لا أريد أن أتزيد في القول عما قاله الآخرون في نعي الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، فمعظم ما جادت به قريحة البعض في لحظة صفاء مع الذات، ومن خارج جماعة العدل والإحسان، هو تعبير صادق عما كنت أعتقد به منذ سنوات.

الذين نعوا الأستاذ عبد السلام ياسين وصفوه بالرجل العظيم والوطني والعالم والرباني والمربي والمثقف والمنظر والمفكر، والداعية المخلص، والرجل الذي ضحى وصبر واصطبر على البلاء، وهناك من وصفه بالمرشد، وهم من خارج الجماعة كالأستاذ أبو زيد الإدريسي، وآخرون اعتبروا الرجل جنح بالحركة الإسلامية إلى السلمية في زمن كان العنف فيه موضة بين الحاكم والمحكوم، وآخرون ذهبوا إلى أن الرجل عصم الأجيال من آفة التطرف والتكفير والمخدرات وربطهم بحبهم لدينهم ووطنهم وأمتهم، فأشاع قيم التسامح والحب والمرحمة بين الأجيال، علم الناس حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب آل بيته الأطهار وحب الصادقين والمخلصين، الرجل جدد في منهج التغيير من داخل التاريخ الإسلامي على طريقة المفكرين الكبار.. وهو أحدهم ولا ريب. وهذا كله صحيح.

وأنا أقول: لقد اجتمع في الأستاذ عبد السلام يرحمه الله ما تفرق في غيره من المثقفين والمفكرين والمصلحين والأولياء الصالحين والدعاة وقادة الحركة الإسلامية في مشارق المغرب ومغاربها، لقد استطاع بعبقريته أن يتجاوز الجماعة التي أسسها، أي جماعة العدل والإحسان، ولذلك أعتبر، شخصيا، أن الجماعة لم تستثمر لحد الآن سوى 20% من مشروعه الضخم، وهذا شيء عادي، وهو أحد مطالبه من تأسيس الجماعة، فهو لم يكن هدفه تأسيس جماعة من المثقفين أو المناضلين بالمعنى السياسي للكلمة، بل كان همه هو وضع لبنة لـ”جماعة المسلمين” ، كم ورد في كتابه “الشورى والديمقراطية” و”حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” و”الإسلاميون والحكم” تروم إلى تحرير النفس والإرادة من هوى الشيطان وغواية السلطان والتأسيس لـ”العمران الأخوي” في عملية لـ”اقتحام العقبة” عبر قطع مسافة ما بين الواقع الموجود والموقع المنشود. ولهذا عندما نسمع من يقول بأن الأستاذ ياسين هو ملك للأمة وليس لجماعة العدل والإحسان، فهذا كلام لا يجانب الصواب أبدا، لقد شاعت أفكاره في أدغال أفريقيا وأوربا وكندا وأمريكا، وأصبح لمدرسته تلاميذ ومعجبون ومتعاطفون، وأسس مدرسة تجمع بين التربية والفكر منقوعة في التربة المغربية، واستطاع أن يعوض الإسلاميين المغاربة عن الاسترفاد من المشارقة، والنهل من كتابات المودودي وحسن البنا وسيد قطب والترابي وفضل الله والخميني والنورسي والقرضاوي وآخرين مع حفظ الاحترام لهم والدعاء لهم بالرحمة والترضي عنهم أحيانا.

لقد تحدث الناس عن لقاءاتهم مع الأستاذ ياسين، لقاءات جرت إما في البيت أو في السجن، فهذا يصفه بالقديس، وهذا ينبهر بثقافته وإتقانه اللغات الأجنبية كالألمانية والانجليزية والروسية، وهذا يتحدث عن برنامجه اليومي، وهناك من تحدث عن صموده وثباته، والآخر يسمه بالرجل غير العادي..!

