في مثل هذا اليوم العاشر، من دجنبر من كل سنة، يحتفل العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان، من أجل التأكيد على حق الشعوب في حرية الرأي والتعبير، والحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات وإنشاء الجمعيات والأحزاب والصحف، والمشاركة في العمل السياسية…

وفي مثل هذا اليوم من سنة 2000 خرجت جماعة العدل والإحسان في مجموعة من المدن المغربية من أجل التنديد بحملة القمع الممنهجة للنظام المخزني، والمصحوبة بتعتيم إعلامي واسع، وصمت رهيب من طرف النخب السياسية والحقوقية، لكشف زيف شعارات المخزن في تلك المرحلة كطي صفحة الماضي والإنصاف والمصالحة والعهد الجديد واحترام حقوق الإنسان…

وكما هي العادة، قوبلت هذه الوقفات السلمية بقمع دموي فاشي خلف العديد من الإصابات الخطيرة بالإضافة إلى المئات من الاعتقالات من بينهم أفراد أسرة الأستاذ عبد السلام ياسين وبعض أعضاء مجلس الإرشاد. وقد قُدم من هؤلاء المعتقلين إلى الوكيل العام 126 فردا.

هذه الوقفات جاءت نتيجة التضييق على أنشطة وأعضاء الجماعة، والقمع المسلط عليها خلال نفس السنة – 2000- التي عرفت الإعلان عن الدائرة السياسية، والانتشار الكبير لمجالس النصيحة، وتوجت بإصدار “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، وبفك الأستاذ عبد السلام ياسين للحصار الذي ضرب عليه عشرة أعوام… مما جعل الجماعة تتعرض للقمع. ونكتفي هنا بذكر ثلاث محطات عرفت تدخلا عنيفا ومنعا غير مبرر من طرف المخزن مدعوما بصمت مطبق:

1- منع المخيمات

في يوليوز وغشت عام 2000، أقدمت السلطات على منع المخيمات التي اعتادت الجماعة على تنظيمها، فقامت بهدم مخيم السعادة بمدينة وجدة وإشعال النار في حطامه، واقتحمت مخيم الحرشان قرب مدينة الجديدة ومخيمات أخرى على امتداد البلاد، وأقامت حراسة مشددة على كل منافذ هذه المخيمات وإنزال فيالق من الجيش فيها، مما جعل الجماعة تعلن عن النزول إلى المخيمات العامة صحبة الشعب. وقد استفز هذا القرار، غير المنتظر، الخصوم والأعداء خاصة أمام ترحيب عامة الناس به والإقبال كبير على الأنشطة الترفيهية التي كانت تنظم فيها، واصطفاف جموع المصطافين أثناء حلول وقت الصلاة لأداء الفريضة في جو قلب السحر على الساحر، مما جعل السلطات تتدخل بشكل وحشي لاعتقال أعضاء الجماعة من الاقتراب من الشواطئ العامة، بل طوقت مدنا بأسرها كالجديدة، لكن دون جدوى. وقد كانت حصيلة هذا الحصار العديد من المعتقلين والجرحى والمصابين خاصة في شاطئ المهدية قرب مدينة القنيطرة حيث (49 معتقلا) وشاطئ مدينة الجديدة (11 معتقلا) أقيمت لهم محاكمات صورية.

2- قمع الجامعة

بعد منع المخيمات بشهر وبالضبط في فاتح شتنبر 2000، افتتحت السلطات المخزنية السنة الجامعية باستئناف إجراءاتها التعسفية القمعية ضد نشطاء الحركة النقابية الطلابية، وفي مقدمتهم طلبة العدل والإحسان. وقد كان هذا الافتتاح في ساحة جامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، حيث قام عامل المدينة باقتحام فضاء الحي الجامعي وإغلاق مقر مجلس القاطنين. كما أمر بمحو كل أثر مكتوب يدل على وجود “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”. وفي السياق نفسه، أصدرت كلية الآداب والعلوم الإنسانية قرارا بطرد اثنين من مناضلي (أوطم) لمدة سنة موقوفة التنفيذ. وقد توسع مجال هذه الممارسات القمعية ليشمل معظم الجامعات المغربية، وهو الأمر الذي أسفر عن وقوع عدة خروقات وانتهاكات في حق الطلبة وفي حق حرية التعبير والعمل النقابي في الساحة الجامعية. ففي غضون ثلاثة أشهر فقط عانى الطلبة، والنشطاء النقابيون منهم خاصة، أصنافا من الممارسات المخزنية اللاقانونية واللاإنسانية أسفرت عن وقوع إصابات متفاوتة الخطورة في صفوف الطلبة، واعتقال العشرات، فضلا عن أعمال الإرهاب والاستفزاز والإهانة التي بات الطالب يصبِّحها ويُمسِّيها. وقد بلغ عدد الطلبة الذين توبعوا أمام المحاكم بسبب نشاطهم النقابي، بعد أن لفقّت لهم السلطات تهما جنحية، واحدا وتسعين فردا في مدن مختلفة، 37 في الجديدة، و16 في فاس، و14 في المحمدية، و8 في تطوان، و6 في بني ملال، و5 بسطات، و4 في الرباط، وواحدا في الدار البيضاء. وقد تجاوز عدد المعتقلين أثناء حضورهم لجلسات الحكم بالبيضاء 1000 معتقل. وقد صدرت عن أجهزة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عدة بيانات ونشرات تبين بالتواريخ والأسماء والأرقام والصور مختلف الخروقات والتعسفات التي ارتكبتها السلطات المخزنية في حق الطلبة (ومعظمهم من جماعة العدل والإحسان) خلال الموسم الجامعي (2000/2001).

3- المنع الإعلامي

اكتمل قمع الجماعة بحصار شامل لإعلامها المكتوب والإعلام الإلكتروني حيث تم توقيف جريدة “العدل والإحسان” نهائيا ومصادرة العدد الأول في شتنبر 2000م. بالإضافة إلى جريدة “رسالة الفتوة” التي تم توقيفها نهائيا مع العدد الثاني والأربعين سنة 2001م. وقد طال المنع كذلك كتب الأستاذ المرشد حيث منعت من العرض في المعرض الدولي للكتاب في نونبر 2000 بالإضافة إلى حجب الموقع الرسمي للجماعة الذي تم إطلاقه في نفس السنة.

هذا فيض من غيض مما تتعرض له جماعة العدل والإحسان منذ بدايتها حتى كتابة هذه السطور من اعتقالات واختطافات وتشميع للبيوت وتضيق على الأرزاق… يظهر بجلاء زيف الشعارات ويؤكد المأزق الحقوقي الذي تتخبط فيه الدولة من جراء عدم تفعيلها للمواثيق والتوصيات الدولية في مجال حقوق الإنسان وإفراطها في استعمال العنف ضد كل صوت يطالب بحقه أو معارضته لسياساته.