يقص الله عز وجل علينا في القرآن الكريم خبر موسى وفرعون بالحق، في سورة يونس يقول الله عز وجل: ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ 1 . فزِع فرعون أن يكون الكبرياء لموسى وقومه، وأحس أن موسى وهارون عليهما السلام ينازعانه السلطة. هذه الآيات الكريمة تروي بعض مشاهد الصراع بين شعب بني إسرائيل المستضعف يقوده نبي الله موسى عليه السلام، وبين شعب مستكبر بقيادة الطاغية فرعون، ولم تكن قصة موسى وفرعون الفريدة التي تصف الصراع الأبدي بين المستضعفين والمستكبرين، بل مثيلاتها كثيرة في كتاب الله المسطور القرآن الكريم، وفي كتابه جل وعلا المنظور التاريخ.

فما هي الأبعاد الفلسفية والفكرية والتاريخية للصراع التاريخي بين فئة المستكبرين وفئة المستضعفين؟

أطوار هذا الصراع انتقلت في القرآن الكريم من الدنيا إلى الآخرة، يقول الله عز وجل: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ 2 . هذه فئة من الضعفاء الذين لم يقاوموا الاستكبار في الدنيا، وطوعتهم الآلة الاستكبارية الإعلامية والثقافية، فأصبحوا خفافا كما فعل فرعون بقومه قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ 3 ، هكذا يفعل كل فرعون في كل زمان حتى يصبح لدى الضعفاء القابلية للاستعمار والاستخفاف والتبعية إنا كنا لكم تبعا.

أول نبتة تكبر خبيثة هي قول إبليس على آدم عليه السلام: أنا خير منه، ورؤيته الأفضلية، نمت هذه النبتة وتطورت مع الصراع البشري التاريخي حتى تحولت إلى آلة استكبارية مركبة، وتحولت من أنانية فردية إلى تكتل اجتماعي سياسي اقتصادي يطأ المستضعفين ويعلو في الأرض بغير الحق ويفسد فيها ويصد عن سبيل الله) 4 .

أمر الله عز وجل رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتلو علينا نبأ نوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ 5 . قوم نوح استعظموا أن يقوم رجل من عامة الناس ينصحهم ويأمرهم وينهاهم، وكذلك فعل كل متكبر جبار، قالوا في شأن نبينا صلى الله عليه وسلم: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ 6 ، وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا 7 ، ومثل هذا في القرآن كثير، قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ 8 ، في كلمة ﴿كبر عليكم﴾ وفي أخواتها من الآيات التي تليها يظهر البعد النفسي للاستكبار، حالة غليان في نفس من يعتز بالمال والجاه والسلطان والغلبة، على من لا يملك مالا ولا قوة ولا جمعا.

وفي مجادلة فرعون وقومه لموسى عليه السلام يظهر البعد الاجتماعي للصراع، قال تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ 9 يعتذر فرعونُ وكل فرعونٍ أولا بالشيء الراسخ الذي لا يريد أن يتغير، مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا؛ واقع تاريخي متجذر، عادات وأعراف وذهنيات، وبنية عملية، ومصالح فئات من الناس لا يحبون أن تتغير هذه البنية، ولا أن يُمَسَّ هذا الواقع، فئة حاكمة مستبدة بالسلطة تدور حولها فئات مترفة من أصحاب المصالح.

يزن الاستكبار الناس والعلاقات الاجتماعية بمقاييسه المألوفة وبميزانه المادي، قال قوم نوح لنوح عليه السلام: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ 10 ؛ ﴿أَرَاذِلُنَا﴾، احتقار، ما نرى لكم مزيد مال، ولا نرى لكم مكانة اجتماعية، ولا سلطة سياسية، ولا مُثُولًا في الناس، أراذل لا فضل لهم، هكذا يصف المستكبرون المستضعفين في كل زمان.

فرعون وقومه كَانُوا قَوْمًا عَالِينَ 11 ، ينظرون إلى موسى وهارون من أعلى، كانوا يجمعون كل السلطات، السلطة السياسية المتمثلة في الحكم، والسلطة الاقتصادية في المال، والسلطة المعنوية في الأبهة الفرعونية، والمثال الحضاري المستعلي.

والمستكبرون اليوم هم الأعلون بميزان التفوق العسكري، وبميزان الدهاء، وبميزان التفوق التكنولوجي، وبميزان القبضة اليهودية على الاقتصاد العالمي. لكن الله عز وجل وعدنا أننا نحن الأعلون –وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 12 -، بشرط الإيمان، هذا المعامل الذي إذا دخل معادلة الصراع قلب الموازين.

قال فرعون وقومه: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ 13 ، يتأله كل فرعون باستعلائه فيعبدُهُ الناس، سجودا وركوعا وانحناء وثناء وإجلالا ومناجاة وتمجيدا.

الإسلام دين الله، دين المستضعفين، وهو مع المستضعفين. ودين الله عز وجل ينافي المصالح الاستكبارية، ينافي التكتلات الطبقية، ينافي استعمال الحكم لجمع المال، واستعمال الجاه لقضاء المصالح؛ إِذِ الإسلام رسالة تحرير، زادت على التحرير الاقتصادي والاجتماعي، تحريرَ الإنسان من كل عبودية، إلا عبودية الله عز وجل.

