يعيش العظماء والمجددون والأئمة للناس والأمم، يرتفعون إلى ثريا المطالب ويرتقون إلى معالي الغايات. يكبر فكرهم فينير الدروب، وتعظم قلوبهم فيحبهم الخلق، وتعم أفضالهم فتشمل الجميع.

عن بعض أفضال واحد من أكابرهم، الإمام الرباني والداعية المجدد والمنظر الفذ الأستاذ الجليل عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، أتحدث:

أفضال تربوية أخلاقية

أولى الإمام المجدد عبد السلام ياسين المسألة التربوية أهمية قصوى، وأمضى عمره الطويل في الدلالة على الله، وتربية أجيال من المومنين والمومنات على التقوى والإيمان وطلب الإحسان.

من أفضال الرجل علينا أن ركز في سلوكنا وقيمنا ووعينا مكانة الإنسان، فاعتبر الإنسان محور الاهتمام ومركز نظريته التغييرية، إذ إن مدرسة العدل والإحسان تستهدف تغيير الإنسان وإصلاحه وتجديد إيمانه وتحديد قصده في الوقت الذي تروم نظريات أخرى تغيير محيط الإنسان. لذلك فـ”المؤمن الشاهد بالقسط” هو حامل المشروع ومركز التغيير.

من أفضال الرجل علينا أن أعلى فينا وبيننا قيمة التربية الإيمانية الإحسانية، وعلمنا أن الدين معراج من إسلام إلى إيمان إلى إحسان عبر الخصال العشر وشعبها السبعة والسبعين، وأعطى للتزكية قيمتها العليا ومكانتها الأولى، وغرس فينا أن الدنيا للآخرة) والعدل للإحسان)، وقال بأن إقامة الدولة الإسلامية وأنت غافل عن الله دنيا في حقك، وساءلنا واحدا واحدا ما اسمك في الملكوت الأعلى؟). ودلنا على أن الطريق إلى ذلك صحبة وجماعة وذكر وصدق.

من أفضال الرجل علينا أن زرع فينا حب الله خالقنا ومولانا سبحانه وتعالى، وذكرنا بالمقصد الإحساني السامي “أن تعبد الله كأنك تراه”، وحببنا في رسول الله عليه صلاة وسلام الله وأعلا فينا معنى التعلق والشوق والقرب من الجناب الشريف، وعلمنا بأن نرتقي في سلم الحب للذات الشريفة. وجمع لنا بين حب آل البيت والتعلق بهم وحب الصحابة الكرام وتعظيمهم، دون خصومة أو تعارض بين العترة الطاهرة والنجوم القدوة.

من أفضال الرجل علينا أن علمنا معنى النية وتجديد النية وتصحيح النية وتعظيم النية، وألح على ذلك أيما إلحاح، فتعلمنا منه أن الأعمال الجليلة قد تذهب سدى بل وتصبح وبالا إن تفلتت منا النية نحو الرياء أو السمعة، وأصبح حديث “إنما الأعمال بالنيات” عنوان الجلسات التربوية والتعليمية، فلا نلبث أن نفتش في أنفسنا ومعانينا عن النية والإخلاص والقصد، وفي ذلك من مشقة المجاهدة والمكابدة ما يعلمه كل ساع لتصحيح نيته حتى يكون الله غايته من كل عمل.

من أفضال الرجل علينا أن ربطنا بركن ركين في ديننا الإسلامي الحنيف وبالوالدين إحسانا، فدعانا إلى برهما وحسن صحبتهما. وأُثر عنه قوله أن النظر الحاد إلى أحدهما عند الغضب داخل في نهيه سبحانه وتعالى ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وكثيرا ما ردد قول المغاربة لِّكسروه الوالدين ما يجبروه الصالحين).

من أفضال الرجل علينا أن حثنا على حسن الخلق ولطف المعشر ولين الجانب، وربَّانا على الرفق في الأمر كله حتى كان من أوائل الأحاديث التي يحفظها الوارد على جماعة العدل والإحسان قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم “ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه”. ودعانا إلى حسن الظن بالناس جميعا، فلا نزكي أنفسنا ولا نتهم “المقصّر” ولا نظن بأننا أفضل من غيرنا، مصداقا للحديث الشريف “فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار”.

