الأسرة تتطلب تنظيما محكما لنشأتها واستمرارها واستقرارها، لذلك وجب اتخاذ القرارات المتعلقة بتسييرها من قبل المسؤولين على وجودها وتكوينها، وهما الزوجان معا، حيث لزم التشاور في كل أمور البيت والأطفال، وكل ما له علاقة بالأسرة، الشيء الذي يجعل علاقة الزوج والزوجة متماسكة ومثمرة سعيدة إذا بنيت على مبدإ التشارك في رعاية الأسرة وحفظ كيانها.

إن التشاور المتعلق بالأسرة يشمل شؤون البيت والأطفال وما له صلة بالأقارب، لذلك سأتحدث أولا عن تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال، ثم أتطرق إلى حق كل من الزوج والزوجة في معاملة أبويهما معاملة حسنة.

1- التشاور والمشاركة في تسيير شؤون البيت

لابد للزوج والزوجة أن يتشاورا في كل ما يتعلق بالشؤون الداخلية للبيت، كتأثيث البيت، أو شراء بعض ما يحتاجه من ضروريات العيش، وكذلك في الأمور التي تخص أشغال البيت، فليس هناك أي حرج من أن يساعد الزوج زوجته، خاصة إذا كانت تشتغل خارج البيت، لأن ذلك يساعدهما على استغلال وقتهما والتمتع به أكثر، كما يعين على حبها له واحترامه، فلقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخيط ملابسه ويرقع نعله، وكان عليه الصلاة والسلام يساعد نساءه رضي الله عنهن في أشغال البيت. فعن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ فقالت: “كان في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج” 1 . وإذا كان خير البرية وسيد الخلق أجمعين يهتم برعاية شؤون بيته كالخدمة فيه، وقضاء حوائجه بنفسه، حبا في نسائه رضي الله عنهن، فلماذا يتكبر الرجل اليوم عن فعل ذلك؟ بالرغم من أن قيامه بشيء مثل ذلك يبين مدى حبه لزوجته ويجعله ينشد الخيرية التي ندب إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: “خيركم خيركم لأهله. وأنا خيركم لأهلي” 2 .

إن الأسرة اليوم قد أصبحت في ظل التغيرات القائمة – تحت رعاية الزوجين معا – بعد أن كانت لدهور تحت قيادة الزوج وحده في زمن الانحباس الفقهي، فلا مجال للحديث اليوم عن رئيس ومرؤوس في إطار الأسرة المستقرة، فكما يحارب الاستبداد في المجتمع وجب دحره في نواته الصغيرة الأسرة.

2- التشاور والمشاركة في رعاية شؤون الأطفال وتربيتهم

أولادنا هم فلذات أكبادنا، وعماد ظهورنا، وأمانة في أعناقنا، فمن راعى حق الأمانة ولم يفرط فيها، كان له الرضا من الله ورسوله ومن فرط في ذلك فمسؤوليته الأخلاقية والمادية عظيمة. ولكي ينمو الطفل نموا نفسيا سليما، لابد من إشباعه بالحب، والحب ليس هو التدليل الذي تقدمه الأم أو الجدة، وتفسد به الطفل، كما أنه ليس هو وجه العملة الآخر، بكل صرامته وقسوته الذي يقدمه الأب، كلما وجد فراغا في وقته) 3 . فالحب عطاء يتكون من مزيج من الرعاية والفهم، وإعطاء الطفل إحساسا بأن وجوده معترف به كوجود الكبار، وأن أفكاره ومشاكله وأسئلته تجد آذانا صاغية وأجوبة مريحة، وفاقد الشيء لا يعطيه، بحيث إنه عندما يعيش الطفل وسط أسرة تقع فيها البراكين والزلازل والمشاجرات، فمن الصعب أن ننتظر من هذا الطفل أن يتعلم الحب. والحب ليس فكرة غائمة يمكن تلقيها من الهواء المحيط بالإنسان، وإنما هو أسلوب من أساليب الحياة، ولن يتعلم الطفل هذا الأسلوب إلا من أسرته.