لقد جاء الأنبياء بمبدأ يزيل الآصار والأغلال عن المستكبِر والمستضعَف معاً، ولكن هذا المبدأ لا زال بعيداً عن إدراكنا وتصورنا، ولا زلنا نشعر بالأغلال التي تطوق المستضعَف، ولا نشعر بالأغلال التي تطوق المستكبر.) 14 آصار المال والفقر، أغلال عبودية الجاه وعبودية أصحاب الجاه، قيود على رقاب المستكبرين والمستضعفين.

غير أن الدعوة في مسيرتها التحريرية والتجديدية لا تعتمد على أهل الطبقات وأهل الانتماءات الخارجة البعيدة عن الانتماء إلى الله ورسوله حقا وصدقا. المستضعفون هم الذين يقيمون الدين، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا 15 ، لماذا؟ لأن ذلك المترف المسترخي على أريكة سلطانه، أو ذلك المترف بالمال والمتاع السادر في مجالس لهوه وعبته ومتعته، لن ينهض أي منهما إلى جهاد، ولن يستبدل ما عند الله بما في يده، إنما يستبدل الدنيا بالآخرة، ويستبدل ما عنده هو بما عند الله عز وجل. في وقت الضيق والاضطهاد لا تنتظر الدعوة أن ينضم إليها أهل الاستكبار، من استغنى بماله أو رجاله أو بمنصبه الاجتماعي. هؤلاء لا يحبون التغيير.

فرغم ما يتصف به نوح عليه السلام من ضعف قوة، وقلة عدد أمام الطغاة المجندين المسلحين المتكاثرين، فهو يتوكل على الله، الذي يبعث في قلبه الطمأنينة والثقة، فيتحداهم قائلا: فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً 16 ؛ أحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم، وانظروا نظرة فاحصة، وكونوا على بينة، ولا تألوا جهدا، ولا يمنعكم شيء، ولا تغتموا لكي تنابذوني وتحاربوني، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ؛ اقضوا ما أنتم قاضون وافعلوا ما حلى لكم ولا تتأخروا.

ضعف مادي عددي دنيوي، وعزة وقوة بالله لا نهاية لها، هذا حال الأنبياء ومن وَرِثَهُم من الصالحين والربانيين، من كان إيمانهم بالله سبحانه وتعالى أوثق عندهم من إيمانهم بحواسهم، من إيمانهم بالفعل المباشر، من إيمانهم بالفرصة المتاحة وبالتفوق الوهمي على الناس… هؤلاء تعول عليهم الدعوة فهؤلاء أتباع الرسل، فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ 17 .

التحليل المادي محدود، ومقيد بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية حين ينظر ويحلل الصراعَ البشري على وجه الأرض. لكن المفهوم القرآني المزدوج، مفهوم الاستكبار والاستضعاف، يجمع زيادة على الطبقيةِ الاقتصادية وعلى الظلمِ الاجتماعي، المعانيَ النفسية والبعد النفسي للاستكبار والاستضعاف.

فيما يقص علينا القرآن الكريم من أخبار الصراع بين المستكبرين والمستضعفين، نجد أن نزاعهم ليس على الأرزاق فقط، بل يتعداه إلى نزاع مركب كلي شمولي، فيه معاني استرذال طبقة لطبقة، احتقار فئة لأخرى، استعلاء قوم على آخرين، ومنع المستكبرين المستضعفين أن يعبدوا الله، لأن العبودية لله وحدها هي التي تنفي وتتناقض مع الاستعباد والجور والتفاوت الطبقي.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: مفهوما الاستكبار والاستضعاف لا تغطي مساحتهما مفاهيم الطبقية والشعب المسحوق، إذ الاستكبارُ صَدٌّ عن سبيل الله قبل كل شيء، صد يستند إلى البطش الذي يسلحه المال المنهوب والسلطان المستبَد به من غير رضى المستضعفين. في الإيديولوجية الأرضية يُدان التسلط الثقافي الذي تمارسه الطبقة السائدة على الطبقة المَسُودَةِ لتحرمها من الوعي الطبقي المحرر. مع المفاهيم القرآنية الدائرة حول الاستكبار والملأ والاستعلاء والطاغوتية وما إليها يقترن الصد عن سبيل الله بحرمان المستضعفين من الوعي الأسمى الذي تلخصه كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله.) 18


[1] سورة يونس، الآيات 75-78.\
[2] سورة غافر، الآيات 47-49.\
[3] سورة الزخرف، الآية 54.\
[4] ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية، ص122.\
[5] سورة يونس، الآية 71.\
[6] سورة الزخرف، الآية 31.\
[7] سورة الفرقان، الآية 21.\
[8] سورة هود، الآية 53.\
[9] سورة يونس، الآية 78.\
[10] سورة هود، الآية 27.\
[11] سورة المؤمنون، الآية 46.\
[12] سورة آل عمران، الآية 139.\
[13] سورة المؤمنون، الآية 47.\
[14] جودة، سعيد، جدلية الاستكبار والاستضعاف، موقع جودة سعيد رحمه الله.\
[15] سورة، الأعراف، الآية 137.\
[16] سورة يونس، الآية 71.\
[17] سورة يونس، الآية 83.\
[18] ياسين، عبد السلام، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ص122.\