من أفضال الرجل علينا أن جعل آصرة الإسلام والإيمان أساس الاجتماع، فالتقى العربي والأمازيغي والصحراوي والريفي على “المواطنة القلبية”، واجتمع الغني والفقير والإطار والمعطل وصاحب الوجاهة الاجتماعية ومن هو دونه على قاعدة إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وتوسعت مدرسة العدل والإحسان فانتمت إليها أجناس وألوان من قارات العالم أجمع، وحَّدهم “المنهاج النبوي” الذي أعلى من قيمة الإنسان والإيمان على حساب الجنس والقومية.

أفضال حركية جهادية

من أفضال الرجل علينا أن بث فينا قيمة “التنظيم” وضرورة الانتماء إلى “العاملين للإسلام” باعتباره الوسيلة الأساسية نحو تشييد المشروع، وبقدر ما رسخ فينا حب جماعة العدل والإحسان والاقتناع بمشروعها بث فينا احترام باقي التنظيمات والحركات العاملة للإسلام وعموم الأحزاب والمنظمات والجمعيات. فجهود وصلاح الأفراد أمام تيار الفتنة العارم خطوة صحيحة في الطريق الصحيح، لكن التنظيم والعمل الجماعي مسألة مصيرية لمواجهة الاستبداد وإحياء الأمة.

من أفضال الرجل علينا أن أسس جماعة من المومنين والمومنات، إذ العمل الدعوي والتربوي والعلمي والسياسي ليس حكرا على الرجل وحده، ونظَّر لـ”تنوير المؤمنات” لأن النساء شقائق الرجال في الأحكام). فتجاوزنا، علما، القناعة التصغيرية لإماء الله، وخضنا، عملا، في ميادين التربية والتعليم والجهاد إلى جنب نساء يطلبن الكمال القلبي والخلقي والعلمي ويبنين الأمة في الأسرة وفي الميدان.

من أفضال الرجل علينا أن وضع مرتكزات، ليست حكرا على الجماعة، لضبط العلاقات بين الأفراد والمؤسسات داخل التنظيم الواحد، سمّاها “نواظم التنظيم”، أساسها “الحب في الله” حتى تُضمن سلامة القلوب، وقوامها “النصيحة والشورى” كي تتلاقح العقول، وضابطها “الطاعة” لينزل الصف إلى ساحة التنفيذ.

من أفضال الرجل علينا أن حذرنا من مزالق حركية وجهادية وتدافعية، ورفع ثلاث لاءات في سماء سير قافلته كي لا تذهب بها الأخطاء ولا المكائد. فلا للعنف على الأمة المسلمة وعلى السلطة الجائرة، الأمة ندعوها إلى إيمانها بالرفق، والسلطة نأخذ منها حقنا بالقوة، وبين القوة والعنف فروق. ولا للسرية لأنها تستبطن الخوف والريبة وبذور الانحراف، وبين السرية والأسرار فوارق. ولا للتعامل مع الخارج حتى لا نرهن قرارنا ومسارنا للغير، حكومات وحركات، وبين التعامل والانفتاح تمايزات.

من أفضال الرجل علينا أن وسع من فهمنا الاختزالي للجهاد واقترانه الأحادي بالسلاح وحمل السيف، ورسخ في الوعي والسلوك المعنى الواسع للجهاد، فكان له الأثر البالغ على الفعل الميداني، فمجاهدة النفس جهاد، بل “الجهاد الأكبر”، وتأسيس الأسرة الناجحة جهاد، والانتصار للحق بالكلمة والحجة والبيان جهاد، وتقديم النموذج الناجح في الدراسة والعمل والحياة جهاد، وبناء الدولة القوية المنتجة العادلة جهاد، وصد العدو الظالم الغازي المعتدي جهاد.

أفضال فكرية تصورية

من أفضال الرجل علينا أن صالح فينا العقل مع النقل، وخرج بنا من “العقل المعاشي” إلى “العقل المؤمن”، فالوحي أستاذ والعقل تلميذ، يستمد الثاني من الأول المعالم الكبرى لفهم الإنسان والحياة والكون والمنطلق والمصير، وينطلق الثاني بعدها ومعها وفي ظلها نحو الإبداع والاجتهاد والتدقيق والتمحيص والقبول والرفض. فلا تعارض في مدرسة المنهاج النبوي بين نعمتي العقل والنقل، وكلتاهما عينان بهما يرى المؤمن ويبصر.

