لم يعد مقبولا من الأمة العربية والإسلامية التي خرج أبناؤها بصدور عارية يواجهون القمع والتقتيل، ويطلبون الحرية والكرامة والعدالة في ربيع عربي حرر الشعوب وأخرجها من زمن الخوف والصمت والتبعية والولاء إلى زمن المطالبة بالحقوق، أن تبقى في موقف المتفرج أو المستنكر لما يقع الآن في غزة. بل يجب أن تبادر إلى اتخاذ خطوات عملية لنصرة أهل فلسطين السليبة وللتعبير عن ارتباطهم بقضيتهم الأولى.

المؤكد أن العدو الصهيوني وحلفاءه في الغرب وعندنا أيضا لم يفهموا أن تغيرات جذرية وقعت في المنطقة، فمصر مرسي ليست مصر مبارك، ودركي الجولان) يلتقط الآن أنفاسه بصعوبة بالغة تحت ضربات المقاومة الشعبية، وفلسطين قد تكون المسمار الأخير في نعش سائر الأنظمة المطبعة الموالية إن هي ظلت على صمتها القاتل وموقفها المتخاذل. فالموقف يتطلب أكثر من مؤتمرات الإدانة وأكثر من المساعدات الإنسانية وأكثر من الخطب الرنانة. المطلوب رسميا موقف سياسي ودبلوماسي وحتى عسكري -بإمداد فصائل المقاومة بالأسلحة والدعم اللوجستيكي اللازم- لوضع أسس معادلة جديدة؛ فالأمة والحمد لله تستعيد عافيتها، وتنشط من عقال الأنظمة الوراثية المتسلطة بعد أن هبت نسمات التحرير من أرض الزيتون والياسمين. وأما الشعوب فهي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم كافة أشكال الدعم الإعلامي والإنساني للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. كما أن الحاجة ملحة إلى ضغط دبلوماسي دولي لفرض عزلة على الصهاينة بكشف مخططاتهم وشبكاتهم وفضح سياساتهم ومؤامراتهم وجرائمهم وانتهاكاتهم، واختراق اللوبيات الداعمة للصهيونية وتفكيك بنيات التطبيع الثقافي والاقتصادي داخل الوطن العربي والإسلامي، كما أن على النخب والمثقفين خاصة الإسلاميين منهم التعريف بالقضية وأبعادها الوجودية والعقائدية وترسيخ حب مسرى النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب وعقول النشء وتوريث القضية للأجيال.

إن العدوان الحالي وسوابقه على غزة وعلى كل فلسطين يكشف أن الأمة التي تعشق الشهادة وتحب الموت ولقاء الله تقلب المعادلات وتستحق الحياة، وشتان بين من يرضى بأي حياة ومن يعشق حياة العزة والكرامة والإباء والرجولة، ولعل مشاهد الصهاينة وهم يهرعون إلى الملاجئ والمخابئ كالجرذان في الوقت الذي يتلقى الشعب الفلسطيني صورايخ الغدر بصدوره العارية دليل على يقظة الأمة وعنفوانها، فأمة الإسلام أمة لا تهزم من قلة إمداد وسلاح وعتاد وإنما تهزم إن هي ضلت عن أسباب قوتها وعزتها. وصدق رسول الله صلى عليه وسلم إذ يقول: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”، قيل: يا رسول الله: فمن قلة نحن يومئذ؟ قال: “لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن” فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: “حب الدنيا، وكراهية الموت”.

ولعل المقاومة الإسلامية في فلسطين تمثل بحق نموذجا حيا ونيرا لما يمكن أن يصنعه ما تفيض به القلوب من حب للموت والشهادة في سبيل الله من تغيير في الواقع الميداني في ظل الصراع الأبدي بين الحق والباطل.

إن التغيير الحاصل في بعض الأنظمة العربية والتي تتجه إلى الاصطفاف في الموقع الطبيعي والصحيح لها، خاصة مع ما اتخذته الحكومة المصرية من إجراءات عملية في دفاعها ودعمها للفلسطينيين بعد أن تحررت إرادتها وامتلكت قرارها، إضافة إلى المواقف التي تُمثلها حركات وقوى الدول العربية والإسلامية والتي أخذت شكل مسيرات ووقفات واعتصامات.. كل هذا يحمل العديد من الرسائل غير المشفرة التي وجب أن يفطن إليها كل من يُهمّه الأمر:

الرسالة الأولى: إلى الكيان الصهيوني وإلى قوى الاستكبار العالمي الداعمة لهذا الكيان، القضية الفلسطينية اليوم في قلب وعقل ووجدان كل مسلم غيور على مقدساته وأراضيه، فالأمة لن تفرط في شبر واحد من أرض فلسطين.

الرسالة الثانية: إلى الأنظمة المتخاذلة المطبعة مع الكيان الصهيوني، اخرجوا من موقف الصمت والشجب والتفرج إلى موقف الفعل والدعم والانسجام مع مطالب الشعوب في تحرير فلسطين، قبل أن تدخلوا في مواجهات مع مجتمعات تواقة إلى استرجاع كرامتها وعزتها وحريتها.

الرسالة الثالثة: إلى الشعوب العربية والإسلامية، تحرير فلسطين والأقصى رهين بتحرر إرادتها من الاستبداد والفساد، فعليها مسؤولية تاريخية ودينية وإنسانية يجب أن تتحملها، وأن تتخطى الموانع الذاتية والموضوعية التي حجبتها عن أهم قضية في تاريخها بسبب عقود من الظلم الاستبداد. واليوم نلاحظ الفرق الشاسع بين تصرفات الدول التي أسقطت الاستبداد فعلا وحقيقة، والدول التي ما يزال الاستبداد فيها جاثما أو تلبس بلبوس خادع سرعان ما انكشف عنه وفُضحت حقيقته.