أستاذي الفاضل السيد محمد المرواني بصفتك ابن الحركة الإسلامية بل من مؤسسي ورواد العمل الإسلامي بالمغرب وممن اطلع على فكر الأستاذ عبد السلام ياسين منذ البداية هل من الممكن أن تحدثنا عن نظرتك لهذا الفكر في تلك الفترة؟

بسم الله الرحمن الرحيم. طبعا، في تلك المرحلة من تاريخ العمل الإسلامي، أي في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، كانت هنالك أوضاع جد خاصة داخل الحركة الإسلامية؛ كان هناك قمع مسلط، كان هناك منع، كانت هنالك أشياء كثيرة تحول دون التواصل المباشر والتعارف المباشر، ولكن هذا لم يمنعنا من الاطلاع على جزء كثير مما كان يكتبه الأستاذ عبد السالم ياسين حفظه الله في تلك المرحلة. الذي يمكن أن أقوله عن الرجل نحن منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا لم نغير، كنا نعتبر بأنه رجل يبذل جهدا كبيرا ويفرغ الوسع من أجل تقديم مشروع إسلامي تجديدي يستوعب تحديات الأمة في هذه المرحلة ويؤسس لهذا كله على قاعدة؛ أولا كتاب الله سبحانه وتعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا كان واضحا منذ البداية، فلا اقتحم العقبة وغيرها من الآيات القرآنية كانت بالنسبة لنا تمثل العمود الفقري إن جاز هذا التعبير للأطروحات الأساسية التي كان يعبر عنها الشيخ عبد السلام ياسين في تلك المرحلة.

كنا ننظر إلى الرجل بتقدير خاص وكنا نزوره في بيته في اللحظات التي كان يُسمح بزيارته وكانت لقاءاتنا معه في كل زيارة نزوره فيها، وخاصة التي تكون ذات الطابع علمي أو لقاء فكري، كنا نخرج من عنده بكل صراحة بأفكار جديدة وبأسئلة جديدة. لهذا أنا أقول اليوم بأنه إذا لم ينصف الرجل في التاريخ فليُنصف اليوم من قبل كل أبناء الحركة الإسلامية وأتمنى على الحركة الإسلامية بصرف النظر عن التباينات الاجتهادية الموجودة أن تكرم هذا الرجل في المغرب في حياته وأن تكون المناسبة في المغرب وليس فقط هنا في اسطنبول، مناسبة لكي يعاد الاعتبار لهذا الرجل وأن ينظر إليه نظرة تليق بجهوده في معركة النهوض الحضاري والإصلاح وأيضا في الجهد العلمي الذي يبذله هذا الرجل، وسأكون من الساعين لذلك إن شاء الله تعالى.

أستاذ المرواني هل ترى أن الأستاذ عبد السلام ياسين وما أنتجه من فكر غزير استطاع أن يساهم في إثراء الفكر والعمل الإسلامي؟

بكل التأكيد. السيد عبد السلام ياسين حفظه الله قدم إنتاجات غزيرة ومهمة ونوعية وفيها مقاربات جديدة لقضايا العمل الإسلامي ولتحديات الأمة، لا يمكن للإنسان العاقل والمسؤول إلا أن يعبر عن هذا الموقف، الرجل قدم أطروحات جديدة بشكل عام، هو لا ينفي أنه استفاد ووظف كما رأينا في البحوث قبل قليل، ولكن هو بذل الجهد، وهذا هو الدور، دورنا نحن اليوم كأهل علم كفقهاء كمفكرين كباحثين، القرآن دائما يستعمل تعبير مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه يجب أن نستوعب ما سبق وأن نؤسس للجديد، نوازل العصر متجددة، التحديات اليوم التي تواجه الأمة متجددة، الرسول صلى الله عليه وسلم لم يواجه واقعا كانت فيه أطروحات العلمانية والحداثة والديمقراطية والمجتمع المدني وغيرها، وهذا واقع له تحدياته الخاصة التي تختلف ربما في أحيان كثيرة جذريا.

الرجل له كتب بكاملها تناقش قضايا، بصرف النظر هل تتفق مع الرجل أم تختلف معه، لا يمكن للإنسان العاقل إلا أن يقول بأن هذا الرجل يحاور بالبرهان، يحاور بالبيان، يحاور بالمعرفة، حتى وإن كان الآخرون لا يعتبرونها معرفة أو بيانا.

