يقال إن فقه البخاري رحمه الله مبثوث في تبويبه على الجامع الصحيح، ومن لطائف إشاراته الدالة على فهمه النير تبويبه على الهجرة النبوية بعنوان: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة).

لقد فرقت بعض كتب السيرة النبوية بين الهجرة النبوية وهجرة الأصحاب بداعي استقلال كل حدث بزمن، وذلك من حتميات التأليف في هذا الشأن، لأنه خاضع للتسلسل الزمني، فكان الغالب الحديث عن الهجرة بالنسبة للصحابة توجههم نحو الحبشة دونما إفراد عنوان للهجرة إلى المدينة.

ولكن الإشارة في الجامع الصحيح تريد أن تقول إن حقيقة هذه الهجرة عمل إسلامي موحد دام لسنوات حتى فتح مكة، حينها قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: “ألا لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد و نية”. رواه البخاري.

لذلك كان علينا أن ننظر إلى حدث الهجرة النبوية نظرة كاملة غير منقوصة، ننظر إلى النبوة متمثلة في حبيب الحق المؤيد سيدنا ونور قلوبنا محمد صلى الله عليه و سلم، ننظر إليها وهي تجاهد وتصابر، تجتاز في سبيل الله المفاوز والمخاطر، ننظر إليها في ثباتها الراسخ، وسمو إيمانها البازخ، ويقينها في نصر الله الحسيب الوكيل.

ولتكون النظرة كاملة ننظر إلى الصديقية التي كانت ثاني اثنين إذ هما في الغار، وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا التوبة: 40.

ثاني اثنين إذ هما في الغار، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: وفي الآية أيضا فضل أبي بكر الصديق لأنه انفرد بهذه المنقبة حيث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة ووقاه بنفسه كما سيأتي وشهد الله له فيها بأنه صاحب نبيه) 1 .

ثاني اثنين إذ هما في الغار النبي المصحوب والصديق الصاحب، ثاني اثنين إذ هما في الغار النبوة والخلافة على منهاج النبوة، ثاني اثنين إذ هما في الغار نور الوجود وشعاعه الممتد إلى الأمة.

الصديقية حبل وصل بيننا وبين النبوة، وجب أن نتعلم منها أدب التوجه التام نحوها، ويوم الهجرة كان جامعا لأروع صور هذا الأدب، هو اليوم الذي قال عنه سيدنا عمر رضي الله عنه: والله ليوم من أبي بكر خير من عمر وآل عمر).

حديث من الجامع الصحيح أقترحه أرضية لنتتلمذ بين يدي الصديقية العظمى في حدث الهجرة النبوية المبارك فنقف على العناوين التالية:

الصديقية على منهاج النبوة صدقا وأخلاقا وحالا

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدَّغِنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة إن مثلك لا يخرُج ولا يُخرج، فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلادك. فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفار قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج. أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر. وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين. فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد لك جوارك وأرضى جوار الله.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “قد أريت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين”. وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهز أبو بكر مهاجرا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي”. قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: “نعم”. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر.

نتوقف هنا قبل أن نكمل مع الصديقة عائشة حديث الهجرة النبوية مستفيدين ثلاث صفات للصديقية:

1 – الصدق في طلب وجه الله

ما هم أبو بكر بالخروج إلى الحبشة إلا طلبا لوجه الله، انظر جوابه رضي الله عنه لما سأله ابن الدغنة عن وِجهته: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. ولم أجد في التاريخ كصدق أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لأن جميع من هاجر من أصحاب الأنبياء كانوا في رفقة أنبيائهم، إلا هؤلاء الأفذاذ فقد تركوا نبيهم وراءهم في مكة – وقلوبهم عامرة بحبه – متوجهين إلى الحبشة ثم بعد إلى المدينة طلبا لوجه الله، وكان أبو بكر في هذا آية حيث رد جوار ابن الدغنة وحمايته حين طلب منه كتمان صلاته فقال له أبو بكر: إني أرد لك جوارك وأرضى جوار الله.

