيخ ياسين وفكره، لينضاف التجهيل باسم من عديد من أسماء رواد هذه الثقافة إلى تاريخ بأكمله يلف الحكم على كل مراحله، الكثير من التشكيك والتذبذب، والتي كانت سياسة الحصار التي ارتهنته سببا في فقره المدقع، و السكران حتى الثمالة بالفجوات والثغرات الكبيرة والعريضة التي يصعب فهمها كما يصعب فهم العقول المتحجرة التي كانت ترهب وترتجف من الفكر والمفكرين.

فمن الثابت والأكيد أن معرفة المغربي بأسماء مشرقية من طينة سيد قطب والحسن البنا وحسن الترابي والمودودي هي أكبر بكثير من معرفتهم بأمثالهم من رواد الفكر الإسلامي بالمغرب من قبيل أسماء الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين والدرقاوي المتأسلف سيدي المختار السوسي والمصلح المجدد الحجوي، والقائمة أكبر مما قد نظن أننا نعرف، لا لشيء سوى لانبراء أبناء المشرق والمغرب لتعريف بمفكري المشرق وتغاضيهم المسف بمفكري المغرب.

قدرنا الحزين والمحرق إذن مع مفكرينا، كما قال نيتشه، هو أنهم يظلمون بين ذويهم، لكن الآخرين البعيدين هم، دوما، من يعيدون لهم الاعتبار، وهذا ما حدث في تركيا الأسبوع قبل الماضي في مؤتمرها الدولي حول فكر هذا المغربي عبد السلام ياسين، وحدث عند تناقل قنوات الأخبار العالمية لحدث وفاة الشيخ وعدم اهتمام قنواتنا الوطنية بالحدث، وهذا نفسه ما حدث لابن رشد الحفيد، ذات يوم، حينما حمل نعشه، في قصة حزينة محزنة رواها الشيخ الأكبر، إلى الضفة الأخرى، على طرف من دابة، فوضعت قبالته على الطرف الأخر حزمة من كتبه، لأجل توازن الجثة والكتب، في أسمي صور الاغتراب عن الأهل والأقارب والأحبة. لننتظر نحن إلى القرن التاسع عشر بعض المستشرقين كي يعرفوننا بابن الدار ابن رشد الحفيد، وهكذا ذهب الشيخ ياسين ودفنا جسده الطاهر دونما أن يأخد منا فكره الاهتمام الذي كان يجب أن يأخده، لكن هاهي كتبه التي سطرها بحبر رهبانية تأملاته وآهات تألماته بين أيدينا فإما أن فنكسر ذاك التقليد الذي عاناه علماء المغرب، بأن نكشف الغطاء عن فكر الأستاذ، وإما أن نفعل بها ما فعلناه بكتب ابن رشد الحفيد ونترك للآخر البعيد حق أن يستفيد من تجربة الرجل، ومن معين فكره، وما مؤثمر إسطمبول حول فكر الأستاذ المرشد إلا أول خطوة نحو إعادة تجربة ابن رشد مع آخرنا.