في شهر جوان 1983 زارتني عائلة مغربية إلى بيتي في مدينة قسنطينة، وخلال “جلسة التعارف” تحدث أحدهم عن عالم رباني يعيش مضطهدا في المغرب يسمى الشيخ: عبد السلام ياسين، وقدم لي نسخة من كتاب الشيخ عنوانها: المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ولما فرغت من قراءته أحببت مؤلفه لأنه ذكرني بعالمين أحبهما هما: الأستاذ مالك بني نبي، والشيخ سعيد حوى (رحم الله الجميع).

يوم الخميس (13.12.2012) انتقل الشيخ عبد السلام ياسين إلى رحمة الله تعالى في أحد مشافي المملكة المغربية وقد تجاوز عمره (84 عاما) قضى نصفها بين المطاردة، والحصار، والإعتقال، والسجن، والإقامة الجبرية.. لا لشيء إلاّ أنه اختار طريق الدعاة الصادقين، وصدع بالحق ونصح الملوك..ولم يداهن ولم يجامل..ولم تأخذه في قول كلمة الحق لومة لائم.

عندما تقرأ سيرته تنطبع في ذهنك صورة الخليفة الخامس (05) عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) في أبعادها السبعة (07) التي تحدثت عنها كتب التاريخ:

– زهده في الدنيا إلى درجة شعور من يصاحبه أنه “صائم” عنها.

– حبه للحق حتى ما يكاد يترك له على وجه الأرض صديقا.

– حرصه على إمضاء العدل مهما كلفه ذلك من ثمن.

– تواضعه للناس حتى كأنه أدناهم منزلة وأقلهم علما.

– صفاء ذهنه على نحو يختصر لك المدونات في كلمات موجزة.

– شفافية روحه بحيث “يفرض” عليك احترامه بمجرد الجلوس إليه.

– حبه للفقراء والمساكين وكأنهم أبناؤه من صلبه.

ولا غرابة في هذا السمت التربوي العالي وهو الذي جعل الإحسان قضيته الأولى فعاش طامحا إلى معانقة “رؤية الله” أو عبادته كأنه يراه، كما عرّف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الإحسان بقوله: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

لقد صقلت البادية “أجهزة الإستقبال” في روحه فعاش الصفاء الكامل كشريف من أشراف الأدارسة، وعايش ويلات الإنتداب الفرنسي فكره الظلم والظالمين، وأدرك يوم الإستقلال فعانق الحرية وذاق حلاوة الإنعتاق من آسار الرق..وهام في أودية البحث عن الحقيقة هاربا إلى الله بضعفه باحثا عن الإستقامة والعدل والإحسان فتشبعت روحه “بفيوضات” ما سكبته الزاوية البودشيشية (القادرية) وشيوخها في لاوعيه من أوراد وأذكار وتسابيح.. قبل أن يعلن “ثورته” على تخدير الوعي سنة 1974 في رسالته النارية التي بعث بها إلى جلالة الملك الحسن الثاني تحت عنوان: الإسلام أو الطوفان، في أزيد من 100 صفحة والتي كلفته الإلتحاق بمدرسة يوسف (عليه السلام) ليمكث في السجن بضع سنين.

في السجن تعلم الكثير واستوعب دروس الحياة في فقه الأطواق لا في فقه الأوراق، ومنه خرج إلى ساحات الوغي بفكر جديد نقله من ساحات الكفاح الفردي إلى باحات التنظيم والإعداد بتأسيس “الجماعة” ومجلة الجماعة.. وصحيفتي الصبح.. والخطاب سنة 1981.. لتبدأ محنة الحصار والمطاردة والسجن..التي لم تنقشع غيومها إلاّ بنهاية عهد وبداية عهد جديد (بموت ملك وجلوس ملك جديد على العرش)، حيث ودع حياة السجون والإقامة الجبرية في مايو 2000، ليخرج من عالم تأليف الكتب إلى مسرح “صناعة الحياة” وتكوين الرجال، علما أن الرجل ما تخلى عن سيرة العظماء لحظة واحدة من حياته، حتى وهو يعاني التضييق والإتهام بالأمراض العقلية !؟

لقد بنى جماعة قوية متماسكة ذات عمق رباني ضارب في أعماق التربية السلفية المستبصرة والفكر الإخواني المعتدل و”الجندية” الجهادية القائمة على أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مقامات “العدل والإحسان”..على ضوء ما كان يبثه في نفوس أتباعه وأنصاره ومحبيه من روح وثابة إلى الحق قائمة بالقسط في المجالس التي كان يعقدها أيام الأحد ويحضرها المئآت من شباب جماعة العدل والإحسان ويتابعها الآلاف على موقع الشيخ على شبكة التواصل الإجتماعي.

ودعنا الشيخ عبد السلام ياسين بعد أن كوّن جيلا من المحبين والمعجبين بفكره ودعوته وهديه وجهاده.. داخل المملكة وخارجها وعشرات الآلاف ممن “تتلمذوا” على كتبه ومؤلفاته ونشراته ودروسه وتوجيهاته..كان من آخرها بين سنة 2001-2011 أربعة كتب هامة:

– الخلافة والملك.

– مقدمات لمستقبل إسلامي.

– إمامة الأمة.

– القرآن والنبوة.. الخ.

لقد عاش حياته كلها خادما للعدل والإحسان شعاره في هذه الدنيا: اطلب وجه الله يأتيك ما عند الله) لأنك إذا طلبت ما عند الله بغير قصد لوجه الله كنت كمن يسلك طريقا إلى غاية نبيلة بوسائل يلتمس لها الذرائع، فمنذ أن وضع كتابه الأوفى: الإسلام بين الدعوة والدولة، سنة 1971 أدرك أن أزمة العالم الإسلامي تكمن في الخلط المقصود – أو بسبب عجز العلماء وجهل الأبناء – بين خمسة (05) فروق:

– الفرق بين حضارة الغايات (المقاصد) وحضارة الوسائل (الاستهلاك) على حساب القيم والأخلاق.. وفطرة الإنسان.

– الفرق بين الصراع من أجل التمكين للحق والتمكين للزعامات.

– الفرق بين حمل الدعوة و بين الإجتهاد في تبرير الواقع.

– الفرق بين العيش لمشروع (رسالة) والتحول إلى جزء من “مشروع الآخر”.

– الفرق بين صناعة الحدث وبين التكيف معه.

فوداعا يا شيخ ياسين، فقد أحببناك منذ عام 1983 –عن طريق مؤلفاتك- قبل أن نراك، فلما عرفناك وعرفنا رجالك وأنصارك أدركنا أن الستين (60) عاما التي قضيتها “مجاهدا” بالبيان واللسان لم تضع سدى ولن تذهب هدرا.. فقد زرعت كلمة طيبة وصارت شجرة طيبة.. سوف تؤتي أكلها بعد حين بإذن ربها، وأن صورة الخليفة الخامس التي لازمتك في حلك وترحالك سوف تتجسّد واقعا يوم يدرك الناس فروق المقاصد والاستهلاك.. فرحمة الله عليك وجزاك عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. فطريق الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة إذا كانت حقا – كما صنعت- في الإتجاه الصحيح.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

الأستاذ أبو جرة سلطاني

رئيس حركة مجتمع السلم بالجزائر