أدلى الدكتور محمد منار، منسق مكتب الدراسات السياسية والقانونية وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، بتصريح لفائدة أسبوعية الوطن الآن، بتايخ 6 دجنبر 2012، عدد 496، حول الاختلال الدستوري القائم في المغرب، هذا نصه:

السبب الأساس في اعتقادي لما نلاحظه اليوم من اختلال في البناء الدستوري يعود إلى عدم قيام هذا البناء على أساس صلب. فكلنا يعلم الظروف التي جاء فيها الدستور الجديد والكيفية التي خرج بها إلى الوجود، لقد كان الحرص كل الحرص على إخراج الدستور بمظهر مقنع- أقول مظهر- وفي وقت محدد لإبعاد المغرب عن ما يمكن أن يؤول إليه الاحتجاج من تطورات، ولم يكن الحرص أبدا على تأسيس بناء دستوري بإرادة جماعية، وانطلاقا من حوار وطني يشارك فيه الجميع ويكون بدون شروط مسبقة، الأمر الذي يمكن أن يشكل أساسا صلبا ورافعة مهمة لأي انتقال ديمقراطي بالمغرب. ذلك الاستعجال حين نضيف إليه الاضطراب والتخبط الذي طبع مرحلة ما بعد الدستور، وظهر بشكل جلي مع انتخابات 25 نونبر 2011، كان يبين منذ البداية أن البناء الدستوري ستشوبه مجموعة من الاختلالات.

صحيح لا يمكننا أن نتسرع في الحكم، لأن الولاية التشريعية لا تزال في البداية، لكن حين نقارن عدد النصوص التنظيمية التي نص عليها الدستور بما تم إقراره إلى حدود الساعة نجد أن نسبة المنجز لم تتجاوز 5 في المائة، هذا على المستوى الكمي دون أن نناقش نوعية ما أنجز، والذي عليه ملاحظات كثيرة. والسؤال هو هل ستكون السنوات الأربع المتبقية كافية لإنجاز 95 في المائة من النصوص التنظيمية؟ لا أعتقد، خاصة إذا علمنا أن الاهتمام في 2013 سينصب بشكل كبير على إعداد الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات الجماعية، والسنة الأخيرة في الولاية من المفروض أن تعرف اشتغالا بالإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات التشريعية، لذلك فحتى إذا كان هناك إنجاز على المستوى الكمي فسيكون دون شك على حساب جودة ونوعية تلك النصوص، لأنها ستفتقد إلى الوقت الكافي لمناقشتها بشكل متأني. ومما لا شك فيه أن الحكومة تتحمل المسؤولية لأنها لم تشتغل وفق منهجية مدروسة ووفق أولويات محددة، لقد تم صرف الجهود للقيام ببعض الأعمال ذات الأثر المحدود، في الوقت الذي تم فيه إغفال قضايا أساسية.

وأعود وأقول إن المشكل في المغرب ليس فقط مشكل تنزيل أو تأويل ديمقراطي للدستور، ولكن المشكل يكمن بالأساس في ابتعاد المغرب إلى حدود الساعة عن الدستور الديمقراطي شكلا ومضمونا، المشكل قبل أن يكون مشكل ممارسة هو مشكل تأسيس، لذلك فالعديد من الهيئات والشخصيات التي تنتقد اليوم كيفية تنزيل الدستور هي تتحمل المسؤولية أيضا، لأنها لم تضغط بشكل مطلوب لتحقيق دستور ديمقراطي، وكان ذلك ممكنا ومتاحا. أقول هذا وأنا أعرف أنه لا يمكن في المجال الدستوري فصل الممارسة عن النص؛ فالنص يسهم في إنتاج الممارسة، والممارسة تسهم؛ من خلال الإيديولوجيا والثقافة والأعراف والتقاليد والمتوافق عليه، في إنتاج النص. لذلك إذا كان هناك من يناضل اليوم من أجل تأويل وتنزيل ديمقراطي للدستور، فهل يمكن تحقيق ذلك إذا كان نص الدستور غير ديمقراطي؟ وهل يمكن الحديث عن دستور ديمقراطي إذا كانت الممارسة السياسية والدستورية التي أنتجته غير ديمقراطية؟