استفاق المغاربة صباح الخميس 28 محرم 1434، على خبر ارتقاء الشيخ عبد السلام ياسين إلى الرفيق الأعلى، فكان في رحيله عن عالم الفناء إلى عالم البقاء، فقدانا لنجم ظل يشغل مكانه ساطعا بسماء الفكر والموقف والعطاء والهدي، عقودا من دهر مدرار بالتضحية والإرشاد واقتحام العقبات.

وليست الأمة الإسلامية وحدها من تستشعر الرزء بفقدان واحد من كبار أعلامها وعلماءها العاملين، بل إن الإنسانية جمعاء، ستظل تذكر في سجلها المفتوح، خلود طراز فريد من النماذج البشرية، التي نضحت حياتها بامتلاك الإرادة في مواجهة وقهر الخوف والعجز والضعف.

فعلى مدار أشواط حياته، وفي خضم تراكمات تجاربه المتعاقبة، كان عبد السلام ياسين ذلك الإنسان الضعيف والبسيط والمبتور الصلة عن كل ذي عصبة أو حيلة أو منعة، غير أنه كان لا يلبث إلا أن يطأ بهمته العالية الفولاذية، على ضعفه وبساطته وانقطاع أمره، فترنو نفسه الأبية إلى ثريا السماء أن يمسكها، غير خالد إلى الأرض الوطيئة، ولا راسف في الأغلال القاهرة، أغلال الخوف والنكوص واستعظام الأمور.

في بداياته وهو يتلمس طريقه حبوا نحو العلم والدراسة، لم يكن ليقنع بالوضاعة في الدرجات والمستويات، ولا ليسجن نفسه في زنزانة النقص والحاجة والعوز إلى الوسيلة، فكلما لاح له وميض من نور أمام ناظره، لم يكن ليبرح حتى يلملم عجزه البشري ونقصه الاجتماعي، فيهب نحوه، هبة القوي بإرادة الإيمان بالنجاح، حتى تمكن من أن يطوع دهاقنة الإدارة الاستعمارية الفرنسية كي يقبلوا به في نادي الكبار، وينقادوا لتصميمه العصامي في أن يتحرر، مما هو أدني علميا ومهنيا وإداريا نحو الذي هو أرقى وأعلى .

تلك هي همة عبد السلام ياسين التي قادته في زمن الاستقلال، إلى علو قامته في الجدية والإخلاص والإبداع، بالقدر الذي أبصرت به عين الملك الراحل الحسن الثاني، فاختاره شخصيا ضمن من اختار في البعثات التكوينية لإعداد أعمدة الدولة في المجال التعليمي والبيداغوجي، وهي الدولة آنذاك الفتية والوليدة على أنقاض زوال الاستعمار، والضامر بنيتها فقرا إلى الأطر والمدراء، بعد جلاء الإدارة الفرنسية وخبراءها.

وتلك همته أيضا في رحلته نحو نور الإيمان، والانعتاق من التيه الإيديولوجي، وشقاء البعد عن الله، واستنكاف نفسه عن الوقوع والارتكاس في حمأة وأدران مخلفات الاستعمار الفرنسي في الثقافة والطبائع والمسلكيات.

كان السمت هو السمت، والإصرار هو الإصرار على الوصول إلى معرفة الله، واستنشاق أريج الإيمان، فكان عبد السلام ياسين، كلما قطع شوطا من ضياء الهداية، وتطهير الذات، كلما انكبت نفسه على ابتغاء ما هو أضوى وأسنى وأكبر، لا تشبع نفسه ولا تقنع بما هو آيل إلى الأفول، إلى أن حانت نقطة الإنفصال الحاسمة في حياته، وحلت ساعة الميلاد، في لحظة، قرر فيها أن يرتقى المرتقى الصعب بنفس استشهادي، فينتفض على بشريته، واحتياطه الغريزي في الاحتراس والسلامة والبقاء، ويخرج من حصن الخوف إلى فضاء المغامرة والمخاطرة والمهالك والمفاوز، بما يجعل احتمال التعرض للسحق والإعنات هو أقل الاحتمالات، وما يجعل الموت قتلا في وارد الاحتمالات، في تلك القصة الملحمة، قصة رسالة الإسلام أو الطوفان التي سارت بذكرها الركبان، في خطابه الموجه إلى الملك الحسن الثاني لولا أن قدر الله الأعلى ولطفه حل في حكمة التعامل الملكي الذي تفادى به الخيار الأسوأ.