رجل غير عاد.. لقد استوقفتني هذه الكلمة كثيرا… وجعلتني أتذكر أول لقاء لي لأول مرة مع الأستاذ عبد السلام ياسين يرحمه الله، وحدث ذلك منذ ما يربو على 17 سنة مضت، أي عام 1995 لما رُفع عنه الحصار ليوم واحد، وذهبت وصديق لي إلى مدينة سلا من باب الفضول لرؤية هذا الرجل الذي يحاصرونه، ووصلنا إلى مسجد قريب من بيته القديم بحي السلام بمدينة سلا، ودخلنا المسجد وحجزنا مكانا بالقرب من الخطيب حتى نتمكن من الصلاة بالقرب من الأستاذ عبد السلام ياسين، وكان المخبر الخلطي شافاه الله يلبس جلبابا أبيض ويعبر الصفوف جيئة وذهابا ويوصي المؤمنين بأن يفسحوا يفسح الله لهم، كنت حينها أتخيل هذا الرجل المحاصر والذي يملك رهطا من الأتباع والمتعاطفين كيف سيتصرف، خلت أنه سيرفع شارة النصر على طريقة المناضلين الكبار أو يدخل مرفوعا فوق الأعناق.. أو أي شيء قد يتخيله طالب في الكلية يعتاش على خيال المراهقة السياسية، وسذاجة ثقافة المقاهي و”وعاظ السلاطين”.. لم يحدث هذا ولا ذاك أبدا، كان الرجل في قمة التواضع وبجانبه أعضاء من مجلس الإرشاد، منهم من قضى نحبه، ومنهم من لا يزال، لقد انجذبت إلى هذا الرجل بشكل رهيب جدا، ولما اقترب مني يرحمه الله كانت اللحظة الغريبة والعجيبة في الآن ذاته، أحاول أن أصف هذه اللحظة ولو أني أشعر أن اللغة عاجزة عن الوصف.

فلما اقترب مني قلت له: السي عبد السلام الحبيب، أجابني بثغر باسم ووجه يشع نورا، وصوت خفيض ينم عن الحنان والرحمة: “لاباس عليك أوليدي” …عبارة “لا باس عليك أوليدي” كانت ثقيلة جدا على نفسي، رنت في أذني، شعرت أني تبخرت في الهواء، أحسستني شظايا متطايرة، لم أعد أعي من أنا، لقد نسيتني بالمطلق، نسيت اسمي ولقبي، أصبح الزمن سرمديا أمامي، ماجت بي الأرض وضاقت بي بما رحبت وطرت في الهواء وتلاشيت، بعد ثلاث دقائق تقريبا عدت إلى نفسي، لملمت أطرافي، تذكرتني مرة أخرى، سألت نفسي عن نفسي من أكون، وكنت أشك هل أنا هو أنا، كنت أقطع الشك باليقين وأعاود مسك أطرافي، أحاول أن أجيب نفسي عن نفسي هل أنا هو أنا، ولما تأكدت أنا هو أنا، صليت الجمعة مع المصلين واستمعت لخطابه يرحمه الله، وقال بأنه لا يأبه بالحصار، هم يريدون رفع الحصار عن الرمز ويتركون الدعوة محاصرة، إذا كان هذا الحصار فيه خير للدعوة نسأل الله أن يطيل فيه) والسؤال الذي طُرح فيما بعد حصار رجل أم حصار دعوة)..

لم أحك لصديقي رشيد القرقوري أي شيء، ورشيد يعيش الآن خارج الوطن، وها أنا أحكيها اليوم للعموم، وما وقع لي في أول لقاء لي مع الأستاذ ياسين يرحمه الله ليست قصة من الخيال، بل هي حقيقة ما وقع في تلك الأثناء في أول مرة أراه فيها، وتذكرتها لما قرأت تصريحا صحفيا لأحدهم يقول بأن الرجل ليس عاديا، وحكيتها كما وقعت، والله شهيد على ما أقول.