تسليطا للمزيد من الضوء على زوايا متعددة من الحرب الصهيونية المفتوحة على قطاع غزة، أجرى موقع الجماعة نت حوار مع الدكتور عمر إحرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية ومنسق مركز الأبحاث والدراسات، حول البعد السياسي والسياق الإقليمي والفلسطيني الذي تجري في ظله هذه الحرب. هذا نصه:

العدوان الصهيوني الجديد يتم في ظل واقع عربي متغير خاصة في دولتين كبيرتين من دول الطوق هما مصر وسوريا. هل يمكن أن يفرز هذا موقفا عربيا مغايرا لما كان يجري في السابق؟

بسم الله الرحمن الرحيم. منذ بداية الحديث عن انتخابات إسرائيلية مبكرة والتوقع يتزايد بشأن إقدام الحكومة الصهيونية على عملية تصعيدية كقربان انتخابي لكسب الرأي العام الإسرائيلي الذي يتزايد تعاطفا مع التيار الأكثر تطرفا، وقد تأكد الأمر إبان الانتخابات الأمريكية حين استفاد أوباما في حملته من تمكنه من قتل بن لادن، إضافة إلى أن اختراق الأجواء الصهيونية من قبل طائرة حزب الله ترك انطباعا لدى صناع القرار الصهيوني بأن ميزان القوى بدأ يتغير وأن فصائل المقاومة، سواء داخل فلسطين أو خارجها، استغلت فترة الهدنة لتطوير قدراتها السلاحية، إضافة إلى أن هذا الإقدام هو محاولة لجس نبض العرب بعد هذا الربيع العربي ومحاولة لإرباك مصر المنشغلة بقضاياها الداخلية (الدستور، الانتخابات، المطالب الاجتماعية، الاستثمار) والتي تنتظر تأشيرة صندوق النقد الدولي على قرض مصيري بالنسبة لتوازنها المالي، والمنشغلة كذلك بعملية سيناء التي ستؤدي بها في نهاية المطاف إلى المطالبة بمراجعة الاتفاقيات الأمنية المرتبطة بكامب ديفيد وخاصة على مستوى الانتشار الأمني والعسكري.

ولكن هل هذه المعطيات كافية للقول بأننا إزاء موقف عربي مغاير؟ لا أعتقد. لأننا بالمقابل أمام صمت خليجي غير مسبوق، باستثناء قطر، وبرود أردني غير مبرر، وحتى خطوة زيارة الجامعة العربية لغزة بقيت مفتوحة ولم تتخذ طابع الاستعجال اللازم. الجديد الوحيد هو أجواء الحراك الشعبي الضاغط الذي جعل جل الأنظمة تحجم عن إطلاق تصريحات معادية للمقاومة ونعتها بالمغامرة.

بالنسبة للجانب الآخر، أي سوريا وحزب الله وإيران، يلاحظ أن مواقفها داعمة ولكنها لم تبلغ المدى الذي اعتدناه، على الأقل على مستوى الموقف الرسمي المعلن، وهذا مفهوم نسبيا.

هل تتوقعون أن تلعب مصر دورا مغايرا في ظل النظام الجديد وفي ظل الموقف الأمريكي الداعم للكيان الصهيوني؟

الموقف الذي تغير بشكل ملحوظ هو الموقف المصري، وبدا ذلك من الخطوات السريعة المتخذة كسحب السفير وزيارة رئيس الوزراء ودعوة مجلس الأمن للانعقاد واحتضان لقاءات وتبني الملف وجعله ضمن الأولويات. وهذا هو الموقف المطلوب لأن أكبر متضرر من الانعكاسات السيئة للوضع في غزة هو مصر، حيث أن أمن غزة جزء من الأمن القومي المصري وهي تخاف من ترحيل للغزاويين إلى سيناء ومن انتعاش الإشكالات الأمنية في تلك المنطقة.

تطور الأمور ستدفع مصر إلى فتح دائم للمعبر ودعوة رسمية لمراجعة اتفاقيات السلام واحتضان أكثر للمقاومة، وهذا عكس ما كان عليه الأمر في فترة المخلوع مبارك الذي كان يعطي تدبير الملف لجهاز المخابرات.

يعتبر كثير من المحللين أن العدوان الصهيوني على القطاع هو مغامرة، ويشككون في جدواه العسكرية، ألا ترون أن هناك أسبابا سياسية وراء العدوان خاصة بعد الزيارات الأخيرة لمجموعة من الرسميين العرب للقطاع التي تمثل اعترافا بحكومة حماس في القطاع؟

هو في الحقيقة شكل عسكري لخطوة سياسية انتخابية ولكن المؤمل عند من اتخذ القرار هو أن تكون ضربة خاطفة وفعالة تتحقق منها مكاسب انتخابية أولا لضمان نجاح اليمين المتطرف، واستراتيجية ثانيا بإعادة ميزان القوى إلى فترة ما قبل 2008 واختبار استعداد المقاومة للدخول في حرب يشعر كل المتتبعين أنها تقترب من المنطقة، وإقليمية ثالثا يإشغال مصر بهذا الملف والحيلولة دون تفرغها لقضايا البناء الداخلي مراهنة على حاجتها الملحة للموارد للخروج من حالة شبه الإفلاس الذي تعيشه الدولة وجس نبض الدول العربية.

ولا ننسى محاولة توريط الولايات المتحدة الأمريكية في أتون هذا الصراع وخاصة في ظل شبه الحسم الأمريكي باستبعاد تدخل عسكري في سوريا.

ألا يمكن أن يسرع العدوان على غزة بتوحيد فصائل المقاومة خاصة فتح وحماس؟

المفروض أن يؤدي إلى ذلك، وقد تكون الخسارة كبيرة إن لم يتحقق من وراء هذا الاعتداء الإسرائيلي ثلاثة أهداف أساسية إلى جانب التهدئة، وهي توحيد الصف الفلسطيني والاتفاق على جدولة زمنية للانتخابات وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وفك الحصار عن غزة أو التخفيف منه وإصلاح أدوات عمل الجامعة العربية في مثل هذه الأحداث لتصبح أكثر سرعة وفعالية.

ما المطلوب سياسيا لتشكيل دعم حقيقي لغزة وفلسطين؟

المطلوب هو تحرك شعبي سريع ومكثف على مسارات ثلاثة: دعم صمود الفلسطينيين بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي، والضغط على الحكومات والأنظمة العربية لاتخاذ خطوات متناسبة مع حجم الاعتداء الصهيوني والصمود الفلسطيني، وتحرك في المنتظم الدولي لدى المنظمات الدولية لإحراج الأمريكان والقوى العظمى للتدخل للحد من مأساة هذا الشعب ولتخليص هذه المنطقة من الغطرسة الصهيونية.