تركز المحور الثاني الذي اتخذته الجلسة العلمية الثانية، من مؤتمر مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، موضوعا لها عن القرآن الكريم والمراجعات الأصولية والفقهية واللغوية في نظرية المنهاج النبوي.

وقد ترأس هذه الجلسة الدكتور البشير أرياصوري أستاذ باحث في الفكر الإسلامي ومترجم كتاب المنهاج النبوي إلى اللغة التركية، وشارك فيها: الدكتور محماد رفيع من جامعة محمد بن عبد الله بالمغرب، والأستاذ الصادق الرمبوق باحث في فلسفة التواصل من جامعة عبد الملك السعدي بالمغرب، والأستاذ عز الدين احميمصة من جامعة مونتريال بكندا، والدكتور رشيد بلحبيب أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة قطر، والدكتور الدوادي بن بخوش قوميدي من جامعة باتنة بالجزائر.

الدكتور رشيد بلحبيب، أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة قطر، والذي قدم بحث “لغة القرآن الكريم في كتابات الشيخ ياسين: المنزلة والوظائف”، ذهب إلى القول بأن لـ”اللغة العربية أو “اللغة القرآنية” كما يسميها الشيخ ياسين، منزلة متميزة في المعمار المعرفي لكتاباته، ومع أنه لم يخصص لها فصولا بعينها في أي من كتبه، إلا أن حضورها وسريانها في شرايين مؤلفاته تنظيرا وتطبيقا، أمر ملحوظ، فقد كان على وعي عميق بأهمية اللغة العربية، وتأثيرها في فهم الدين وإدراك أسرار العبارة القرآنية، وتوحيد الأمة على كلمة سواء”.

الباحث في فلسفة التواصل في جامعة عبد الملك السعدي بالمغرب الأستاذ الصادق الرمبوق، فقد قدم بحثا حمل عنوان “لغة القرآن في نظرية المنهاج النبوي”، قال بأن نظرية المنهاج النبوي تقر بأن “التحدث بلغة القرآن في عصر ساد فيه حديث الفلسفة والثقافة والفن واللذة والمنفعة و”السعادة” والمتعة والمردودية وتوابعها مَدخل صعب. فما من كلمة من المفردات في قاموس المثقفين إلا لها خلفيات لاييكية فلسفية. ما منها إلا له دلالات ومرجعيات معناها من هناك وإن كان مبناها يتأرجح ويترنح ليزعم أنه عربي. لكن صاحب النظرية لا يجد من الاستجابة لهذا التحدي بدّاً. لذا يضطر إلى استعمال مصطلحات العصر ومفاهيمه، لكنه استعمال واع يستكنه مصادر المفردات، فيكشف أصولها ليعلم هويتها وما تحمله”. وذهب الباحث إلى أن الأستاذ ياسين قدك نقدا صارما يعُمّ قيادات الحركة الإسلامية ومرشديها، عبر الكشف عن انحراف الخطاب الإسلامي عن لغة القرآن وانزلاقه إلى لغة عصرية لاييكية تزداد عن ذكر الله والغيب والآخرة بُعداً.

أما الدكتور الدوادي بن بخوش قوميدي من جامعة باتنة بالجزائر فقدم دراسة “القرآن الكريم مصدرا للمعرفة الفقهية في نظرية المنهاج النبوي: دراسة وصفية تحليلية”، موردا تنبيه الأستاذ ياسين إلى التجزئة التي يعاني منها الفقه والتي “تمثل تحديا لنا أن نقوم لنجمع بالاجتهاد شتات العلم، متخطين كل التجزئات وكل الأفكار والاجتهادات والمواقف النسبية المظروفة بظروفها التاريخية. لنعيد كل اجتهاد سابق إلى نصابه، نعرضه في حدود نسبيته على النموذج النبوي الكامل الذي طبق كلمة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها… يساعد على ذلك النظرِ الكليِّ فهمُ مقاصد الشريعة واعتبارُها في الاجتهاد، وإلا فإننا “نفهم ديننا نُتفا ممزقة إن غفلنا عن المقاصد العليا للشريعة وأخذنا الأحكام منفصلة بعضها من بعض”…”.

ومن جهته عرض الأستاذ عز الدين احميمصة، الباحث في علم الأديان من جامعة مونتريال بكندا، أهم أفكار بحثه “أصول علم التفسير وقواعده في نظرية المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين”، وقدم من وجهة نظره موقف الأستاذ عبد السلام ياسين من “علم التفسير كما هو موروث، عبر ثلاث مواقف على سلم واحد صاعد، خطورة خطوة في غير تحامل ولا جمود، وهي الاحترام والتوظيف ثم التجاوز. فـ”الاحترام” هو تفادي التحامل على المجتهدين الأوائل، وتثمين جهودهم. و”التوظيف” هو وضع أعمال العلماء السابقين في نسق تصوري يخدم متطلبات الأمة للنهوض والتجديد. و”التجاوز” هو اقتراح اتجاه تليد في النظر في القرآن، يختلف عن الموروث بحيث يجعله مصدرا للفقه الجامع عوض الاحتياجات الفروعية الجزئية واستنباطه خادما لتجديد الدين والإيمان…”.

أما مداخلة الدكتور محمد رفيع من جامعة محمد بن عبد الله بفاس من المغرب فقدم جملة من أهم الأفكار التي عرضها في بحثه “مراجعة التراث الأصولي والمقصدي في ضوء الكليات القرآنية عند الاستاذ عبد السلام ياسين”، وخلص إلى القول بأن الأستاذ عبد السلام ياسين حكم في مراجعاته للتراث الأصولي ثلاث كليات قرآنية هي الشورى والعدل والإحسان. مشددا على أن الرجل جعل “حدث الانكسار التاريخي فاصلا حاسما بين مرحلتين في تاريخ الاجتهاد، مرحلة الاجتهاد الكلي، ومرحلة الاجتهاد الجزئي”. كما أعاد الأستاذ ياسين، حسب الباحث، “النظر في ترتيب مقاصد الشريعة في ضوء واقع الأمة، فجعل التمكين للدين كله المقصد الأسمى، ووحدة الأمة أم المقاصد الآن، واعتبر التراث الأصولي صادرا عن منهج جزئي فرضه السياق التاريخي، ينبغي تجاوزه إلى المنهج الكلي ليقوى على استنباط الأحكام الكلية”.