في هذا اليوم، الجمعة 29 محرم 1434 الموافق 14 دجنبر 2012، ودعت جماعة العدل والإحسان ومعها الشعب المغربي المسلم، ومعهما الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، أحد أئمة هذه الأمة ومجددا من مجدديها العظام وعلما من أعلامها الكبار وعالما من علمائها الأفذاذ، الإمام المجدد المرشد المربي المؤيَّد، والعالم الجليل المسدَّد، الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

اجتمعت وفود المواسين والمعزين والمشيعين والمودعين في بيت الإمام ليلقوا على جثمانه نظرة الوداع، وليحملوه إلى آخر محطاته في هذه الدنيا، وأول محطة من محطات الآخرة. واتجهت مسيرة المشيعين من حي السفراء حيث بيت الإمام في اتجاه مسجد السنة بالرباط.

مئات الآلاف من المؤمنين المشيّعين، يتقدمهم أهل الإمام وذووه، وأعضاء مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان وأعضاؤها ومحبوها، ووفود غفيرة وشخصيات من قياديي المنظمات والأحزاب وناشطي المجتمع المدني من داخل المغرب ومن الخارج، ومن عموم أفراد الشعب المغربي، جاؤوا لتشييع ووداع وتحية رجل من رجالات هذه الأمة العظام.

وبعد الوصول إلى مسجد السنة، وفي جو من الخشوع والسكينة والرهبة، انتظمت صفوف المصلين لصلاة الجمعة ثم لصلاة الجنازة على الإمام الراحل، داعية مبتهلة إلى الله تعالى أن يتغمد فقيد الأمة والإنسانية برحمته ويشمله بعفوه ويكلأه بعينه، ويُتوِّجه برضاه.

وبعد الصلاة حمل المشيعون نعش الإمام في سيارة بيضاء، وسار الموكب الجنائزي الرهيب في اتجاه مقبرة الشهداء، متبوعا بمئات الآلاف من قلوب المؤمنين والمؤمنات، على طول شارع الأمم المتحدة من أمام باب السفراء، ومن بوابة باب الأحد سلك المشيعون شارع ابن تومرت بمحاذاة سور الرباط التاريخي، ليسيروا في صفوف متراصة منتظمة، مستحضرين جلال الموت ورهبته، خاشعين لهذا القدر الذي كتبه الله تعالى على كل نفس، مستبطنين سيرة الرجل ومساره، وثباته على الحق، ورحمته بالخلق، ودعوته إلى الله وإلى سبيل الله وإلى رضوان الله…

وعلى الرغم من أن عدد المشيعين فاق كل التقديرات، وغصت بهم الشوارع والساحات، فقد سارت الجنازة مهيبة منتظمة إلى أن بلغت أبواب مقبرة الشهداء، حيث ووري جثمان الإمام الثرى في جو رهيب.

وبعد إتمام مراسم الدفن، ألقى الأستاذ محمد عبادي عظة بليغة، ذكّر فيها بالله تعالى، وبالموت المقدَّر على عباده، ودعا إلى الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى، وذكّر بمناقب الإمام وسيرته التي اقتفى فيها منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في كل شأنه، في سلوكه إلى الله تعالى، وفي دعوته إلى معرفته سبحانه، وفي جهاده من أجل النهوض بالأمة من وهدتها السحيقة. كما ذكّر بسعة صدر الإمام رحمه الله، وبرحمته حتى بمن ظلمه، ودعا جموع المؤمنين المشيعين إلى الاقتداء بهذا الإمام ارتباطا بكتاب الله تعالى، القرآن الكريم، آناء الليل وأطراف النهار، تلاوةً وحفظا وعملا.

ودعا الأستاذ عبادي اللهَ تعالى، في آخر عظته، أن يرحم الإمام عبد السلام ياسين رحمة واسعة، وأن ينفع بعلمه وجهاده أجيال المؤمنين وعامة أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وأن يسدد جماعة العدل والإحسان حتى تكمل رسالة الراحل الكبير.

وفي ختام مراسيم هذه الجنازة تلا المشيعون الفاتحة ترحما على روح الإمام المجدد.