كتب قلم عن المقهى وكتب آخر عن المسجد. كتب الأول عن فضاء الزمان وتزجية الوقت، وكتب الثاني عن فضاء الزمان والمكان واستثمار الوقت. كتب الأول عن ضجيج الزبائن وصخب التلفاز وعن صيحات النادل تعلو بين الفينة والأخرى، وكتب الثاني عن سكون الليل وهدوء النهار وعن تحية السلام تتردد كلما دخل أحد المصلين.

كتب الأول عن شفاه ترشف الشاي والقهوة وعن أصابع تُداعب سيجارة تصاعد دخانها ليملأ كل فراغ يجده بعد أن حبسه السقف فيعانق دخان لفافات أخرى حتى لا تكاد ترى ملامح الوجوه والأشياء المحيطة، وكتب الثاني عن شفاه وألسن تلهجُ بذكر الله وعن أصابع تداعب حبات سبحة فيتصاعد فضل الذكر إلى ما لا نهاية…

كتب الأول عن عينين غارقتين في جريدة تاهت مواضيع مقالاتها في دروب هذه الدنيا وقد انتهى بهما المطاف إلى شبكة كلمات متقاطعة، وكتب الثاني عن عينين سابحتين في آيات مصحف شريف عرجت بقارئها من دنس الدنيا الفانية إلى عالم أرقى، عالم خطه قلم الغيب ضمن نسيج يعكس قدرة المبدع عز وجل.

كتب الأول عن أناس قلوبهم شتى وحّدتها الهموم فهم يتحاكوْنها لعلها تخفُّ أو تنتهي لكنها تأبى ذلك، فقد تنتهي المقابلة التي تعرضها الشاشة أمامهم وتفرغ الكؤوس بين أيديهم، وحتى اللفافات استحالت إلى رماد غصّت به صحون الفخّار الصغيرة التي مازالت بها قطع لم تلفظ أنفاسها الأخيرة، وكتب الثاني عن أُناس مهما اختلفت معاناتهم فالدعاء ومناجاة الخالق جمعت بينهم، يشكون جبروت الدنيا عليهم ويأنسون في تلك الخلوات انتظارا للصلاة بعد الصلاة.

كتب الأول عن حرج يُسببه النادل حين يأتي لتنظيف المائدة ويُطيل المسح ليطلب الزبون مشروبا آخر أو يغادر، فيقوم المسكين مُضطرا بابتسامة مُصطنعة ويداه تغوصان في الجيوب بحثا عن ثمن المشروب، وكتب الثاني عن مأموم يطلب القيام إلى الصلاة وإمام لا يطلب سوى صفوفا مُتراصّة بين يدي إله يطلب قلوبا سليمة طاهرة طُهر المكان والزمان… فلم يجد الأول شيئا يكتبه، لكن الثاني كتب بلغة رفق هادئة: رجائي عندك أن يترك الزبائن المقهى تستريح قليلا حينما يُؤذن المؤذن للصلاة..)