من أفضال الرجل علينا أن جمع لنا في فهمنا بين الدين والحياة، بين الدين والعلم، بين الدين والعصر، بين الدين والحداثة، بين الدين والمدنية، بين الدين والعقلانية. لم نشعر ونحن نتتلمذ على يديه أن على المرء، ليكون مؤمنا ملتزما بما أرداه الله منه وله، أن يخاصم العصر ويهجر الحياة، فلم نعش كدر الثنائية الخصامية “الأصالة والمعاصرة”، بل تعلمنا أن الله استخلفنا في الأرض من أجل “العمران الأخوي”، ولذلك فالحكمة ضالتنا أنى وجدناها، وكتاب الله وكتاب العالم منهما نستمد وفيهما نقرأ.

من أفضال الرجل علينا أن ربط في تصورنا بين السلوك التربوي للفرد والخلاص الجماعي للأمة، فالإيمان ليس انعزالا في صومعة صلاة لا يصلها أنين وحاجات المسلمين، والبناء ليس نضالا في دروب السياسة بعيدا عن “الحاجة مع الله”. فلا “إسلام الزهادة” مرمانا ولا “الإسلام الحركي” ولا “الثقافي” شعارنا، بل “المنهاج النبوي” عدل وإحسان، تربية وحركة، سلوك وفهم، علم وعمل، دين وسياسة.

من أفضال الرجل علينا أن وضع لنا تصورا شاملا، له جهاز مفهومي يؤسس المفاهيم ويدقق في الوارد منها عليه، وله رأي في القضايا الكبرى للأمة، فيستقرئ ماضيها ليقف عند “الانكسار التاريخي” وتداعياته اللاحقة، ويقرأ حاضرها ليرى “الواقع المفتون” لا “الجاهلي”، وليهيئ “الطليعة المجاهدة” التي تصنع التغيير وتعتنق “المشروع المجتمعي” الذي يجيب على الأسئلة الملحة، ويستطلع المستقبل الذي يرنو نحو “الخلافة الثانية” المستمدة قيمها وروحها من معين القرآن والنبوة والمستلهمة أطرها السياسية وأشكالها الحديثة من الفكر والتجربة الإنسانيتين.

من أفضال الرجل علينا أن أسس لنا موقفا متماسكا من قضية الحكم، فالحاكم أجير عند الأمة، يستمد منها شرعيته، إذ لا استحقاق لممارسة الحكم عبر التوريث أو الغلبة. فدعا إلى تجديد قراءة الفقه الإسلامي لحكم “المستولي بالسيف”، وطرح على الحكام “التوبة العمرية” وإجراء المصالحة التاريخية بين السلطان والقرآن، قبل أن تزحف الأمة لاسترداد حقها الأصيل ومنح الحكم لـ”القوي الأمين”.

من أفضال الرجل علينا أن قدم لنا خلطة عجيبة في إدارة العلاقة بين الدعوة والدولة حتى لا تزيغ الحركة الإسلامية عن قصدها الأصيل، وهو دعوة الناس وتربية الناس وتوجيه الناس ليرفدوا معهم هم الآخرة إلى أن يحوزوا رضا خالقهم عز وجل، فدَفْع “كبار رجال الدعوة” وعموم أطرها نحو “حريق الحكم” وأتون السياسة يعصف بالدعوة، ومراقبة الحكم عن بعد قد يسقطنا في “سرقة الدولة” بعد إقامتها. فلتجنب “الفصام النكد” بين الدعوة والدولة كما عاشته أوروبا ولتجاوز “الوصال الأنكد” بين السلطان والقرآن كما عشناه في تاريخنا، يؤسس الرجل نظرته على أساس “التكامل والتوجيه” والحفاظ على “استقلال المؤسسات” و”توضيح المهام والصلاحيات” ومكان ووظيفة “رجال الدعوة والدولة”.

من أفضال الرجل علينا أن طلب إلينا أن نحمل هم الإنسان، كل إنسان، ولا نفسد عليه آخرته في سياق تدافع الأمم والشعوب والحضارات. ونعم “إن الدين عند الله الإسلام”، ولكن كيف نتعايش مع الغير المخالف في الدين والمعتقد والهوية إذ “لا إكراه في الدين”. نظر الرجل إلى الآفاق الرحبة للإنسانية فجدد “حلف الفضول” و”الميثاق الدولي للإسلام”، وشدد على أن المسلمين “أمة الاستجابة” وغيرهم “أمة الدعوة”، و”أمة الدعوة” مجال خصب ورحب لدعوة الناس إلى هذا الدين العظيم.

رحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين، وجزاه خيرا على أفضاله الجمة، التي ذكرنا بعضها، والتي لا ندعي لأنفسنا أننا نتمثلها أو حققناها جميعها فينا وفي الناس، وأجزل له المثوبة والعطاء لما قدم وبذل، وأعلى مقامه مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.