1. حتمية الربيع العربي الإسلامي

المقصود بالربيع العربي الإسلامي هذا التحول التاريخي الذي تعرفه المجتمعات العربية والإسلامية بالانتقال من واقع الحكم الفردي الاستبدادي إلى واقع الحرية والكرامة والعدل السياسي والاجتماعي الذي تنظمه، في السياق الإسلامي معاني الشورى، وفي السياق الغربي معاني الديمقراطية، حيث مع مرور الزمن سيحصل في الفهم والوعي والسلوك العام الفروق الجوهرية بين السياقين بعد تجاوز لحظة الغموض الكبير الذي يهيمن على هذا المستوى لدى النخبة والقيادات الفكرية والسياسية التقليدية، وبعد أن تتقدم الحركات الإسلامية بتجاربها وإنتاجاتها في مجالات تدبير الحكم وأنظمة المعارضة في كل صورها وأشكالها، وفي مجال بناء المؤسسة المجتمعية وتنظيم علاقاتها.

وهو عربي أولا وإسلامي ثانيا حيث أصبح من المفروض أن قيادة عملية التغيير الجذري في هذا المسار مرهونة بالعالم العربي وبقيادته بعد الانحدار الكبير الذي عرفته قومة الإمام الخميني بإيران خلال العقد الأخير، وبعد محدودية سقف التجربة التركية مع حزب العدالة والتنمية لما ارتبط بمعاني “الخلافة العثمانية”. ثم هو كذلك باعتبار موقع القضية الفلسطينية الجغرافي والإسلامي وبأهميتها في صناعة الوعي والإرادة والقومة لدى الشعوب العربية والإسلامية وتحديد بوصلة وأفق حركتها التاريخية.

ولاشك أن أهم عامل في هذا الربيع العربي الإسلامي هو حركة الشعوب مع قيادة حقيقية جامعة مرتبطة بقضية وجودها التاريخي والإنساني الذي لاشك له علاقة بالموقع الجغرافي، فالانتباه إلى المعنى العربي الإسلامي في مقتضى التحول التاريخي القائم اليوم عامل مهم في فهم ما يجري منذ مدة طويلة من عمليات اصطفاف مجتمعي وسياسي تحدث في عمق المجتمعات بطريقة هادئة قد تكون لها تجليات حادة وعنيفة في أحايين كثيرة، وهو ما يقتضي وعيا دقيقا حتى لا تصبح عملية التحول التاريخي هذه مستنقعا قاتلا بعفونة فكرية وسياسية واجتماعية ونفسية ومالية تشوش على اتجاه حركة التاريخ حيث تكون ساعتها نسبة الضحايا كبيرة لأن عجلة التاريخ لا تتوقف أبدا ولا تغير اتجاهها مطلقا. ومن هنا تكون المسؤولية كبيرة على فئة العلماء والنخبة بكل فئاتها لتقلل من نسبة الضحايا الذين يكونون في مرحلة هم المستضعفين وفي مرحلة أشد يعم الهلاك والدمار الجميع بما كسبت أيدي الناس. لذلك لا نمل من التأكيد على ضرورة بناء القيادة المجتمعية التي ترعى حركة الشعب وتنظمها وتحصنها.

إن تجنب وضعية الدمار والانهيار الشاملين تحصل من خلال الانسجام التام مع حركة التاريخ والتوافق مع دوران عجلاته؛ فدورة التاريخ واتجاهه متوافقة تماما مع قصد الله تعالى من كونه، ولا دخل للإنسان مهما كانت قوته وموقعه في تحديد ذلك أو التأثير فيه، ومن ثمت كانت مقاومة الاستبداد والفساد، أي الاستكبار بالمعنى القرآني، واجبا إنسانيا وفرضا إلهيا لأجل تحقيق الحرية والكرامة والعدل والاستقامة حتى يكون الاختيار حرا ونزيها وقاصدا.

فلا خيار أمام الشعوب العربية والإسلامية إلا القيام الجماعي لبناء قوة الحرية ووحدة القوة واستقلال الأرض والقرار حتى يكون لها معنى في الوجود الإنساني. ولا شك أن لهذا القيام مراحل قد تطوى في لحظات مفاجئة للكثير كما هو الشأن مع ما سمي بالربيع العربي.

