بوفاة الشيخ عبد السلام ياسين يكون المغرب قد فقد أحد أهم رجالات الدعوة والفكر، رجلا سخر حياته كاملة منشغلا بهموم التربية والفكر والدعوة والحركة، جاعلا الأمة أفقه في التفكير، وإصلاحها وقيامها هدفه في التنظير والحركة.

ولئن هذه المساحة لا تكفي للتذكير بجميع مناقب الرجل وخصاله، فسنقتصر فيها على بعض النقاط المشرقة في كسبه الفكري والحركي:

1- ظل رحمه الله في جميع كتاباته الكثيفة وتوجيهاته، يذكر بأهمية البعد التربوي، وقاعديته في المشروع الإسلامي، ويربط أتباعه وقراءه بالقرآن كمصدر للتلقي والتربية والتوجيه، وكانت من كلماته التي ستبقى خالدة، ما سطره في المنهاج النبوي: التربية أولا وثانيا وأخيرا، فكان يلفت الانتباه كل مرة إلى خطورة الانسياق وراء الكسب السياسي أو الدنيوي بشكل عام على حساب الخلاص الأخروي، وينبه إلى الهدف التربوي الإحساني وضرورة الانصراف إلى جهود التزكية الروحية والتربوية مؤكدا في كل كتاباته أنها هي أساس أي إصلاح وقاعدة أي نهوض حضاري.

2- ظل رحمه الله في كل كتاباته متسما بخاصية الأدب في الخلاف مع مخالفيه من مكونات الطيف الإسلامي، فصرف خلافه مع المكون السلفي بأدب، وناقش تيار المشاركة السياسية من غير أن يصادر عليه حقه في التقدير والاجتهاد السياسي، ومارس مبكرا عملية نقد أطروحات الإسلاميين من غير أن يخرج عن حدود اللياقة والأدب في الاختلاف، واستحضر ذات الخلق مع مكونات علمانية لا تتقاسمه المنطلق المرجعي، فخاطبهم مرة بأصحاب المروءات ومرة بالفضلاء الديمقراطيين، وبقي في مجمل كتاباته حريصا على التزام هذا الأدب الرفيع مع المخالفين.

3- قاوم رحمه الله نزعات العنف في خطاب الإسلاميين منذ زمن مبكر، وقطع دابر أي تسرب لهذه الأدبيات إلى جماعته، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل ذهب به الأمر إلى حد خوض الحرب الشرسة ضد خاض الأطروحات الفلسفية الغربية العنفية مجسدة في الفلسفات الماركسية والفوضوية خصص جزءا كبيرا من بعض كتاباته لنقد أطروحة صوريل في العنف، وظل في جميع كتاباته ينتقد الأطروحات الجهادية ويعتبرها مضرة بحركة الانبعاث الإسلامي، بل حتى زمن الربيع العربي، فقد كان يحذر من أن تتحول الثورات إلى حريق يأتي على الأخضر واليابس، وبادر رحمه الله إلى التنبيه إلى ضرورة المسارعة إلى الإصلاح قبل فوات الأوان.

4- نفتح مبكرا على كل خيارات التغيير، مناقشا فوائدها ومضارها داعيا الحركات الإسلامية، كل بحسب السياق، إلى الاختيار الأرجح من هذه الخيارات لخدمة الإسلام وتحقيق مكاسب حقيقية تعيد الاعتبار للأمة.

5- كان نموذجا في الاحتفاء باللغة العربية والدفاع عنها مع الانفتاح على اللغات الأجنبية، وكان على كبره رحمه الله يحرص على التعلم وتلقي آخر ما أصدرته المكتبات بجميع اللغات، فخاطب مبكرا النخبة المتغربة بلغتها، وأصدر كتابا عن “القومة” ثم عن الحداثة باللغة الفرنسية، وانفتح في مرحلة من حياته على الباحثين والصحفيين الأجانب، وقدم مسار تجربته إلى العالم الغربي، وبسط إليهم أفكاره التي يؤمن بها، فحظيت، وجماعته، بقدر غير قليل من الدراسات والاهتمام البحثي الغربي.

6- حرص في كتاباته أن يغطي مجمل الموضوعات الشائكة التي يتم في الأغلب الأعم التدافع بشأنها، فكتب عن الماركسية ثم القومية لما كان موضوع نقد الإيديولوجيات أو تجديدها محور مناقشة داخل التيارات الفكرية والسياسية في الوطن العربي، ورسم في كتاباته الأولى منذ “الإسلام بين الدعوة والدولة” إلى المنهاج النبوي” أطروحته التغييرية بعيدا عن أطروحة الإخوان المسلمين، وبسط لها مقدماتها في “مقدمات في المنهاج” وأصولها الفكرية والتاريخية والأصولية في “نظرات في التاريخ”، وناقش المسألة الأمازيغية في”حوار مع صديق أمازيغي”، والمسألة النسائية في “تنوير المؤمنات”، ثم ناقش في كتاب مستقل المسألة الاقتصادية، وتعرض في فصول كثيرة من كتاباته لإشكال الحرية والإبداع وقضايا الفن، وذلك بالرجوع بها إلى منطلقاتها المرجعية.

هذا الحضور الكثيف الذي غطى به الشيخ عبد السلام ياسين كثيرا من نقاط التوتر التي تتدافع بشأنها مكونات من المجتمع السياسي والمدني- مع الاختلاف في تقييمها- إنما تدل على الإرادة التي كان يحملها الرجل لتكون أفكاره جزءا أساسيا من النقاش العمومي حول هذه القضايا.

هذه بعض النقاش المشرقة في كتابات الرجل وتنظيراته، وهي لا تعكس كل الجهود التي قام بها رحمه الله في إغناء المكتبة الإسلامية وملأ بعض الفراغات في ساحة الدعوة والحركة.

رحم الله الشيخ عبد السلام ياسين وأسكنه فسيح جناته آمين.