كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْ‌جَعُونَ (العنكبوت 57).

غيَّب الموت الذي كتبه الله على عباده أحد أعلام هذه الأمة الكبار، وعلمائها الأفذاذ، ومربي أجيالها العظام، وأئمتها المجددين، ومجاهديها الصادعين بكلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم: الإمام عبد السلام ياسين، تغمده الله بواسع رحمته وشمله بعظيم مغفرته وظلله بكريم رضوانه.

غيَّب الموت إمامنا الجليل، وهو الذي طالما ألحّ، فيما كتب ووجه وربى، على الإكثار من ذكر الموت، وعلى الاستعداد لسكرات الموت، وعلى العمل لما بعد الموت:

ففيما نربي ونكتب ونذكر، يجب أن يكون ذكر الموت هادم اللذات كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءا لا يتجزأ من حديثنا، وهم الآخرة غالبا على هم دنيانا، حتى إذا أصبح الله عز وجل هو همنا وقبلة همتنا كان رضانا به وعكوفنا على بابه حاديا لنا على طريقنا إليه تبارك وتعالى، عبر مشقات الدنيا، وسكرات الموت، ومثوى القبر، وهول الحشر، ودقة الحساب، ومعبر الصراط، ودار المقامة.) (المنهاج النبوي ص 167).

غيب الموت الإمام الجليل وهو الذي دل أفواجا بعد أفواج وأجيالا تلو أجيال، من المؤمنين والمؤمنات، على الله تعالى سلوكا في شعب الإيمان، وترقيا إلى ذرى الإحسان:

أنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية.) (الإحسان، ص 23).

غيب الموت المرشد المربي، وهو الذي لم يحد عن منهاج النبوة الذي اتخذه نبراسا على مدى عمره، وقاد سفينة العدل والإحسان أربعين عاما بحنكة القائد الخبير الموفق بإذن ربه، معلما ومربيا ومجاهدا وإماما، بذل نفسه لله، وأعطى برهان الصدق قبل أن يطلبه إلى الآخرين من نفسه وماله وفكره وصحته وراحته وعمره، وارتقى بهذا مرتقى عاليا عز نظيره، وعاش ولقي ربه قائما لله شاهدا بالقسط ثابتا على الحق لم تلن له فيه قناة، فكان عنوانا للقائم لله الشاهد بالقسط الذي يُعَرِّفنا به في المنهاج النبوي:

الشاهد بالقسط القائم لله هو المؤمن القوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات. هو المجاهد الذي لا ينكشف عن الصف إن هرب الناس، ولا يقعقع له بالشنان. هو المؤمن المسؤول. حوله تتألف الجماعة يشيع فيها بنورانية قلبه معاني الإيمان، وبلطف معشره ولين جانبه المحبة، وبصرامة إرادته وضبطه الثقة. هو المجاهد القادر على بعث الإرادة الجهادية في الآخرين، وعلى توجيه التربية والحركة قبل قيام الدولة الإسلامية وبعدها. إنه تغيير واقع أمة فلا بد له من رجال أوتاد يمنعون الخيمة أن تعصف بها الرياح. حامل أعباء التربية والجهاد ينبغي أن يكون مركز إشعاع إيماني، ونموذجا للنشاط والإنجاز والضبط لمن حوله. هذا هو النقيب المرشد. هو حجر الزاوية في البناء لا قيام للجماعة بدونه. هو رجل الدعوة والدولة معا.) (المنهاج النبوي ص 42).

لقد سار الإمام رحمه الله على منهاج النبوة الذي يدعو إلى الرفق بالناس في عالم العنف البغيض، وإلى الصبر الجميل على المكاره والمحن والتحمل المحتسب حتى يأذن الله تعالى بالفرج، وإلى التشبث بالمبدإ الأصيل مهما كانت المغريات، وإلى التعرض لنصر الله بتهييء القلوب وصقلها وتصفيتها بذكره سبحانه، وبالعمل الدؤوب في الميدان خدمة لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتواضعا لخلق الله سبحانه، وصبرا على طول الطريق ومشقته وعقباته، وثباتا على المحجة البيضاء من غير زيغ، ويقينا بأن الله تعالى يكلأ بعنايته أمة حبيبه صلى الله عليه وسلم.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء”، وها نحن اليوم نودع عالما جليلا، دعا الناس إلى الاجتماع على ميراث نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم، ونافح عن هذا الميراث النبوي بكل ما أوتي من قوة فردا أعزل لا نصير له غير الله تعالى، وذاد عنه وعن منهله الصافي إلى آخر رمق في حياته مؤيَّدا بجماعة حملت مشروعه إلى الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.

سيبقى الإمام المرشد المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى مثالا للرجل الحر القائم لله الشاهد بالقسط، وستبقى كتبه وكلماته وتوجيهاته نبراسا ينير الطريق جيلا بعد جيل، وسيبقى مشروع العدل والإحسان، بإذن الله تعالى، وفيا لمنهاج النبوة الذي سار عليه الإمام المرشد ودعا إليه، سعيا إلى رضا الله تعالى وطلبا لوجهه الكريم، وتعرضا لوعد الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم “حتى لا يبقى بيت وبر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين”.

مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِ‌جَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ‌، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب 23).

رحم الله الإمام عبد السلام ياسين، وجزاه عنا وعن أمة الإسلام خير ما جازى به العلماء العاملين المجددين، وأسكنه سبحانه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وثبتنا على عهدهم وطريقهم ومنهاجهم، وألحقنا بهم مؤمنين مخلصين ثابتين غير مبدلين ولا مغيرين آمين.

إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك لمحزونون.

والحمد لله رب العالمين.