تعيش أمتنا، اليوم، مرحلة دقيقة وحاسمة ومصيرية من تاريخها الطويل، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأنها أصعب مراحلها على الإطلاق. ذلك أن هذه المرحلة تتميز بكونها تفصل بين قرون ماضية، عرفت نهاية القرن الهجري الرابع عشر منها منتهى التردي للأمة إلى دركات الانحطاط السياسيي والفكري والاجتماعي والاقتصادي، تداعى فيه عليها الاستبداد والاستعمار، وبين مستقبل أطل من القرن الخامس عشر الهجري إطلالة مبشرة، أحيت الأمل في العودة إلى إمامة الدنيا، وإلى الشهادة على الأمم وعلى الناس.

وقد كان الأستاذ عبد السلام ياسين على مدى أربعين عاما، في مقدمة المبشرين بغد الإسلام القريب، المستنهضين الباعثين لهمم الأجيال لتجديد هذا الدين العظيم بتجديد الإيمان في القلوب والعزائم في الإرادات والأفهام في العقول، لإعادة قراءة مصدر قوة الأمة وهو الوحي، قرآنا وسنة، قراءة جديدة، بل لتحياها حياة جديدة تتعرض فيها لموعود الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم بتمكين دين الله في الأرض بعد طول غياب.

وقد سار الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا السبيل، منظرا ومنظما ومفكرا ومربيا وداعيا إلى مشروع تغييري، غايته إقامة العدل في الأرض، وتنشئة أجيال مؤمنة تتطلع لأعلى مراتب الدين وهو الإحسان، إتقاناً وصلة وعبودية لرب العالمين كأنها تراه.

ومن أجل هذا الهدف، أغنى الأستاذ المرشد المكتبة الإسلامية بعشرات الكتب والرسائل، التي رام من خلالها بسط نظريته في التغيير أمام العاملين في الحقل الإسلامي الذي يحتاج إلى علماء ربانيين ذوي نظر، وإلى منظرين ذوي بصيرة، وإلى قادة رواد، وإلى مربين مرشدين حكماء، وإلى منظِّمين خبراء بالنفوس وبالميدان، يجمعون بين القدرة على تطبيب النفوس العليلة الخاملة، وبين مواجهة مكر الباطل وألاعيبه وحيله وجنده وحلفائه، بالثقة في الله عز وجل أولا، ثم بالعلم والحنكة والخبرة اللازمة للمواجهة، وبالقدرة على التخطيط والتنظيم والتوجيه والتعبئة والإدارة والتنفيذ والتقويم في أصعب الظروف وأعقدها.

ولعل المؤتمر الذي ينظمه “المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية”، و”المعهد الأوربي للعلوم الإسلامية”، بتنسيق مع “مركز وقف دراسات العلوم الإسلامية”، في 17 و18 محرم 1434 هـ الموافق لـــ 1 و 2 دجنبر 2012 بإستانبول بتركيا، حول: مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين)، لعله يسلط الضوء على جانب مهم وأساسي في مشروع الأستاذ المرشد، الذي طالما دعا من خلال كتاباته إلى إعادة قراءة القرآن الكريم قراءة جديدة تجدد الرؤية إلى الوحي بما هو المحور الأساس الذي يدور حوله أي تغيير مرجو للنفس البشرية لتكون جديرة بحمل رسالة ربها وتبليغها، وأي تغيير مرجو للأمة لتكون مستحقة للشهادة على الناس ولقيادة الإنسانية إلى شاطئ الأمان والسلام والأخوة.

إن المشروع التغييري الذي طرحة وفصله الأستاذ عبد السلام ياسين على مدى أربعين عاما، لم يكن أبدا أرضية ومنطلقا للعمل في الحدود الضيقة لمغرب الأمة فحسب، بل كان، كذلك، ومنذ أول يوم، مشروعا للعمل موجها إلى الأمة بأسرها، ومقترحا للتأمل والتفكر والممارسة حيثما ظهرت الحاجة ماسة إلى خبرة الخبراء لبعث هذا الدين من جديد.

ولئن كانت أساليب الحصار وألوانه وأجناده، ومنها الحصار الإعلامي، قد حاولت مدة طويلة حجب هذا المشروع الكبير عن الناس في الداخل وفي الخارج، فإن هذا المؤتمر يعد حلقة مهمة في الجهود المبذولة لكسر هذا الحصار، في مرحلة تشهد فيها الأمة ربيعا مبشرا بصبح جديد، ولكنه ربيع تتداعى عليه الأعداء لطمسه وتشويهه ووأده، وهو ما يجعل من توسيع الاطلاع على فكر هذا الرجل وتنظيره ومشروعه التغييري، موضوع هذا المؤتمر، فرصة لقراءة واستلهام نظرية المنهاج النبوي في سياق ما تخوضه الأمة من محاولة للانعتاق والانطلاق، وفي سبيل تحقيق الأمة لغاياتها السامية.