انطلقت أشغال الجلسة العلمية الثالثة في اليوم الأول للمؤتمر برئاسة الأستاذ محمد محمود سيدي. ودارت محاور الجلسة حول “دولة القرآن والمعرفة التاريخية في نظرية المنهاج النبوي”، وشارك فيها الأستاذ زكرياء السرتي من جامعة السلطان المولى سليمان بالمغرب، والأستاذ محمد جنايد الحداد من جامعة عبد الملك السعدي بالمغرب، والدكتور محمد محمود كالو من أكاديمية الأندلس، والدكتور أحمد زقاقي عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والدكتور باسل خلف حمود الزبيدي من جامعة صلاح الدين بالعراق، والدكتور عبد القادر آيت الغازي من جامعة السلطان المولى سليمان بالمغرب، والأستاذة زينب التدلاوي باحثة الدكتوراه من جامعة عبد الملك السعدي من المغرب.

المداخلة الأولى كانت للأستاذ زكريا السرتي تحت عنوان: “حقوق الإنسان في دولة القرآن: المرتكزات المعرفية والمنهجية”، حيث تحدث عن “التأصيل القرآني والنبوي لحقوق الإنسان، وعن كيفية تنزيلها في الواقع، والعقبات التي تحول دون ذلك”، وأنه “بمعيار القرآن، وبمشكاة السنة، نبصر حقيقة الإنسان القادم من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، المنتقل بعد حين إلى الدار الآخرة ليدرك حقيقة عمله وإنجازه. وبمعيار الوحي، يضع الأستاذ ياسين معالم النظرة إلى الإنسان الذي يسعى جاهدا لنيل حقوقه والاستمتاع بحرياته” لأن “الحديث عن حقوق الإنسان دون الدخول في البحث عن نفسية الإنسان الذي يطالب بالحقوق، والإنسان الذي يستبد ويحرم الناس من حقوقهم، إنما هو التفاف والتفات عما يؤَصل داء السَّكِزُفْرِنيا في الرأس، ومرض التشاكُس في العقل، ووباء الظلم الاجتماعي، والفساد الخلقي، وسائر العاهات السياسية الاقتصادية العقَدِيّة.”

المداخلة الثانية في الجلسة الثالثة كانت للأستاذ محمد الحداد في موضوع: “مفهوم دولة القرآن في نظرية المنهاج النبوي”، أكد فيها أن “الغاية الأولى لدولة القرآن هي تحرير الإنسان، والمقصود بالإنسان المسلم وغيره ممن تجمعنا بهم رحم الأخوة الآدمية. وهذا التحرير يكون بتبليغ رسالة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم إليه، حتى يعي حقيقته ويرقي فطرته من إسلام إلى إيمان فإحسان، وبإعداد النموذج التنموي الناجح. وذلك بتحصيل العلوم الكونية وتطويرها، لتصير خدمة لغايات دولة القرآن وأهدافها. والغاية الثانية هي إقامة الدين بمبدأي الشورى والعدل، ولإقامة العدل لا بد من سند الأسوة، وهو الاقتداء بهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسند الشعب، وذلك بالكينونة معه وحمل همومه”.

المداخلة الثالثة أكد فيها الدكتور محمد محمود كالو من أكاديمية الأندلس في موضوع: “الأساس القرآني لثقافة اللاعنف عند الأستاذ ياسين”، أن “اللاعنف هو المنهج الذي سار عليه الأستاذ عبد السلام واتخذه مبدأ مهماً في الدعوة والإصلاح فقال: “شرف المؤمن والمؤمنة في أزماننا هذه الغريقة في جاهليتها وجهلها بالله والمعاد أن يتعهدا البذرة الدفينة في كل فرد بالدعوة الحكيمة والرفق الحاني والمحبة والإيناس” فبالرفق واللين يكون تغيير الواقع لا بالعنف؛ لأن العنف يهدم ولا يبني، ولا يغير العنف إلا المظاهر والهياكل النخرة”. “لا نحب العنف ولا نقول به. ونعوذ بالله العلي العظيم من خصلة العنف، وهي ملمح من ملامح الجاهلية، ولازمة من لوازمها، ومعنى من معانيها” ويضيف بأن التهييج والعنف، لن تؤدي إلى بناء حالة ترضي. لأن العنف يهدم. وقد يخر البناء الهرم كله على رأس الكل في فتنة عارمة غاضبة قاتلة مبيدة”.