2. حتمية الاصطفاف المجتمعي والسياسي لتنظيم عملية التدافع محليا وإقليميا ودوليا

حينما تخفق القيادة في امتلاك الكفاءة على إنجاز عملية تصنيف دقيقة وواقعية للمجتمع الذي تتحرك فيه تخفق بالتلقائية في بلورة التصور الذي يمكن من إنجاز أهداف النهضة ومقتضيات الحرية الحقيقية، لأنها تخفق تماما في التحكم في بناء عملية تدافع مستقيمة سياسيا ومجتمعيا، وهو ما يؤدي إلى واقع صراعي وصدامي سلبي كليا تؤدي الأمة ثمنا باهظا للخروج منه، خاصة لما يصبح السلاح أهم أداة فيه للحسم، وهي ميزة المجتمعات الجاهلية والمجتمعات التي تضرب في أعماقها معاني الفتنة حيث يختلط الحق بالباطل فلا يصبح التمييز بينهما سهلا.

ومن المعلوم أن الاصطفاف المجتمعي والسياسي يكون إيجابيا لما يحصل الوعي الصحيح بالأحجام على مستوى المجتمع وبمدى امتدادها في المستقبل، وبإمكاناتها السياسية في إدارة الشأن العام والخاص، سواء من موقع المعارضة أيا كان هذا الموقع، أو من موقع الحكم أيا كان شكله. ومن ثمت تكون إدارة التنافس الطبيعي والتدافع الفطري على قواعد الحرية ضرورة وواقعا لا مفر منه. وهو ما يعني أن يكون المطلوب أولا توفير شروط الحرية على قاعدة الوعي بالأحجام والمواقع والقدرات والكفاءات والمهمات بما هو حتمية مجتمعية وسياسية استراتيجية ومصيرية.

فالاصطفاف المجتمعي واقع محتم مهما هيمنت درجة الغموض على الحياة السياسية والمجتمعية. فإما أن ينجز بوعي من الجميع أو تفرضه طبيعة الصراع، وفي هذه الصورة الأخيرة يخضع لعامل توازن القوة العنيفة بحيث تفرض أقلية أو فئة أو عائلة نفسها على الجميع من خلال قوة نار القتل والفتنة والهرج والمرج، وتوظف ما احتكرت من وسائل الثروة والسلطة المعنوية والمادية لتظهر نفسها الأغلبية المطلقة والباقي أقليات مجتمعية أو سياسية عليها الخضوع واحترام خيار الأغلبية!.

إن هذه الصورة جعلت من الصراع المجتمعي والسياسي في كثير من ألأقطار العربية والإسلامية مقلوبا وغامضا ووهميا في كثير من الأحيان، بحيث ضاعت كثير من جهود وخيرات الأمة في معارك غير حقيقية ومكلفة، بل كثير من الفضلاء في الفكر والسياسة والحركة لم يفلحوا في تحديد مواقع حركتهم فخاضوا مواقف ومعارك من مواقع غير مناسبة مما أدى إلى انتكاسات قاتلة ل”نضالهم” وجهادهم.

وهنا ينبغي الانتباه إلى عمق تجربة “الإخوان المسلمون” في العالم العربي وتجربة “العدل والإحسان” في المغرب، وقبل هذا وذاك إلى محورية القضية الفلسطينية في بناء وتصحيح وقائع الصراعات والتدافعات في المجتمعات العربية وحتى الإسلامية لما انتقلت قيادة المقاومة من منظمة التحرير الفلسطيني إلى قيادة المقاومة الإسلامية بزعامة حماس وباقي التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية. وهذا لا يقلل من قيمة نضال باقي المرجعيات، وإنما للتأكيد على أن المواقف الكفاحية إنما تصدر عبر تدقيق جيد للمواقع الكفاحية بما يجعل كل وسيلة كفاحية في مكانها المناسب وزمانها المناسب لتحقق الهدف المناسب.

ما نخلص إليه هنا أن هيمنة الاستبداد والعمالة للخارج على الحياة السياسية والمجتمعية في عالمنا العربي والإسلامي لقرون وعقود طويلة أنتجت من خلال تحالفها مع الكيان الصهيوني، بما هو امتداد استكباري استعماري، واقعا تدافعيا وصراعيا غامضا وغير صحيح الوجهة والوسائل في كثير من الأحيان، لذلك هيمنت الروح الانقلابية وتضارب المصالح الضيقة على مجاري حياة المجتمعات والحركات كما هيمنت عوامل الاضطراب والاضطهاد في الحياة السياسية، لكن وجود القضية الفلسطينية من خلال مراحل الصراع مع الكيان الصهيوني بكل نتائجه العامة والخاصة وبكل أبعاده وامتداداته المحلية والإقليمية والدولية ساهم بشكل كبير في إنتاج عملية اصطفاف هامة، بل أدى إلى نوع من الفرز السياسي والمجتمعي لا شك أن له الأثر البالغ في بناء عمليات سياسية محلية مفيدة بما يتحقق لها من استقامة في عملية التدافع وتصحيح في تحديد بوصلتها.