أعتبر بأن لهذا الرجل حفظه الله إسهامات وقدم أشياء مهمة جدا، وكما أقول دائما وكما يقول السيوطي العلماء اختلفوا في أربعة أخماس القضايا الفقهية ولم يكن هذا سببا لإنكار بعضهم على بعض، فكيف ننكر على هذا الرجل كونه قدم أطروحات. قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين من كان له رأي آخر أو وجهة نظر أخرى فليكن، ولكن لا يمكن إلا أن نعترف وأن نقر في الآن نفسه بأن الرجل حاول وبذل وسعه وهذا دور المجتهد عموما، المهم أنه يبذل الوسع ويفرغه من أجل الوصول إلى أجوبة فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. نحن نسأل الله أن يبارك فيه ويطيل عمره ليقدم إسهامات جديدة إن شاء الله لفائدة هذه الأمة ولخيرها إن شاء الله.

جزاك الله خيرا أستاذي الفاضل، كلمة أخيرة سيدي عن المؤتمر الذي كان محوره فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، كيف تنظر إلى هذا المؤتمر؟ وهل لك من نصائح واقتراحات أخرى يمكن أن نستفيد منها من أجل نشر فكر الأستاذ عبد السلام ياسين؟

قلتها في الجلسة الافتتاحية هذا بعض وفاء وبعض إنصاف؛ الرجل طوال حياته وهو يقاوم الاستبداد والفساد والطغيان وكان يواجه كل هذا بصبر واحتساب ولكن أيضا ببيان وبمعرفة وبإنتاج فكري… لهذا، الرجل يستحق منا وفاء بأن نذكره بخير وأن نقول بأن لهذا الرجل فضله، ولهذا الرجل إسهامه ولهذا الرجل اجتهاده، بصرف النظر عن كل ما يمكن أن يكون من تباينات بين مختلف الأطراف. هذا رجل من باب الوفاء أن نقول أنه رجل أسهم وعلى الحركة الإسلامية في المغرب أن تكرم هذا الرجل وأن تكرم علماء آخرين، كل الذين ساهموا في تقديم أطروحات تفيد العمل الإسلامي والحركة الإسلامية يجب أن نقدرهم وأن نحترمهم وأن نجلهم، وكما قلت حتى ولو كان الآخرون يختلفون معه.

الجانب الثاني، وهو المتعلق بالإنصاف، أن ننصف هذا الرجل فكثير من الناس بوعي أو بغير وعي بعلم أو عن غير علم، ربما لم يدرسوا حتى بعض كتبه قالوا كلاما وهم ليسوا على علم، ولذلك القرآن يرفض الحكم بالظن إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون، فالله سبحانه وتعالى دائما يطالبنا بالبرهان. هذا الرجل يحتاج إلى إنصاف، رجل حفظه الله ساهم وقدم لابد من إنصافه وأن نقف عند ما أسهم به، وأتمنى أن يكون هذا المؤتمر بداية في هذا الاتجاه في الوفاء لهذا الرجل، وفي إنصافه. ولذلك قلت بعض وفاء وبعض إنصاف لأنه لا يمكن أن نغطي كل هاته السنوات التي واجه فيها بغي الظالمين وبغي المفسدين وبغي المستبدين بكل الطرق المتنوعة، كما ذكر أحد إخوتنا في الصباح أودعوه في المصحة العقلية وفي مستشفى الأمراض الصدرية وغيرها، كل هذا العناء وكل هذا الظلم وسجنوه وحاصروه وثبت الرجل، أنا بالنسبة إلي هذا مؤشر خيرية ومؤشر فضل وعلامة لا يمكن إلا أن نقف عندها وأن نتأمل فيها، لا يمكن في نظري أن يصمد الرجل وأن يثبت لو لم يكن مقتنعا بما هو عليه وراسخا فيه وإنما التوفيق والتثبيت من الله سبحانه وتعالى.

نتمنى مرة أخرى أن يكون هذا المؤتمر لبنة من لبنات الوفاء لهذا الرجل والإنصاف، لأن كبار الأمة ورجالها وشرفاءها وأعزاءها يجب أن نظل أوفياء لهم وأن نحترمهم وأن نقدرهم حيثما كانوا وحيثما كان الخندق الذي يشتغلون فيه وأن ننصفهم أيضا ضد كل ظلم يمكن أن يتعرضوا له.