مقدمة

عندما هممت بالكتابة عن الإمام عبد السلام ياسين، رضوان الله عليه، هذا العَلَمِ الرباني المجدد، لم أدر من أي جوانب شخصيته الفذة أبدأ، ولا كيف أعرض مناقبه النورانية نظرا لكثرتها وعمقها وتنوع مجالاتها، ولم أجد في حويصلتي من الأسلوب ما به أعبر عما يختلج في صدري وفؤادي، فأحرى أن أبلغ عنه بما يروي غليل غيري من خلق الله، فما وجدت أحسن ولا أفصح من البيان القرآني والبلاغ النبوي صفاء ووضوحا. يقول الباري جل وعلا في محكم تنزيله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا، فإذا تحقق في العبد شرطا الإيمان والعمل الصالح، كافأه ربه الكريم وأغدق عليه من وافر نعمه، وأي نعمة هي أعظم من أن يُحِبَّه مولاه سبحانه وتعالى، وقد ورد في الحديث الشريف أن الله تبارك وتعالى إذا أَحَبَّ عبدا، نادى أمينَ الوحي جبريلَ عليه السلام أني أُحِبُّ فلانا فأحِبَّهُ، فينادي جبريلُ في الملائكة أن الله تعالى يحبُّ فلانا فأحِبُّوه، فيُكتبُ له القبولُ في الأرض. نحسب الإمام الجليل عبد السلام ياسين ممن جعل لهم الرحمان ودا، ولا نزكي على الله أحدا، ودلائل عالم الشهادة وبشائر عالم الغيب مجتمعة ومتوافقة على ذلك ولله الحمد وله المنة، يعجز رصيد مثلي من الكلمات عن الوفاء بحقه في شمائله التربوية والفكرية والعلمية والجهادية. لقد ربى وأرشد وعلم وألف وأسس ونظم، تلك شمائل كُمَّلِ الوارثين حلاه بها المولى الكريم وسمات أكابر المجددين، نسأل الله تعالى أن يجمعنا به في دار كرامته، بجوار المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والنبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

دعوة الحال

يخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن لله عبادا إذا رُؤوا ذُكِرَ الله، ذاك حال الصالحين الذاكرين الله كثيرا، المتقَرِّبين إليه بالفرض والنفل آناء الليل وأطراف النهار، المتودِّدِين إليه بالجهد والجهاد لإعلاء كلمته، وقد كان الإمام ياسين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته قواما صواما ذاكرا متبتلا، ومجتهدا في اقتفاء أثر رسول الله حتى في دقائق الأمور فبالأحرى في كليات الدين، حيث كان رضي الله عنه باذلا ماله وجهده في سبيل الله، صادعا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، متوثبا مستعدا لفداء الحق بنفسه وروحه، وكان محبوبا جدا من طرف المؤمنين إلى درجةٍ جعلت بعض من لا يعرفه ولا يفقه سر وعمق هذه المحبة في الله، يتهم أبناء جماعة العدل والإحسان بالمبالغة والتقديس، لكن براهين صدق الرجل وصفائه وثباته من شأنها إفحام الأقلام المأجورة. رجل عظيم في محياه، عظيم في وفاته، أرعب خصومه حيا وأرعبهم ميتا، فقد شهد العالم من هيبة جنازته المليونية ما يخرس ألسن المغرضين. في كلمة واحدة كان لسان حاله أبلغ من بيان مقاله، وذاك دأب الصديقين المخبتين، حشرنا الله في زمرتهم، آمين.

عطاؤه في التربية والتعليم

يَعتبر الإمامُ ياسينُ ميدانَ التربية والتعليم مفتاحا أساسيا لتنشئة الأجيال الصالحة المصلحة، ولربح رهان التنمية لكل مجتمع ينشد النماء وتحسين الأداء، فانطلاقا من هذا الميدان الحيوي تحسم الأمم، طبعا التي تحترم نفسها وحضارتها، أقول تحسم خيارها ومسارها ومصيرها، وقد كان للإمام باع طويل وإسهام كبير في هذا المجال طوال مساره المهني، الذي بذل فيه من الجهد ما أهله ليتبوأ أعلى المراتب، حتى أضحى من كبار خبراء الميدان، ليس على الصعيد القطري فحسب، بل على الصعيد الدولي، ولم يتوقف عنده هم التربية والتعليم عند انتهاء مساره المهني عندما أحيل قسرا على التقاعد، لسبب خَبَرُه لدى المخزن طبعا، بل استغرق هذا الهم الثقيل مسيرة عمره تنظيرا وتفكيرا وتأليفا، إيمانا منه بأن على تربية الناشئة وتعليمها يتوقف تطور الأمة وتقدمها اجتماعيا واقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا، في عالم فوار تطبعه التنافسية الشديدة التي لا تترك مكانا كريما للقاعدين والناعسين، ولا صوتا مرفوعا للمتخلفين والخاملين.