إننا حين ندرك معنى الاصطفاف المجتمعي والسياسي سواء من جهة طبيعة الأنظمة السياسية ومعنى ولائها الخارجي، أو من جهة البنية السياسية والمجتمعية لدى الشعوب نحصل وعيا ميثاقيا يقود البلاد من خلال حركة جماعية بقيادة مجتمعية أفرزتها عملية تدافعية سليمة وصحيحة، بحيث ينطلق كل واحد من خلال وعيه الدقيق وعلمه الصحيح بحجمه، ومن ثمة بموقعه ووظيفته. وهو ما نراه الآن يتم عبر عمليات قيصرية من خلال التدافع والصراع مع أنظمة استبدادية فردية أو فئوية أو عائلية، ومن خلال التدافع والصراع مع مشروع الكيان الصهيوني؛ سواء من جهة اغتصابه للأرض أو من جهة معناه في إعادة بناء الواقع العربي والإسلامي على قواعد الاستسلام والمسخ والانهزام. ولذلك كانت انتصارات المقاومة في الحروب الأخيرة كلها انتصارات استراتيجية ومصيرية، خاصة انتصار غزة الأخير الذي كشف عن المعنى العربي الإسلامي في إعادة بناء واقع الصراع مع المشروع الصهيوني في كل أبعاده، كما كشف عن حقيقة الأنظمة الاستبدادية والفئوية والعائلية من خلا خذلانها وشماتتها، وعن حقيقة أنظمة أقامتها انتفاضات حقيقية كمصر وتونس وليبيا…

وما يهم هنا أن المعنى القبلي في البنية المجتمعية لا خوف منه كلما كانت قواعد الحرية الحقيقية قائمة، بل يكون الخوف منه حقيقة فظيعة حينما يصبح ملاذا وحيدا، وهو أمر سلبي، من خلال الاضطهاد السياسي والمجتمعي واحتكار الثروة والسلطة وتسخير كل واحدة منهما لخدمة الأخرى، وتوظيف خلافات ومعارك هامشية وثانوية وغير حقيقية لفائدة توازن يخدم القبضة الحديدية التي تنتج فكرة: أن هذا الشعب يكون بهذا النظام القائم أو لا يكون، أو يتيح فرصة للمتربص الخارجي لينفذ مشاريعه الاستعمارية والتجزيئية للأرض والإرادة.

لذلك نحن أمام مهمة ثلاثية الأوجه لأجل أن تستقيم العملية السياسية المحلية وتمتد على وضوح لتصنع معناها الإقليمي والدولي فيظهر جليا أثرها الإيجابي في بناء نظام علاقات دولية عادل ومتوازن.

الوجه الأول: خوض معركة التغيير الجذري ضد أنظمة استبدادية فردية لا تكشف الأيام إلا صورها البشعة في الفساد والاستبداد ونهب خيرات الأمة وتبديد ثرواتها، وأنها مستعدة لارتكاب أبشع المجازر وأبشع أنواع المكر والدسيسة لتحافظ على نفسها، والمعنى السياسي لهذه البشاعة: لتنهار الدولة والسلطة والمجتمع وتبقى الأنظمة ولو فوق الخراب الشامل.

الوجه الثاني: خوض معركة تحرير القدس وفلسطين، إذ تحريرها عنوان تحرير الأمة، وهنا يجب امتلاك الوعي الدقيق الذي يربط بين تحرير الشعوب من قبضة أنظمة سياسية استبدادية وراثية وتحرير القدس وفلسطين وبناء وحدة الأمة والحفاظ عليها.

إن رجوع قيادة المقاومة في فلسطين إلى قيادة أصلية وحقيقية من خلال كل الانتصارات العسكرية والسياسية على الكيان الصهيوني الأخيرة يفرض بناء قيادة مجتمعية حقيقية داخل المجتمعات العربية والإسلامية لإنجاز لحظة الالتحام الميداني بين خط المقاومة على أرض فلسطين وخط التغيير الجذري داخل المجتمعات في أفق بناء الموقف الدولي الذي ينصف العرب والمسلمين.