وقد شهد له القرآن بالصدق في طلب وجه الله في سورة الليل: وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)

المواقف شهدت منذ صرخته في وجه قريش وهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) إلى يوم لحوق الحبيب بالرفيق الأعلى حيث خطب في المسلمين قائلا: أما بعد، مَنْ كانَ يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيّ لا يموت) 2 .

2 – موافقة الصديقية لأخلاق النبوة

هي الوراثة الكاملة لدى السالكين من أهل الإحسان، فالنبوة على خلق عظيم، خلق القرآن، والصديقية متوجهة بالصحبة إلى النبوة توافقها في أخلاقها، فيضحى الوارث الكامل خليفة على المنهاج النبوي المطبق لشرعة القرآن.

تذكر أخي القارئ أن السيدة خديجة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق).

أليس هو نفسه ثناء ابن الدغنة على أخلاق أبي بكر الصديق؟! قال ابن الدغنة لأبي بكر: إن مثلك لا يخرُج ولا يُخرج، فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. قال ابن حجر رحمه الله في الفتح: وفي موافقة وصف بن الدغنة لأبي بكر بمثل ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه و سلم ما يدل على عظيم فضل أبي بكر واتصافه بالصفات البالغة في أنواع الكمال) 3 .

3 – الحال الكاملة والقائمة

أبو بكر في حاله الإيمانية يؤثل لنا سمت الصديقية في عبادة الله، رجل يبكي في صلاته، ولا يملك نفسه من البكاء عند قراءة القرآن، شهدت به الصديقة عائشة في موضعين: شهدت به في حديث الهجرة هذا، وفي حديث: “مروا أبا بكر يصلي بالناس” 4 .

وفي متعبدي هذه الأمة وغيرها من كانت لهم أحوال من البكاء والخوف والخشوع لكنها تقصر عن حال النبوة والخلافة على منهاج النبوة إذا كانت تفتقد إلى التأثير في الآخر وتقتصر على صاحبها، فقد كان رسول الله وإخوانه من الأنبياء يملكون أحوالا كاملة قائمة تؤثر في من حولهم تأمر وتنهى وتدعو. وفي القرآن ما يدل على ذلك، قال أهل مدين لرسول الله شعيب عليه وعلى نبينا أزكى الصلاة والسلام: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) [سورة هود].

هذه الحال القوية نافذة إلى قلوب الناس، مؤثرة في من حولها، هي إحدى خصال الصديقية المهمة، حيث دعت إلى الله ودلت عليه، كما قال ابن عطاء رحمه الله: لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله).

إن الحال التي تغالب الكفر والنفاق في الميدان، هي الحال الإحسانية المرجوة في دين الحق، ونُظُم اللائيكية الحاكمة في بلاد المسلمين اليوم ترجو غير هذه الحال، ترجو حالا انزوائية وتبركية؛ فترجوك عابدا متبتلا في الزاوية، و لاترجوك عابدا مجاهدا قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) [ سورة هود].

قالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا فأته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان!

الصحبة يا رسول الله

تقول أمنا عائشة مواصلة الحديث حول هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أخرج عني من عندك” فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي؟ فقال: “إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة”. قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟! قال: “الصحبة”. قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ثم قال: يا نبي الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا..)

– انظر كيف فرح أبو بكر بصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حد البكاء، وهذا هو سر سبقه على أقرانه من الصحابة، بحرصه الفائق على صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوجهه الكامل إليه.

لم يكن أبو بكر يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا أو نهارا، بل كان يلازم صحبته وزيارته، وكان شغله الشاغل خدمة النبوة ومطالعتها عن كثب فجازاه الله بذلك صحبة النبي في الهجرة. وهذا هو سر الموافقة الصديقية للسنة النبوية:

في قصة الحديبية اتفق النبي مع قريش اتفاقا رآه سيدنا عمر في ظاهره ضعفا للمسلمين وهوانا، ولم يره أبو بكر كذلك بل رآه كما رآه النبي، وما ذاك إلا لكمال الصحبة، بل نطق بمثل ما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري أن عمرا أتى رسول الله فقال له: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟) فقال: “بلى”. فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟) قال: “بلى”. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟) فقال: “يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا”. فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا)!