“الرؤية القرآنية للثورة وإعادة البناء من خلال كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين”، هو عنوان المداخلة الرابعة. الدكتور أحمد زقاقي عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أشار في هذه المداخلة أن “المطلع على كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين سيقف على نظرات دقيقة في مسار الثورات ومآلاتها وشروط نجاحها، والعقبات التي تعترضها”، وأنه “بدأ عملَه التأصيلي بتخليص مصطلح “الثورة” مما شابه من الفلسفات المادية التي ربطته بالعنف، والسعي إلى إفناء طبقة لتحل محلها طبقة أخرى؛ لذلك نبه على الملامح القرآنية الكبرى لما سماه “القومة” بدل مصطلح “الثورة”، ومن تلك الملامح القرآنية خلص إلى بيان مجموعة من المستفادات العملية والنظرية”.

أما المداخلة الخامسة في هذه الجلسة الثالثة فتناول فيها الدكتور باسل خلف حمود الزبيدي من جامعة الموصل بالعراق “مفاهيم التجديد والقومة والمرونة عند الشيخ عبد السلام ياسين”. ويرى الدكتور الزبيدي أن “القومة لدى الشيخ هي قيام بواجب الدعوة لإقامة الدين النابع من قوة الإيمان للوقوف أمام الطغيان وشهادة بالحق والعدل ورحمة وثبات وصبر واحتمال للأذى وثقة وعمل دائب وحرص على الاتفاق والاجتماع مع مراعاة الزمان والمكان لتحويل الناس بالتدريج إلى الولاء لله ورسوله وشريعته، وليست عنفا ولا قتلا ولا انقلابا وإنما تربية وتخطيط وتنظيم تسلك السلم والرفق طريقا وسبيلا إلى إحقاق الحق ونهضة للأمة في جميع الميادين تقودها طليعة مؤمنة من جند الله لفرض العدل والإحسان”.

وأكد الدكتور عبد القادر آيت الغازي من جامعة السلطان المولى سليمان بالمغرب في المداخلة السادسة في موضوع “الوحي وفقه التاريخ عند الأستاذ عبد السلام ياسين” أن “مظاهر ثقافة الرجل التاريخية كثيرة، وتجلياتها عديدة، إذ لا يخلو موضع من كتاباته وأحاديثه إلا وفيه إشارة إلى الماضي القريب والبعيد، يتطرق لوقائعه وأحداثه الهامة والمهمة، ويستمد منه الخبرة، ويستخلص منه العظة، ويستنتج قوانين وسننا، ويتخذ منه مددا وسندا لفكره ونظره ورؤيته. كما حاور نظريات تاريخية وانتقد أطروحات، ووجدناه أيضا يلح على التاريخ، وعلى ضرورة الوعي التاريخي، وعلى الحاجة إلى محو الأمية التاريخية عن أمة تريد أن تصحو وتنهض…”.

وكانت آخر مداخلة في هذه الجلسة الثالثة (المداخلة السابعة) تحت عنوان “المعرفة التاريخية في نظرية المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين”، وكانت للأستاذة زينب التدلاوي، باحثة الدكتوراه من جامعة عبد الملك السعدي من المغرب، حيث أشارت أنه “تنبني نظرية الأستاذ عبد السلام ياسين على المنهاج النبوي؛ باعتباره الضوء الكاشف الذي منه يتطلع لرؤية الأحداث التاريخية المعاصرة، واستشراف مستقبل الخلافة على منهاج النبوة”، واستشهدت بكلام الأستاذ عبد السلام ياسين في الموضوع: “على هذا الضوء نرى الأحداث التاريخية نرى التطور المذهل في العلوم والتكنولوجيا استأثر بهما من دوننا أعداء الإسلام، نرى الاتفاق بين شطري الجاهلية على التصدي العدواني لنهضة الإسلام، نرى فرقة المسلمين وتمزقهم، نرى هيمنة المادية الجاهلية وثقافتها في العالم، نرى احتلال العدو لأرض المسلمين وعقلهم، نرى الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين المجزئة أقطارا ودويلات تمثل الحكم الجبري الذي يتحدث عنه الرسول صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح الذي يبشرنا بإشراق شمس الخلافة بعد ظلام العض والجبر…”.