ظُلِم الأستاذ عبد السلام ياسين أكثر من مرة؛ ظُلم سياسيا بقمعه وحصاره وسجنه والتشهير الكاذب به، وظُلم فكريا بتشويه نظريته وأفكاره ومنع مؤلفاته وتضييق فرص تعرف الناس على تصوراته. وظُلم من القريب الذي أغراه قربه من الرجل فاعتقد أنه ملك له وحده بفكره وجهاده وربانيته فاحتكره لنفسه، وظُلم من البعيد الذي لم يبذل جهدا في سبر أغوار اتجاهاته ومواقفه وتميز أسلوبه. وظُلم من المنصف الذي ينظر إليه من زاوية واحدة إما مجاهدا أو مربيا أو مفكرا، وظُلم من المتحامل الذي يكيل له التهم المجانية فكريا وسياسيا مثل ضعفاء الفهم أو المأجورين أو غير الشرفاء من المنافسين.

لذلك كان لا بد من تنظيم مؤتمر لإنصاف الرجل، مؤتمر يتناول بالدراسة والتحليل نظريته التي ضَمَّنَها مؤلفاته بطريقة علمية ومنهجية معتمَدة عند العلماء والمفكرين والأكاديميين. لأن ذلك من شأنه أن يرفع مناقشة أفكاره وتقدير أهميتها من مستوى التداول الصحفي التبسيطي التي يُضَيع عمقها، ومن مستوى التحامل العدائي الذي يشوه قيمتها ويعتم نقطها المضيئة. ففي مثل هذه المحافل العلمية تُمَحص النظريات المتكاملة مثل نظرية الأستاذ عبد السلام ياسين في الدعوة والتربية والتغيير المجتمعي، ذلك أن الممارسة الفكرية لها أهلها ولها مناهجها ولها منطلقات ومآلات وارتباطات وأدوات يعجز القارئ البسيط على امتلاكها، فيضيع في تجميع خيوط الأفكار وإدراك انسجامها وتكاملها، ويغلب على تعليقه التجزيء الذي يضيع الشمول، أو الهوامش التي تغفل المتون، أو الهجوم الذي يتحرى الطعون.

وما يميز الأستاذ عبد السلام ياسين عن غيره من مفكري عصره، أنه نقل منهجه في التغيير من برج التدبيج النظري الصرف إلى التطبيق العملي الأرضي، فأعطى دروسا عملية في إمكانية تنزيل ما يُنَظِّر له على أرض الواقع. وإن كان هذا يحسب له ويزيد فكره مصداقية ونجاعة، إلا أن بعض خصومه ممن زاحمهم على أرض الممارسة السياسية أو الحركية عملوا على محاصرة الرجل بالترويج لأفكاره بشكل غير أخلاقي لجعل الناس ينفضون من حوله. فصوروه في صور تكاد تكون متناقضة لا يجمعها جامع إلا كراهية الرجل والسعي لعزله. فالبعض يقدمه على أنه خرافي ضال مضل، أو صوفي مغرق في الدروشة والزهد. والبعض الآخر يعرضه كانتهازي يحب الحياة ويسعى إلى السلطة والجاه والشهرة. والبعض الثالث يرى فيه خارجا عن الجماعة شاقا لعصى الطاعة يريد الفتنة للبلاد والعباد. وهلم جرا من الأوصاف التي لا تستند إلى أي مرجع علمي معتمد إلا ما كان من كلام الصحف والجرائد، وهو أمر مردود عندما يتعلق الأمر بنقاش فكري أكاديمي.

والحقيقة أن مؤتمر إسطنبول حول مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، سيحرج كل تلك الأصوات التي اقتاتت لسنوات عديدة على التعتيم المضروب على الرجل وفكره وعلمه وجهاده. لأن المجتمعين في هذا المؤتمر الذين جاؤوا من أكثر من 20 دولة من القارات الخمس وبثلاث لغات عالمية، وبقواعد علمية منهجية دقيقة لا يتسامح فيها الأكاديميون في ملتقياتهم، هؤلاء المجتمعون كان لهم رأي آخر في الأستاذ ياسين وفي منتوجه الفكري، ويمكن أن نعرض هنا رأي عدد من الشخصيات التي حضرت المؤتمر منهم، مع حفظ الألقاب، علي البيانوني وهو قيادي إخواني الانتماء، وعزام التميمي الإسلامي المعروف بصراحته النقدية حتى في حق أقرب التنظيمات إليه، وصالح كنجي أحد كبار علماء تركيا، وعلي الزهراني أستاذ العقيدة بالسعودية، وأحمد الصويان ذو المشرب السلفي ورئيس تحرير مجلة البيان، كل هؤلاء وغيرهم صرحوا، وتصريحاتهم منشورة على الانترنيت، بأن الأستاذ عبد السلام ياسين عَلم من أعلام الأمة وقامة من قاماتها، وأنه لا ينبغي احتكاره مغاربيا فهو ملك للأمة جميعها. فرغم انتماءاتهم ومذاهبهم المتعددة ومدارسهم الفكرية المختلفة وحركاتهم السياسية المتنوعة، إلا أنهم أنصفوا الرجل بعد أن اطلعوا على ما أنتجه من فكر وعلى ما قدمه خدمة للدعوة وإصلاح الأمة. ولا يعني ذلك عدم وجود نقط الاختلاف معه إلا أن ذلك لم يحل بينهم وبين إعطائه حقه كاملا، فالفكر لا يرد عليه إلا بالفكر، وعلى قدر عمق أطروحة النظرية ورصانتها وشمولها، على قدر ما يحتاجه المنتقد من عمق ورصانة ونظرة شاملة، وغير هذا لا يعدو أن يكون مجرد مراهقة فكرية يسعى أصحابها لإثبات الوجود من وسط العدم.

لقد تناول الأستاذ عبد السلام ياسين بمنهج فكري رصين مسائل الوجود والمصير، وقضايا الحياة والموت، وأسئلة العيش والعمران، وأحداث التاريخ والسير، ومذاهب الحداثة والأصالة، وأسرار النفس والروح، ومقاربات الثقافة والاقتصاد والسياسة والاجتماع. كل ذلك في نظرة متراصة متكاملة تنهل من معين القرآن والسنة النبوية. وحيث إن الرجل لا يدعي الكمال لنفسه، فهو يعرض نظريته للدراسة والنقد والتحليل. وإن كانت مواقفه الرجولية ضد استبداد السلطان وثباته عليها قد شوشت سلبا على حقيقته، فحري بأهل الفكر الصافية نواياهم من كل خلفية سياسية أو مذهبية أن ينصفوه، حتى تضيق مساحة العازفين على وتر الكذب والبهتان.