التربية على مدارج الإيمان

لا يخلو أبدا مجلس من مجالس الإمام ولا كتاب من كتبه من التذكير بالله والدار الآخرة، بغية جَعْلِ من يجالسه ومن يقرأ له على سكة الحق، وعلى بصيرة من مغزى الوجود، وغاية خلق الجن والإنس، يأخذ بيد عباد الله برفق المشفق الرحيم، ووفق سنة التدرج حتى يستقيم عود السالك إلى ربه والسالكة على مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، كان قدس الله سره لا يفتأ يُذكّر بالحديث المشهور بحديث جبريل المروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نأخذ منه: “بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ولا يرى عليه اثر السفر، وجلس إلى رسول الله وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخديه، فسأله يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، ثم قال فأخبرني عن الإيمان، قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، قال صدقت، ثم قال أخبرني عن الإحسان، قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك…”. فإذا كان مرمى نظر ذوي الهمم العالية من السالكين إلى الله جل وعلا هو بلوغ درجات الكمال والإحسان بمعانيه الثلاثة، إحسان العمل بإتقانه والإحسان إلى الخلق ابتداء بالوالدين وذوي الرحم ثم الأقرب فالأقرب، والإحسان في عبودية الخالق، فإنه لا إحسان يرجى لذوي القلوب الغافلة المريضة بأدواء العجب والغرور والشهوات، من أجل ذلك ظل الإمام الجليل يعرض على الناس طوال حياته طبا ودواء لهذه القلوب التي هي محل نظر الله عز وجل خلاصته الدعوة الملحة إلى العمل ببرنامج يوم المؤمن وليلته، والتحلي بشعب الإيمان والخصال العشر الواردة في كتاب المنهاج النبوي، والمفصلة في غيره من مكتوباته، انطلاقا من عصارة تجربته وتجارب من سبقوه بإيمان من المربين العارفين، خاصة في كتاب الإحسان، واستنادا إلى قول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”، لقد وَجَدَ الحق وخَبَرَ الطريقَ الموصلةَ إليه، وذاق حلاوته، ولم يدخر جهدا في دلالة الخلق عليه، قال رحمه الله في كتاب الإحسان: وأنا أسعد ما أكون إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية)، طب القلب وسلامة القلب ومعرفة الله عز وجل ونيل رضاه وقربه، ماذا تعني هذه المصطلحات في أذهان طلاب الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، أنى للمحاصر في بوتقة المهنة والسكن والأولاد بهذه المعاني، وأنى للمكتفي برُكيْعاتٍ ساهية وللمستغني بأنانيته الراضي بمعاشه بهذه المعالي، لكن من سبقت له من الله الحسنى، وتجافى عن غرور الدنيا، فإنه يبحث عن طبيب يداوي أسقام قلبه وخبير يعرفه بربه، قال تبارك وتعالى في كتابه العزيز: الرحمان فاسأل به خبيرا، صحبة أولياء الله العارفين بالله هي قبس من صحبة المهاجرين والأنصار لسيد الوجود محمد صلى الله عليه وسلم، تفضي إلى الفوز بالقرب من الله عز وجل، ما أعمق وأروع قولة هذا الإمام المرشد رضي الله عنه: من مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته)، يومَ يندمُ حتى المحسن عن التقصير في إحسانه، فما بالك بالمسيء مثلي، رحماك يا أرحم الراحمين، اللهم بدل سيئاتنا حسنات. آمين.