وكانت هذه الحكمة في غيب الله وأسرار مشيئته، مهادا لمسار عبد السلام ياسين في الخروج لبناء جيل من أجيال الحركة الإسلامية اختار له منهج التربية على الربانية والتقوى والتجرد لله عزوجل وتزكية النفوس، توخيا لإنجاب جيل القرآن في القرن العشرين، وحرصا على محاكاة الجيل القرآني الفريد، الذي تربي في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم، وصنع على عين الرعاية الإلهية القديرة.

فكانت هذه المهمة التربوية التي قيض الله عز وجل أن يضطلع بها الشيخ عبد السلام ياسين بعد خروجه من الإعتقال سنة 1978، إكمالا للمرحلة الشاقة التي خاضتها حركة الشبيبة الإسلامية في بناء الأنوية الأولى لجيل الحركة الإسلامية بالمغرب، في وقت كانت قيادة هذا الجيل مغيبة في السجن: الشيخ ابراهيم كمال، أو مبعدة في المنفى: الشيخ عبد الكريم مطيع.

ومن عجائب الأقدار، أن هؤلاء الرجال الثلاثة الذين تكاملت أدوارهم في بناء الحركة الإسلامية، كانوا ممن ربطتهم صداقة حميمة في أيام شبابهم الأولى، والتي حفلت باهتمامات أخرى، ونقاشات أخرى، كانت في صلب الهموم الوطنية، وعلى طريق استكشاف الوعي بالدور التربوي الإسلامي لأجيال الاستقلال.

من كان حينذاك يرى الرجل الرباني عبد السلام ياسين سنة 1978، وهو يحلق حوله بسطاء الناس، من عامة، وبعض من أغرار الشباب، كان لا يقابل ما يقوم به، سوى بالسخرية والازدراء والاستخفاف، كما وصف القرآن أقواما من قبل وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه.

ولكن الرجل كان أمة وحده، وقد جبل على فطرة عدم الركون إلى الاستخداء والضعف، ويحمل في جنانه عزيمة شق الجبال الرواسي، وفيما غيره من عتاة الفكر والسياسة والنفوذ والتأثير يصولون ويجولون في عالم الخطابات والنظريات وغشي الميادين والساحات، كان الرجل البسيط يحث البسطاء حوله على الانشغال بذكر الله، والتهجد والتبتل، والانهماك في الدعاء والاستعانة بالله، ويهيئهم لغرس ثوابت العقيدة الإسلامية، ويبحر بهم بعيدا في التربية الإيمانية والصفاء السلوكي.

وفي فترة من الزمن، تحول الرجال البسطاء إلى قادة وفطاحل في الفكر والتوجيه والقيادة والتنظيم، والذي كان آنذاك تجمعا رخوا ومحدودا، انتقلت به عبقرية المربي إلى بناء تنظيمي متمدد على الأرض أفقيا وعموديا وعدديا، فيما يعرف الآن بجماعة العدل والإحسان التي تكاد العقول والدراسات والمناهج التحليلية تحير في استكناه أسباب التماسك والقوة، وعناصر إحكام البناء، وتتيه في عالم النظريات، متعمية عن السر البسيط في عبقرية الرجل البناء، الكامن في قول الله تعالى.

لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم.

