فيما يلي نص الحوار الذي أجراه الموقع مع الدكتور الداودي كوميدي، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بالجزائر، بخصوص مؤتمر “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين”.

أستاذي الفاضل، الداودي كوميدي، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بالجزائر، أهلا بك ومرحبا، إذا سمحت أن أتوجه إليك بهذه الأسئلة:

ذكرت بأنك أثناء إعدادك لهذه الورقة التي تقدمت بها إلى المؤتمر اطلعت على أزيد من خمسة عشر كتابا للأستاذ عبد السلام ياسين، هلا تفضلت بتذكير القارئ بما شد انتباهك إلى كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين؟

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. صراحة، كنت أسمع بالأستاذ عبد السلام ياسين وبجهوده الدعوية والإصلاحية بصورة عامة ولكني كنت محظوظا هذه المرة من خلال هذا الملتقى أن أتعرف على فكره عن كثب. وأحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لي هذه المشاركة لأني فعلا استفدت من أكثر من خمسة عشر كتابا، منها ما قرأته من أوله إلى آخره ومنها ما استفدت منه في مجال بحثي، أعني جانبا فقط من نظرية المنهاج النبوي ومن مركزية القرآن الكريم في المعرفة. والفكر الفقهي لدى الأستاذ ياسين واسع جدا، إنما اختصرت في مداخلتي وفي البحث الذي قدمته، وطبع ولله الحمد، جزى الله القائمين على هذا الملتقى، فعلا استفدت كثيرا وقدمت شيئا قليلا تماشيا مع الشروط المنهجية التي وضعها الإخوة المنظمون.

الذي شد انتباهي في الحقيقة هو الفكر الموسوعي لدى الأستاذ ياسين ذكره الله بخير وأعطاه الله الصحة والعافية وطول العمر. هذا الرجل اكتشفت الآن جانبا من حقيقته وليس كل الجوانب، فظهر لي بأن هذا الرجل أمة، لأنه عالم موسوعي، مهتم بكل جوانب المعرفة، بكل جوانب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بكل جوانب الإصلاح؛ يتحدث عن الإصلاح الاجتماعي، إصلاح الأسرة، يكتب للمرأة المسلمة، يتحدث عن الجانب الاقتصادي، يتحدث عن جانب علاقة المؤمن بالله والأمور التربوية في علاقة المسلم بربه، يتحدث عن أمور كثيرة؛ عن التزكية.. أمور كثيرة في هذه الكتب الكثيرة والمتنوعة التي أعطى فيها عطاء للأمة، أقول يجب على أمتنا في شرق البلاد وغربها أن تستفيد من هذا الفكر.

الذي شد انتباهي في أسلوبه، أسلوب حديثي، أسلوب كتابه يعطيك الكلام القصير الموجز لكنه يحمل الكلام الواسع، العميق المعنى، يعطيك عبارات مفهومة بسيطة ولكنها واقعية ليست ضربا من الفكر الخيالي بل فيها واقع، فالرجل يعيش في الواقع، وأنا عندما طرحت بعض الجوانب التي ذكرتها في مداخلتي، في الحقيقة هناك جوانب كثيرة تدخل فيما كتبت فيه ولكن لم أذكرها، فالواقعية في الطرح يتميز بها فكر الأستاذ ياسين حفظه الله، ومن وجهة نظر فقهية وأصولية يهتم بما يسمى بفقه المآل أو فقه الواقع. العلماء الآن يقولون فقه الواقع وفقه المتوقع، هو فقه المآل الذي تحدث عنه الإمام الشاطبي وغيره. يستفيد الشيخ ياسين حفظه الله من هؤلاء العلماء ويعرف من أين تؤكل كتب العلوم كلها، سبحان الله. هذا الشيء شدني إليه.

حتى من الناحية اللغوية، كنت نقلت عبارة أحتاجها حين تطرقت إلى مسألة مركزية القرآن الكريم وارتباط المعرفة الفقهية بالقرآن الكريم، فهو ينطلق من ثلاثية الشورى والعدل والإحسان، ويتحدث عن المحاولات الاجتهادية ويقول: “نسائل تلك التجارب وذلك الاجتهاد عما فعل العدل الذي أمر الله عز وجل به في القرآن؟ وأنى سارت الشورى وصارت؟ وأيّةً سلك الإحسان؟” فأنا استشكلت هذه العبارة، لا أعرفها، كلمة “أي” تؤنث ثم تنون، فسألت أستاذا متخصصا في اللغة فوجدت أنه يجهل هذا الأمر، فبحثت في بعض مصادر اللغة فوجدتها بالفعل “أي” تؤنث وتنون، ووجدت فيها شاهدا من كلام زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه، لا أذكر العبارة بالضبط، يقول، وزادوك شوقا أَيَّةً سلكوا، فوجدت لها شاهدا منونة ومؤنثة.

أورد هنا شاهدا فقط فهناك عبارات لغوية كثيرة. إذن فالرجل متمكن من اللغة، الرجل ضليع جدا، هذا كذلك شدني فيه، أسلوبه المتميز البسيط الواقعي الركين الرصين، الفكر الرصين والقوي هذا الذي شدني في كتاباته.

