الحدث

عرف قطاع غزة هذه الأيام هجمة شرسة من طرف الكيان الصهيوني الغاشم. قتل ما يزيد عن 160 شهيدا وجرح أكثر من 1500 شخصا جروحا بليغة – الحصيلة ما زالت مرشحة للارتفاع – وذلك منذ بداية الاعتداء الصهيوني الغاشم على شعب أعزل، يعيش في حصار اقتصادي ومعاناة يومية تتجلى في نقص في الدواء وشح في الماء الصالح للشرب وغياب الحد الأدنى من شروط العيش الكريم…

تقتيل وتشريد ممنهجين لأكثر من مليون ونصف غزاوي ضدا على المواثيق الدولية الداعية لاحترام حقوق الإنسان!! في وقت يمعن العدو الصهيوني في قبضته الحديدية على شعب أعزل تحت غطاء أمريكي الذي يسعى جاهدا لتبرير المخطط الاستئصالي لشعب يريد العزة والكرامة ويدافع عن أرضه وعرضه ودينه.

المواقف

اعتداء صهيوني وحشي بأذكى الأسلحة لبلوغ أهدافه الاستراتيجية المادية والبشرية على الأرض الفلسطينة بدعوى محاربة الإرهاب واجتثاث الإرهابيين، موظفا في ذلك أيضا الآلة الديبلوماسية النمطية، المقررة والمنفذة:

الديبلوماسية المقررة

قطبها الولايات المتحدة الأمريكية- الحليف الاسترتيجي الدائم ل”إسرائيل”- أخرجا معا، مع بداية الألفية الثالثة، منظومة لهندسة العالم بدء بمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي وضع مخططات لعالمنا العربي والإسلامي من أجل ترويض الشعوب وكسر الإرادات والهمم وحقنها بثقافة الهزيمة وإلزامها بالقانون الجديد للسيد الغربي ورقابة الحاكم العربي، خاصة فلسطين.

عطلت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بيانا تقدمت به الدول العربية في مجلس الأمن الدولي يدين تصعيد الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة.

الدبلوماسية المنفذة

قطبها الجامعة العربية- العدو التاريخي ل”إسرائيل”- التي تجتمع إثر عدوان إسرائلي على فلسطين، تبدأ قممها بالملاسنات وتنتهي ببيانات الاستنكار وصرف أموال الشعوب العربية على الموائد الفاخرة.

فبعد مرور ستة أيام عن عملية “عمود الدخان” الإسرائلي على غزة، اجتمع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة وأصدروا بيان تنديد واستنكار. لتخرج بعد حين الديبلوماسية المقررة على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على التزام بلادها بضمان أمن أسرائيل. وبررت المتحدثة باسم البعثة الأميركية بالأمم المتحدة أرين بيلتون تعطيل بلادها للبيان العربي بأنه “فشل في التعامل مع السبب الحقيقي لتصاعد القتال بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة، وهو الهجمات الصاروخية”، متبنية بذلك الرواية الإسرائيلية ومتجاهلة الرواية الفلسطينية التي تؤكد أن سبب تفجر الموقف هو إقدام إسرائيل على اغتيال أحمد الجعبري نائب كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، منتهكة الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة مصرية.

فلسطين بين الأمس واليوم

بالأمس القريب اقتحم الدكتور باروخ غولدشتاين، المستوطن ذو الأصل الأمريكي بطل الإرهاب، مسجد الخليل، وأفرغ ذخيرة رشاشه في أجسام المصلين الفلسطينيين الساجدين لله عز وجل، فكانت الحصيلة 27 شهيدا وأكثر من 50 جريحا… بذلك أصبح قبر هذا “البطل” ضريحا يزار ويتبرك به…

اليوم يقتل الفلسطينيون، أطفالا وشيوخا، رجالا ونساء، في أبشع الصور التي يسجلها التاريخ الحديث بدماء الأبرياء على صفحات المواقع الاجتماعية وتنقل القنوات الفضائية النزيهة-المستهدفة بدورها لحيادها- آهات الضحايا وصور الخراب والدمار الذي أصاب غزة…

آلة عسكرية صهيونية مدمرة تدك البنايات وتهشم الرؤوس، والآلة الدبلوماسية العربية المنفذة مستنكرة ناظرة غير فاعلة، أما الديبلوماسية الأمريكية المقررة فهي الآمرة الناهية، تقدم الكيان الصهيوني- في المحافل الدولية- بالحمل الوديع والفلسطيني بالذئب الشرس.

اعتداء ممنهج، بقلب الصورة وخلط الأوراق من أجل رسم خارطة طريق جديدة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد ربيع عربي غير هندسة الجغرافيا وأعاد كتابة التاريخ بدماء شهداء التغيير.

أسباب الاعتداء

فكان لزاما على مهندسي العالم من قبضة حديدية قوية تتحكم في الرقاب والأرزاق، للأسباب التالية:

1. زمن الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية.

2. عالم عربي عاش ربيعا عصف بأنظمة وكبح جماح أخرى غير من ملامح طموح الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا لعام 2025.

3. أزمة اقتصادية عالمية، أضعفت سياسيا بعض دول الشمال الأوربي، وبالتالي أربكت حسابات من يملك ناصية الاقتصاد العالمي.

4. تسليح عالمي وفق معايير جديدة.

5. تقسيم دول وأخرى في الطريق وخلق بؤر توتر بدعوى انتشار الإرهاب والطائفية…

6. تشكل جيوب مقاومة وممانعة لمشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا.

7. تعاطف قواعد شعبية عريضة، بعد الربيع العربي، مع القضية الفلسطينية، أم القضايا العربية.

8. فقدان بعض الولاءات للسيد الأمريكي، نموذج مصر التي كانت تشكل حزاما آمنا لإسرائيل على معبر رفح أيام مبارك المخلوع.

9. عدم وضوح مستقبل الجولان، النقطة الإستراتيجية لإسرائيل (الأمن، مصدر المياه…)، خاصة وأن الأزمة السورية المستعصية بدأت تجري رياحها عكس المصالح الإسرائيلية.

10. استئساد المقاومة الفلسطينية واكتسابها استراتيجيات ميدانية قوية تهدد 5 ملايين صهيوني بواسطة صواريخ القسام بعيدة المدى.

دواعي الاعتدال

تشكل القضية الفلسطينية هدفاً أولياً ومحطةً مركزيةً بالنسبةِ للطامعين الغزاة. من أجل الاحتفاظ بهذا الهدف الاستراتيجي وجب إخضاع الدول العربية وسلب الحرية من الأقطار المحيطة، حتى تبقى غير قادرة على تحريك الساكن باتجاه إعادة الحرية لفلسطين.

هذا هو سر العجز العربي الرسمي عن الارتقاء لمستوى التحديات فيما يتعلق بقضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية!!

بذلك أصبحت القرارات الغربية تنطق بلسان عربي فصيح، لم يبق له إلا التعبير بكلام الصالونات المغلقة والمؤتمرات البراقة لتأثيث القرار الغربي، وفي أقصى الحالات التنديد في الشوارع لامتصاص غضب الشعوب.