من يقرأ بعض السيناريوهات المقترحة من بعض أقطاب المعارضة المصرية لمآلات الأزمة التي تمر منها الدولة لا يسعفه إلا أن يضع يده على قلبه، ويطلب من الله العفو والعافية، فلا أحد من أحرار العالم يريد أن تنتهي الثورة المصرية السلمية المجيدة إلى حرب أهلية، أو تسقط في يد العسكر. لقد أسقط الشعب بكل مكوناته رأس النظام السياسي، لكن المسار اليوم يهدد الدولة ككيان موحد وجامع لكل مواطنيه.

نقطتان أساسيتان تضعان الدولة المصرية لا النظام فقط على المحك، الأولى تتعلق بالتهديد بالتصعيد من المعارضة إلى حد الإعلان عن نزع الشرعية عن الرئيس مرسي، وهو ما يعني في النهاية أن الانتخابات التي تعد الحل عالميا للتعرف على اختيارات الشعب في من يحكمه، والتي تشكل العنوان الرئيسي لمفهوم سيادة الشعب تصبح بلا معنى، لتصبح التظاهرات في الشارع هي الحاسمة.

أما الثانية فتتعلق بتطورات الاختلاف بين القوى المساندة والمعارضة لرئيس الجمهورية إلى درجة الاحتكام إلى العنف المادي، أما العنف المعنوي واللفظي فيصيب المرء بالغثيان وهو يتابع القنوات المصرية وأخرى دخلت على الخط بخيط غير أبيض. لقد اعتبر ماكس فيبر أن من أخص خصائص الدولة الحديثة احتكارها للعنف، فإذا أصبح السلاح مشتركا بين مؤسسات الدولة الأمنية والقوى السياسية فهي بدايات ‘الصوملة’ لا قدر الله، والتي ترى بداياتها في سقوط عدد من الشهداء، وإحراق مقرات، واعتداء على قيادات سياسية وفكرية.

كيف تم الانتقال من شعار إسقاط النظام إلى تهديد كيان الدولة؟ وما هي المخارج الممكنة؟

لقد جمع شعار ‘ارحل’ كافة مكونات الشعب المصري في ثورته المجيدة، وعنى إسقاط النظام تفكيك سلطاته الثلاث وإعادة تركيبها وفق دستور يعيد ترسيم قواعد العمل السياسي على أسس ديمقراطية تؤمن بسيادة القانون، وتثبت فصل السلط، وترسخ المسؤولية والمحاسبة، وتقوم على تعددية سياسية حقيقية.

لقد كان أمام الثورة المصرية مهمات بناء سلط تشريعية وتنفيذية وقضائية تنتسب إلى مصر في ولادة دولتها المدنية الجديدة، وهي مهمة لم تكن سهلة البتة. فكل القوى التي كانت مستفيدة من النظام السياسي السابق لا تريد لمصر أن تخرج من مرحلتها الانتقالية، كما أن ثقافة عسكر مصر لا تستوعب مسلمة ضرورة ابتعاد قيادات الجيش عن العمل السياسي، والعودة إلى ثكناته.

لقد كانت أولى محاولات بناء المؤسسات الدستورية لجمهورية مصر الثانية الانتخابات التشريعية التي شكل بموجبها مجلسا الشعب والشورى، لكن القضاء الدستوري الذي يتشكل من أعضاء تم تعيينهم في عهد حسني مبارك المخلوع؛ تمكن من حل المجلس الأول من برلمان الثورة بقرار قضائي. وهو نفس القضاء الذي شد الانتباه أثناء إعلانه عن اسم رئيس السلطة التنفيذية في إخراجه الهيتشكوكي.

لقد وصل الرئيس مرسي إلى السلطة وهو يعلم أن سلطته ستكون أضعف أمام مؤسستين من تركة النظام السابق: مجلس القوات المسلحة، والمجلس الاعلى للقضاء. الأول يتحكم في ادوات الاكراه المادية، والثاني يتحكم في أدوات الإكراه القانونية. كان على مرسي أن يقوم بانقلابين دستوريين عليهما، نجح مع العسكر، ومع القضاء بدأت كل القوى المضادة للثورة تنتصر لآخر قلاعها. وكان إصدار ‘الإعلان الدستوري’ بشكل منفرد من قبل الرئيس مرسي، وحتى دون علم العديد من مستشاريه خطأ فادحا ألب قوى ثورية ضد قراراته، وهي ترى أن مؤسسات الدولة سيتم إحكام السيطرة عليها من الإسلاميين الذين يستفيدون من شعبيتهم المتزايدة في ربيعهم الانتخابي، وصب مشروع الدستور المزيد من الزيت على النار حيث وجدت الفئات العلمانية أنه تم ‘تديين’ المشروع أكثر من اللازم.

اليوم قوى المعارضة تقلب الطاولة بشكل كلي، وتستثمر ‘قوى الفلول’ المأزق لتستهدف مقرات الإخوان بالعنف الهمجي في محاولة لتمزيق الوحدة الوطنية، ورغم ما يلاحظ من صبر جماعة الإخوان في ردها العدوان، إلا أن ذلك يدخل ضمن استراتيجية إنجاح يوم الاستفتاء بأي ثمن، والأكيد أن الرد سيكون مغايرا بعد الانتهاء منه أو فشله، وهو ما قد يفتح الأبواب على جهنم.

ينتظر من حكماء مصر أن يضعوا خارطة طريق تحدد بدقة محل الخلاف، وكل السيناريوهات الممكنة لحله، وتغليب مصلحة الوطن، والإعلان الدستوري أو موعد الاستفتاء ليسا مقدسين، بل الحرمة للدم المصري. ويمكن حل الأشكال الدستوري بتحديد الفصول المراد إلغاؤها أو تعديلها أو إضافة أخرى بمنطق الديمقراطية التشاركية التي تسمح لكل المكونات النوعية في المجتمع حق التداول فيه لا بمنطق الديمقراطية التمثيلية التي تقصي الأقلية فتلجأ إلى الشارع للتنفيس عن غضبها، فيتم استغلال حضورها من فلول النظام السابق.

ما يهم مصر اليوم بناء الشرعية، وتحقيق شبه إجماع على الدستور، والتأسيس لثقافة الاختلاف التي تجمع على أن الدم خط أحمر، والتي تبتعد عن التكفير والتخوين، وتعتبر القانون معبرا عن الإرادة العامة للشعب، واحترامه والانضباط له ملزم للجميع.