إذا سمحت أن تعطي للقارئ فكرة موجزة عن محتوى هذه الورقة، من خلال الموضوع الذي تقدمتَ به تحت عنوان: “القرآن الكريم مصدر للمعرفة الفقهية في نظرية المنهاج”.

فكرت كثيرا قبل وضع هذا العنوان، لأنني أردت أن أساير المحاور التي وضعها المنظمون، فوضعته. لكن إذا أردنا أن نبسط هذا العنوان نقول: الفكر الفقهي عند الأستاذ ياسين، والمقصود بالفكر الفقهي كل ما له علاقة بالفقه؛ أصوله ومقاصده، نحن لا نتحدث هنا عن أحكام وفتاوى وإنما نتحدث عن أفكار تجديدية يطرحها علامة مثل الأستاذ ياسين، هذه الأفكار بالنسبة لنا نحن كمتخصصين، والمتخصص عندما يجد كلاما في التخصص يعرف قيمته، مثل الطبيب الذي يعرف قيمة الدواء وأين يضعه، فالفكر الفقهي عند الشيخ عبد السلام ياسين حفظه الله فكر متميز وتجديدي فيه معالم تجديدية واضحة شدتني بل أقول أطربتني، طربت لها، وسبحان الله، أتعجب… رجل موهوب ميزه الله سبحانه وتعالى بمواهب، أستطيع أن أقول لك بأني أستطيع أن أؤلف كتابا، أن أوسع بحثي هذا وأضع فيه مجلدا وقد لا أوفي حق الشيخ ياسين في هذا الجانب.

الفكر الفقهي عند الأستاذ ياسين ليس كلاما في الفقه فقط، فهو تحدث عن تاريخ الفقه، تحدث عن العقل الفقهي عبر التاريخ كيف تأثر بانتقال الحكم من الخلافة على منهاج النبوة إلى الحكم الجبري العضوض إلخ، كيف تأثر الفقه، كيف تأثر أصحاب العقول، كيف تأثر المُفتون والقضاة، كيف تأثروا بما سماه الانكسار التاريخي وكيف تغيرت فتاواهم، وكيف أصبح العقل ليس حرا طليقا، بل مقيدا تحت إرادة السلطان.. إلخ.

كل هذا تحدث عنه، حتى لما جاءت النهضة الحديثة وتغير العالم وما يسمى بالثورة التكنولوجية، والثورة المعرفية… قال: أفاق المسلمون فوجدوا بهذه العقول الغافية النائمة… طرحوا سؤالا: ما السبب في تأخر المسلمين؟ فهو يتحدث في التاريخ، ويدرك سنن الله سبحانه وتعالى في الأمم، ويتحدث عن الفقه كيف تأثر، يتحدث عن العقل الفقهي وعن حال الفقه عن الانحسار والانكسار والتجزئة التي أصابت الفقه الإسلامي، وهو يتطلع من ذلك إلى بعث الفقه الإسلامي…

تحدث عن بعض المصطلحات، أذكر لك مثلا الفقه الكلي والاجتهاد الكلي، اجتهاد الكليات هكذا، هذه العبارات تدل على مشروع قائم بذاته، مشروع لبعث الفقه الإسلامي من جديد. ولما تحدث أيضا عن مقاصد الشريعة الإسلامية تحدث بطريقة تجديدية انتقد جمود العلماء على أشكال، ربما حتى في بعض مقاصد الشريعة تمسكوا ببعض الأشكال وبقوا عليها زمنا طويلا. وأشاد بالعمل الذي قدمه الإمام الشاطبي رحمه الله وأعجب به، لماذا؟ لأن الإمام الشاطبي جدد، من خلال طرح النظر الكلي في مقابل النظر الجزئي. ويعطينا الشيخ ياسين بعض الأمثلة. وأعجبني مثال ذكره لما تحدث عن فقه الزكاة قال حولان الحول بالنسبة للمزكي، هذا فقه فردي، لكن الفقه الكلي في زماننا هذا تفرضه مقاصد الشريعة الإسلامية، كيف ينبغي لنا أن نراعي مقاصد الشريعة، المقاصد الضرورية المتعلقة برواج المال وتسيير تناوله من الاحتكار وما إلى ذلك. هذه المقاصد هي التي ينبغي أن ينظر إليها الفقيه، هذا ما يسمى بالفقه الكلي، كذلك الاجتهاد الكلي، كذلك جانب آخر لفت نظري وفي الحقيقة أنا عندي أبحاث سابقة في هذا الموضوع الذي هو موضوع الحداثيين المعاصرين المتأثرين بالحضارة الغربية وبالفلسفة الغربية والاجتماع الغربي تلاميذ المستشرقين هو يسميهم المتغربين ويسميهم الإسلامولوجيين. فوجدت أنه ينتقدهم نقدا موضوعيا ونقدا بليغا، وفعلا هؤلاء تجرؤوا على الفقه وعلى أصول الفقه، زعموا وضع أصول جديدة، هو يتحدث عنهم، حتى تمنيتُ أنني قرأت هذه المصادر ووضعتها في أبحاثي السابقة، هؤلاء الحداثيين ينتقدهم ويذكر أمثلة عنهم، الذين يريدون إفراغ المنهجية الأصولية من محتواها، ويهاجمون أصول الفقه، وأنا أعرف من قبل أنهم حاولوا وضع أصول فقه جديدة، هناك شخص معروف اسمه حسن حنفي له كتاب من جزءين سماه “من النص إلى الواقع”. يقول هذا الكتاب الذي يؤلفه هو الحلقة الثالثة بعد المستصفى للغزالي والموافقات للشاطبي، يرفع من قدر كتابه، والغرض منه هدم أصول الفقه يقول من النص إلى الواقع بمعنى أن نترك النص وننظر إلى الواقع، يصور لنا في عبارة له أن الفقيه ينزل الحكم على الواقع والنص عبارة عن أسطوانة مفرغة مفتوحة الطرفين يمر من خلالها إلى الواقع ولا يعتبرها…