الوجه الثالث: خوض معركة بناء القوة المجتمعية التي تتوج قيادتها لحركة المجتمع ببناء نظام سياسي قوي وحر وعادل، ولا شك أن هذه القوة المجتمعية خيار متعارض مع واقع الفسيفسائية التي صنعها الاستبداد المحلي لِما تنتج من ضعف في بنية المجتمع، ومن ثمة في حركته السياسية، وهو ما يمكن الاستبداد من تركيز أركانه والحفاظ على نفسه حتى يصبح في الفهم والعلم والسلوك أن لا خيار إلا هو وأن لا ضامن للوجود إلا هو وأن غيره الدمار والاقتتال، وهو ما يفرض ضرورة الوعي الميثاقي.

3. حتمية الوعي الميثاقي

لا تكشف الأيام والأحداث إلا عن واجب بناء القوة المجتمعية التي تتحمل مسؤولية القيام بمهام التغيير وإنجاز أهدافه واستراتيجياته، ولا شك أن أكبر معيق هو هذا الانقسام العمودي والأفقي الذي وصل في بعض المجتمعات حد الانشطار الذي قد يفتح باب جحيم الاقتتال الجاهلي، والذي هو ثمرة فعل أنظمة استبدادية فاسدة متحالفة مع الصهيونية أو مخترقة من طرفها أو عاجزة عن مواجهتها.

لقد كان قدر العرب أن لا يدركوا قيمة الاجتماع على الكلمة السواء إلا بعد شدائد ومحن، وإن عجزوا عن المضي قدما في إنجاز القيم الميثاقية على أرض الواقع حيث سجن الكثير منهم ضمن هويات ضيقة ما هي إلا سجن صغير، بل سجنت شعوب ضمن نزوة زعيم يتقن فن الخطابة كما يتقن فن القتل والبطش.

نعم قد يكون لحركات كبرى أهميتها ودورها الكبير في الحفاظ على خط البناء الصحيح، وقد تكون مضطرة لإنجاز مهام تاريخية باهظة الثمن بالنسبة إليها مع وعيها الكامل بمسؤوليتها في ذلك وبهذا الثمن مسبقا، لكن لم يعد من الممكن القول بأن حركة كبيرة تستطيع وحدها أن تنجز جميع مهام التغيير والبناء والإصلاح والحفاظ على المكتسبات والعمل على تحقيق المطلوب، ذلك أن الواقع التواصلي العام قرب المسافات في مجالات وعمق الخلافات في أخرى كثيرة وهامة، ومن هنا أصبح من الضروري الوعي بضرورة جمع الكلمة على حد أدنى ليس من المشترك فقط بل فيما هو ضروري للوجود وتكامل المهام والوظائف بالعلم التام بالمرجعية الجامعة التي تشكل مصدر كل القوة المجتمعية.

ومن هنا صار من الضروري تربية الجميع على امتلاك وعي ميثاقي يشكل جزء مهما من روح كل الأعمال الميدانية، بحيث تصبح حركة المؤسسات المجتمعية هي حركة القيم الميثاقية التي تبني جزئياتها على أرض الواقع وتتجاوز كل عناصر التفتت والتشرذم والتمزيق مهما كان شكلها ومضمونها حتى نصل في مرحلة متقدمة جدا من العلم بمعنى الجماعة القرآني النبوي الذي تصبح معه حركة المرء مهما كان موقعه ومسؤوليته جزء لا يتجزأ من المعنى الجماعي لحركة الأمة يفتل في حبلها ويقوي وجودها مهما اختلف مع غيره من الأشخاص والجماعات.

إن هذا المستوى القادم من الوعي الميثاقي لابد أن تسبقه مراحل في صوغ الفهم والعلم والسلوك المنتج للمعنى الجماعي لحركة الأمة لتكون قوة وتنوعا وفعالية تتجاوز كل الشدائد والمحن بأقل تكلفة وبأكثر فائدة.

وهنا ينبغي القطع مع المنطق التقليدي في بناء المصالح والمفاسد والترجيح بينها حيث لن ينتج هذا المنطق، عند سيادته على عمليات التفكير وتحديد المواقع الحركية وإنتاج المواقف الميدانية الآنية، إلا نفس الواقع مع تعديلات لا تمس الجوهر.

ولذلك لا يمكن بناء ميثاق وحركة ميثاقية تؤسس لواقع القوة المجتمعية بكل أبعادها إلا إذا تم الوعي الدقيق بواقع الاصطفاف الحقيقي من خلال عمليات تصنيف واقعية تدقق الأحجام سياسيا ومجتمعيا وفق ظروف الحرية والكرامة والعدل والمسؤولية وتنظر إلى حقيقة المشاريع المجتمعية المتدافعة على أرض الواقع دون تحيز أو تعصب بشرط القطع من كل صور الاستبداد ومصادره الواقعة والمتوقعة.