طالع أيضا  الاستقرار الأسري في الإسلام (1).. سلامة العلاقة الزوجية

فحياة الأطفال تتوقف على الانسجام والهدوء بين الزوجين، فكثير من العائلات قد دب إليها الشقاق بسبب الأولاد، وكثير من الأزواج يمسي ويصبح في نزاع واضطراب بسبب العجز وقصر الحيلة عن تربية أولادهم وتهذيبهم، ومشكلة الأبناء يسيرة الحل على يد الأب الذي يعرف كيف يخص بيته بقسط من وقته ورعايته) 4 .

فإذا كانت تربية الأبناء مسؤولية الزوجين معا فإنه وجب التشاور في جملة من الأمور تتعلق بأولادهما، لا يصح أن ينفرد بها أحد عن الآخر ومنها:

أ – اختيار الاسم وتثبيت الهوية: فمن حق الولد على أبويه أن يختارا له أحب الأسماء وأحسنها، ويجتنبا الأسماء القبيحة. وتحسين تسمية المولود سنة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم فحسنوا أسماءكم” 5 ، ويكون ذلك وفق مراسيم النسيكة (العقيقة)، وهي الذبيحة التي تذبح على المولود في اليوم السابع من ولادته، وهي سنة عند القدرة المالية، ولا تجب على الأب 6 . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “عق عن الحسن والحسين عليهما السلام كبشا كبشا” 7 .

أما تثبيت الهوية بالجنسية والتسجيل في الحالة المدنية، فإنه من العرف الصحيح لما يحققه ذلك من المصالح المرسلة، بل يعتبر ذلك من حقوق الأولاد على الأب حتى لا يتعرضوا للضياع والتشرد.

ب – الرضاعة والختان: من حقوق الطفل على أمه إرضاعه عند الاستطاعة، ما لم يمنعها مانع صحي، لأنه بقيامها بذلك تشعر بلذة الأمومة، ويشعر الطفل بحنانها، فلبن الأم يحمي الرضيع من كثير من الأمراض والعاهات، كما أكد ذلك الطب الحديث. أما إذا كانت الأم غير قادرة على الإرضاع، فإن للزوجين الاتفاق على كيفية إرضاع ابنهما، إما باستئجار مرضعة، أو استعمال الحليب الاصطناعي، وذلك حسب تشاورهما و مراعاة مصلحة الطفل.

أما الختان؛ فهو من الحقوق الواجبة على الآباء تجاه أبنائهم. والختان هو من خصال الفطرة في الإسلام، وقد أكد الطب اليوم على فوائده الصحية. وفي هذا الصدد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خمس من الفطرة” 8 منها: الختان. فمما دأب عليه المغاربة أن يوازي الختان حفل يستدعى له الأحباب والأقارب، مما يقتضي تشاور الزوجين في وقته وكيفيته، و إن كان الأولى أن يكون الختان في اليوم السابع من ولادة الابن.

طالع أيضا  الاستقرار الأسري في الإسلام (1).. سلامة العلاقة الزوجية

ج- التربية الإسلامية والتوجيه الديني: وهي من أهم الأمور التي وجب التشاور فيها بين الزوجين، والمراد بها العناية بسلامة الطفل النفسية، عن طريق تربيته منذ أن يعقل على الجرأة والشجاعة، والصدق، والصراحة، والشعور بالكمال، وحب الخير للآخرين، والانضباط عند الغضب، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل، وتحريره من ظواهر الفشل مثل الخجل والوجل والشعور بالنقص) 9 .

ومن بين المسائل التي تؤثر في وجدان الطفل تفضيل الأبوين لأحد أبنائهما على الآخرين، لذلك وجبت المساواة بين الأولاد في المعاملة، وفي العطية، بل وفي جميع أحوال المعاملة وحتى في التقبيل، لأن التمييز بينهم يؤدي إلى الشجار، والحقد، وزرع الكراهية بين الأبناء 10 . ولقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اعدلوا بين أولادكم في العطية” 11 .