الصديقية بالصحبة للنبوة وملازمتها الكاملة لها توافق الحق بنفس القول والفعل، لذلك يروي أهل المغازي أن الصديق يومها نصح عمرا بالتزام المنهاج النبوي وصحبته الصحبة الكاملة فقال له: إلزم غرزه)! 5 .

الصديقية في خدمة الدعوة: الكل للكل

قالت أمنا عائشة رضي الله عنها مواصلة الحديث: فجهزتهما أحث الجهاز، فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب، فبذلك كانت تسمى ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح في قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكيدون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريح عليهما حين تذهب ساعة من الليل فيبيتان في رسل منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. (دلائل النبوة).

– ما يدل على صديقية العبد أن يهب نفسه وماله وولده ووقته للدعوة إلى الله، ها هو الصديق بماله يجهز الناقتين للهجرة، ويحمل ماله كله وقدره ستة آلاف درهم، دأبَه في إنفاق المال نصرة للإسلام كلَّ حياته حتى قاتل مانعي الزكاة حين خلافته، ها هو يثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: “ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر” فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله 6 .

فقد كان بيته الشريف رضي الله عنه مجندا للدعوة بابنه عبد الله وابنته أسماء ذات النطاقين ومولاه عامر بن فهيرة، فمن أراد أن يكون صديقا فليتأس بأبي بكر ومن بعده من رجال الدعوة أهل الله.

الصديقية تحرص على أمان الحق

روى البيهقي في الدلائل عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما، فلما بلغ ذلك عمر رضي الله عنه قال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي”؟ فقال: يا رسول الله أذكر الطلب، فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: “يا أبا بكر، لو كان شيء أحببت أن يكون لك دوني”؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق ما كانت لتكن من ملمة إلا أحببت أن تكون لي دونك، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر رضي الله عنه: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبر الجحرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.

– هذا الحرص من أبي بكر الصديق على أمان رسول الله محبة للشخص الكريم على الله مشفوعة بالحرص على أمان الحق، فقد نسي الصديق ذاته ولم يبق أمامه سوى الذات الشريفة كيف يحميها لهذه الأمة، كيف يدفع عنها الأذى، كيف يضمن سلامتها، لذلك لم يقل له صلى الله عليه وسلم: لا تخف، وإنما قال له: لا تحزن، لأنه رضي الله عنه لم يكن جزعا على نفسه، بل كان جزعا أن يمس مكروه ذات الحبيب عليه الصلاة والسلام.

روى البيهقي في الدلائل عن الصديق قال: فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله قال: “لا تحزن، إن الله معنا”، فلما أن دنا منا وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة، قلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، وبكيت، فقال: “ما يبكيك؟” فقلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكني إنما أبكي عليك!

وفي الختام أذكر القارئ الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب منا أن نعرف للخلافة على منهاج النبوة قدرها، وأن ننزل أول الخلفاء منزله ونعرف له صنيعه في حدث الهجرة النبوية العظيم.

روى ابن الجوزي في صفة الصفوة عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لحسان:“(هل قلت في أبي بكر شيئا؟” فقال: نعم، فقال: “قل وأنا أسمع” فقال:

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد *** طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا *** من البرية لم يعدل به رجلا
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: “صدقت يا حسان هو كما قلت”.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.


[1] فتح الباري ص 10 ج 7.\
[2] سيرة ابن هشام.\
[3] فتح الباري ص 233 ج 7.\
[4] رواه البخاري في الصحيح.\
[5] رواه أحمد في المسند.\
[6] رواه أحمد.\