فالشيخ ياسين اهتم بهذا الجانب اهتماما بالغا لأنه يدرك خطورة هذا الفكر المنحرف وأعتقد أن هذا الجانب من فكر الشيخ عبد السلام ياسين ما زال يحتاج إلى عناية، أنا آمل من نفسي ومن غيري أن يعنى بهذا الجانب بالمزيد من البحث، والقضية ليست فقط أن نبحث في هذه المسائل في كل فكر الأستاذ ياسين في كل المجالات؛ الدعوية والتربوية، ينبغي أن يعتنى به ويخرج إلى الواقع ونحاول أن نستفيد منه.

هل تجد من خلال كتابات الأستاذ ياسين الغزيرة، أنه استطاع أن يثري الفكر والعمل الإسلامي؟

هذا أكيد، إنه بما قدمه أثرى الفكر الإسلامي ونظر إلى الحركة الإسلامية ولعملية الإصلاح في كل المجالات، بل أقول إن فكر الأستاذ ياسين يستفيد منه الداعية، يستفيد منه الإعلامي، يستفيد منه عالم الاجتماع، يستفيد منه الفيلسوف، يستفيد منه القانوني، يستفيد منه الفقيه وحتى المتخصص في الاقتصاد يستفيد لأن الشيخ ياسين كتب في جميع هذه المجالات وأبدع فيها وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، الله وفقه لهذا، وفي الحقيقة أن أتمنى لهذا الفكر المزيد من العناية، لأن العلماء يقدمون لنا أحيانا دررا من الفوائد ومن العلم ومن المنهج ولكن الأمة الإسلامية عموما لا تعتني بعلمائها ولا تستفيد منهم بالشكل الكافي وربما في كثير من الأحيان لا ينتبه الناس إلى العالم وفكره حتى يتوفى، والحمد لله أنا لاحظت أن الإخوة القائمين على المؤتمر الحمد لله تنبهوا لمناقشة نظرية المنهاج النبوي وبدؤوا بمركزية القرآن في حياة الشيخ والحمد لله وهو يستحق أكثر من هذا.

أمنيتي أن تستفيد الأمة الإسلامية كلها من علمائها ولعل هناك علماء، بل بالتأكيد هناك علماء لهم اجتهادات، ولهم إسهامات مهمة جدا ولكن لم يلقوا العناية الكافية، أنا أتساءل ما السبيل كي نستفيد من علمائنا؟ لأنه، خصوصا منهم أصحاب التجربة العميقة وأصحاب الرأي السديد.. وطبعا هؤلاء العلماء ليسوا أنبياء وإنما نستفيد منهم، وقد نكتشف أخطاءهم فنتجنبها، ولكن في الاهتمام بعلمهم الكثير من الخير.

كلمة أخيرة عن هذا المؤتمر حول فكر الأستاذ عبد السالم ياسين.

والله صراحة أنا معجب جدا بالإخوة المنظمين للمؤتمر، مؤتمر منظم جدا، حتى مستوى المحاضرات.. ممتاز جدا، وأقول لك شيئا أنا أعجبت بشباب المغرب لأنه لفت نظري بمداخلاته، أنا لا أتحدث عن الشيوخ أمثالي وإنما أعجبني هؤلاء الشباب ما شاء الله، أعجبت بهم كثيرا، وهذا يبشر بمستقبل دعوي إصلاحي إن شاء الله، وأسأل الله عز وجل أن ينفعنا بعلم الشيخ ياسين وبعلم غيره من العلماء، ليس فقط في المغرب ولا المغرب العربي ولا المغرب الإسلامي وإنما في العالم الإسلامي كله. وهذا الحوار بين باحثين في العالم الإسلامي ضروري جدا لنستفيد وما يستفيد الباحث إذا لم يعط ما عنده، إذا لم ينظر إلى من يخالف، إذا لم يتعرف إلى الجديد؟ هذه المخالطة تغذي ذهن الإنسان، يستفيد ويوسع من مداركه.. وقد يصحح أخطاء كان عليها وقد يستفيد من مناهج جديدة.

وأسأل الله لي ولك العافية.