ومن حق الطفل كذلك على أبويه تربيته تربية إسلامية صالحة، تتمثل في السلوك القويم، وقيم النبل المؤدية إلى الصدق في القول والعمل، إذ وجب عليهما أن يعلما أبناءهم أمور الدين من صلاة، وآداب استئذان، ومكارم الأخلاق، وحفظ القرآن، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” 12 . وقال كذلك: “مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع” 13 .

ومسألة التربية ليست خاصة بالمرأة كما يعتقد البعض، بل هي مشتركة بينها وبين الرجل على حد سواء، تربية تحتاج إلى التعاون والتخطيط بين الزوجين، والتقويم في جلسات أسرية إيمانية تعقد دوريا داخل البيت يستمطر فيها الأب والأم والأبناء رحمة الله ذكرا وحفظا لكتاب الله تعالى ومذاكرة فيه، وتعلم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

د – التعليم والتكوين: وهي كذلك من بين المسائل الهامة في التشاور بين الزوجين، حيث عليهما أن يتفقا على التعليم والتكوين الذي يؤهل أبناءهما للحياة العملية والعضوية النافعة في المجتمع، فعلى الزوجين أن يهيئا لأولادهما قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني.

ومن المعلوم أن أول آية نزلت في القرآن الكريم، تأمر بالقراءة وتنوه بالقلم والعلم، يقول تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ،الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ 14 .

طالع أيضا  الاستقرار الأسري في الإسلام (1).. سلامة العلاقة الزوجية

وإذا اعتبرنا أن تسيير شؤون البيت والأطفال شأن خاص بالزوجين معا، فإن للزوجة الحق في إبداء الرأي في نظام تربية الأطفال وفي أمور البيت عامة، وعلى الزوج أن يأخذ برأيها متى كان صائبا وسديدا، لأن ذلك من شأنه أن يوجد نوعا من التعاون والتوافق بين الزوجين، والرأيان الصائبان خير من الرأي الواحد، فلقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستشير زوجاته حتى في أمور الحرب 15 .

ومن خلال ما سبق، يتضح أن الشورى المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية ليست نظرية سياسية، أو قاعدة لدستور الحكم فحسب، وإنما هي قاعدة اجتماعية، وأساس شرعي لنظام المجتمع الملتزم بالتضامن الاجتماعي والتكافل الأسري، فحق التشاور واجب بعموم قول الله عز وجل: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم 16 . وقوله كذلك: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ 17 .


[1] صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب خدمة الرجل في أهله، رقم: 5363.\
[2] أخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: حسن معاشرة النساء رقم: 1977.\
[3] الإسلام والحياة الزوجية، لعثمان السعيد الشرقاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. 1987 م، ص: 145.\
[4] الإسلام والحياة الزوجية، لعثمان السعيد الشرقاوي، ص: 145 و146.\
[5] سنن أبي داود، كتاب الآداب، باب في تغيير الأسماء رقم: 4948.\
[6] الأسرة في العالم المعاصر، لوهبة الزحيلي، ص: 116.\
[7] سنن أبي داود، كتاب االعقيقة، دون ذكر الباب. سنن النسائي كتاب العقيقة، دون ذكر الباب.\
[8] صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب: قص الشارب رقم: 5889.\
[9] مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته، دراسة تأصيلية مقارنة على ضوء المذاهب الأربعة، مع مناقشة وترجيح دون تعصب لقول أو مذهب، لعبد الله بن الطاهر التناني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط. الأولى، 1426 هـ / 2005 م، ص: 230.\
[10] الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، لوهبة الزحيلي، ص: 133.\
[11] صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب الهبة للولد.\
[12] صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي . صحيح مسلم، ج: 4، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.\
[13] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة.\
[14] الآية 1 إلى الآية 5، من سورة العلق.\
[15] صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، رقم: 2731 و2732.\
[16] من الآية 38، من سورة الشورى.\
[17] من الآية 159، من سورة آل عمران.\