عندما ضمتنا سنوات الرصاص في أحشاء الاعتقال سنة 1984، آنسنا عظمة الرجل الرباني في بساطته وعزمه المستميت في الانقطاع إلى ذكر الله، والتقرب إليه بلسان ذرب، لا يفتأ عن الذكر وقراءة القرآن، إذ كان يختمه في كل يوم، يبدأ في التهجد والتلاوة في غسق الليل وفي الأسحار قبل صلاة الفجر، مواصلا إلى ميقات الضحى، حيث يخلد قليلا إلى النوم، ثم يكمل برنامجه بعد الظهر، وعند إكمال ختم القرآن مع صلاة العصر، يكون له موعد مع الاستماع إلى الإذاعات الدولية باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية التي كان يحسنها جميعا، ليتعرف على أحداث الساعة، مسجلا بين الفينة والأخرى في دفتره الذي لا يفارقه، ما يعن له من ملاحظات وأفكار، وذلك دأبه كل يوم وإلى صلاة العشاء، في صيام دائم، وفي هيام لا ينقطع بالتفكر في ملكوت الله والدار الآخرة.

غير أن هذه الروحانية السامقة، والطهرانية الغاشية كانت لا تمنعه من ملاطفة رفيق زنزانته، ومحادثته حديثا يذهب به إلى أن ينتقى من أفكار محدثه فيسجلها في كراسته بتواضع العالم الأريب، وكان لا يحبس نفسه عن مضاحكة رفيقه والتفكه معه، فكاهة تنتقص من وطأة وضيق الاعتقال، بكل بشرية طافحة، فالشيخ ياسين لم يكن ليقبل أن يساكنه أحد فيضايق عليه خلوته، ولكنه ولما علم بحلول أحد أبناء الشبيبة الإسلامية من مجموعة آل 71 بالسجن الذي كان به نزيلا، أقسم على الإدارة السجنية أن يساكنه الوافد الجديد زنزانته.

كان يستمتع بأن يجد في هذا الوافد ريح قدماء أحبائه وأصفيائه، عبد الكريم مطيع وإبراهيم كمال، اللذان كانا لا يفارقانه، إلى أن حلت بالثلاثة صاعقة الاعتقال والمنفى سنة 1974 و1975.

ومن خلال هذا الرفيق في زنزانته الأخ ملاحيظ العربي، كان عبد السلام ياسين يولي معتقلي آل 71 وأبناء الشبيبة الإسلامية، حبا عظيما وإحلالا كبيرا، لما كان يرى في أبناء هذه الحركة، الفرسان القادمين من عتمة القهر والتيه والضياع الذي آلت إليه بلاد يوسف بن تاشفين، عرين أسود مرابطي عبد الله بن ياسين.

وحينما أراد أن يراسل إخوانه وأبناءه في سجن آسفي من مجموعة آل 71 ليفضي إليهم بأشواقه ووصاياه، لجأ إلى ما يلجأ إليه السجناء من إخفاء الرسالة في علبة المصبرات تمويها وتضليلا للمراقبة السجنية بكل حذاقة ومهارة أمهر السجناء، وكم ضحك الجميع، معتقلين سياسيين، وحراس السجن، والشيخ نفسه، عندما أبحرت الرسالة في علبة المصبرات، قاطعة أشواط رحلة ما بين السجون، إلى أن ضبطتها عين خبيثة بإدارة سجن آسفي ، فقد كانوا لا يستوعبون في عقولهم أن الشيخ العارف بالله الزاهد المتبتل، يجرى عليه ما يجري على بني البشر في الدفاع عن حقه بكل ضراوة بني البشر.

ستظل صفحات تاريخ المغرب مشرقة بأسفار حياة الشيخ الجليل الذي علم الإنسانية، فن قهر المستحيل بالإرادة الصلبة، ورسخ في رصيد الفكر الإنساني، أن الحلم فكرة، يحولها العزم القوي، إلى بناء يطاول عنان السماء، وأن الهزال هزال الروح، وأن الضعف ضعف الوجدان، وأن الفقر فقر البعد عن اليقين في الله، وأن الخوف وهم كبير، وأن من يحفظ الله يحفظه، ومن يحفظ الله يجده تجاهه، وأن ما أصاب المرء ما كان ليخطئه، وما أخطأه ما كان ليصبه، رحم الله عبد السلام ياسين، الرجل الأمة، إذ كان بالإيمان أغنى الرجال وأخلص الرجال وأمضى الرجال.

الدارالبيضاء في: 14/12/2012