الجهاد السياسي

كان الصحابة الكرام رهبانا بالليل وفرسانا بالنهار، وكذا حال من تبعهم بإحسان، لا يمنعهم تبتل الليل عن سبح النهار، فكذلك فَهِمَ الإمامُ الدين فهما شاملا جامعا، لا تنفصل فيه قضية الفرد وتربيته وخلاصه الفردي بين يدي الله عن قضية الجماعة وتنظيمها لانتزاع كرامتها وصيانة حرمتها سواء من أعداء الخارج أو سطوة الاستبداد في الداخل، ولم تكن معارضة الأنظمة الحاكمة في بلدان المسلمين عموما، وعصيان حكام البلد خصوصا، من طرف الإمام ياسين، لم يكن ذلك لمجرد سوء تدبير ملف اقتصادي أو اجتماعي أو تعليمي أو غير ذلك مما تتعارض وتتنافس فيه سائر القوى والأحزاب السياسية أحيانا، وتتآلف وتتفق عليه أحيانا أخرى، بل كان موقفه مبنيا على فهم شامل للتاريخ الإسلامي، وأنظمة الحكم التي تعاقبت على الأمة، والبيان النبوي في شأنها، ارتكازا على الحديث الشريف الذي رواه أحمد بسند صحيح عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت”. لقد سمَّى الإمامُ انتقال الحكم من مرحلة الخلافة على منهاج النبوة إلى مرحلة الملك العاض بالانكسار التاريخي، إذ تحول من حكم مبني على شورى الصحابة إلى ملك وراثي ابتداء من حكم معاوية بن أبي سفيان، الذي ورث ابنه يزيد، والذي سفك جنده دم الحسين السبط عليه السلام، ليبقى ذلك جرحا غائرا في جسد هذه الأمة ينزف إلى يوم القيامة. فكفى بالحكم الوراثي سقاطةً ووضاعة أن يُنسب أصلُه وتُعزى بدايتُه إلى هذا الثلم الفظيع في تاريخ المسلمين. لذلك فالإمام ياسين شأنه شأن كل مؤمن غيور على دينه يتطلع إلى ذهاب الملك العاض والملك الجبري الأشد منه فظاعة إلى مزبلة التاريخ، ويبشر بإشراق شمس الخلافة الثانية على منهاج النبوة في أمة المصطفى عليه الصلاة والسلام عما قريب إن شاء الله تعالى، إنه لا يعارض النظام الحاكم معارضة سياسية فحسب، يل يعصي الحاكم لكونه عاصيا لله بتعطيل العدل والشورى وسائر أحكام الله، يرفض الطاعة والاستكانة لمن لم يستجب لداعي الله ورسوله، بالخصوص بعد أن أدى واجب النصح للسلطان. وقال كلمة الحق الجريئة، من خلال رسالة “الإسلام أوالطوفان” ومن بعدها رسالة “إلى من يهمه الأمر”،

جهاد التأليف

الإمام ياسين منظر ثاقب النظر ومؤلف مكثر، كتب في ميادين التربية والتعليم وفي فقه التزكية والسلوك إلى الله تعالى وفي الاقتصاد والسياسة وفي التاريخ وعلم الاجتماع وفي فقه التنظيم والزحف وبناء دولة القرآن، كل ذلك بعمق وبيان أخاذ، وكتب أيضا باللغة الفرنسية يخاطب ويحاور من خلالها النخب المغربة التي لا تقرأ بل تترفع عن لغة الضاد، لما حاق بأهلها من الهوان، جراء هَجْرِ منهاج وبيان القرآن بفعل افترق السلطان والقرآن، ومن الجدير بالذكر فإن العلامة ياسين له اطلاع واسع على الثقافات الغربية والشرقية وإلمام كبير بإيديولوجياتها وبلغاتها الحية، وساعده سعة اطلاعه على فهم سنن التاريخ والتغيير وتطور المجتمعات، مما أضفى على تنظيره وحججه قوة وتماسكا، أعتقد أن ذروة سنام ما كتبه رحمه الله هي تلك الوصية الربانية التي تركها لنا قبيل التحاقه بالرفيق الأعلى، نرجو من الرحمان الرحيم أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

جماعة العدل والإحسان

مات رحمه الله، بعدما ترك إرثا من العلم في العالمين، وضرب مثلا عاليا في الشجاعة والرجولة وفي الاستقامة والزهد والتقوى وبعد أن ربى جيلا طيبا من الرجال والنساء والشباب والأطفال، وأسس منهاجا لتربية الفرد وتنظيم الجماعة والزحف على الباطل لإقامة شرع الله، وأنشأ جماعة من المؤمنين على هدى من الله ورسوله تحمل اسما يعبر عن شمولية منهاجه لخيري الدنيا والآخرة هو “جماعة العدل والإحسان”، أودع سره في هذه الجماعة المباركة، وترك أمانة الجماعة ومشروعها في أعناق المؤمنين.

ويُغيب الموت عن جماعة العدل والإحسان وعن الأمة المحمدية أباً رحيماً ووليًّا محبوباً، جثمانه الطاهر ثاو تحت الثرى، لكنه حاضر بروحه الشريفة بين أبنائه وأحبابه، لن ُينسى كما لا يمكن نسيان الصحابة الكرام والأولياء العظام، والموعد الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله.