نقف في هذه المقالة عند موضوع مهم هو باب الضحك والمزاح، وهو أصل في الترفيه عن النفس البشرية لما قد يصيبها من الملل والدجر وهو شيء طبيعي لما قد يمر به الإنسان من مد وجز في حياته وما يمر به من ضيق وشدة ورخاء وتوسع، وهذا الباب يحتاجه بشكل خاص الداعية في عمله الدعوي كمفتاح ليصل به الى قلوب المدعويين تحبيبا في ما يحمله إليهم من خير وبشرى، وهو كذلك تصحيحا للفهم لمن ذهب مذهب أن الضحك والمزاح عيب في حق الصالحين والدعاة.

ما نقصد بالمزاح؟ وما هي بعض صور ذلك في سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟

تعريف المزاح

قال ابن منظور: المزح الدعابة، وفي المحكم: المزح نقيض الجد، مزح يمزح مزحا، ومزاحا ومزاحة، وقد مازحه ممازحة ومزاحا، والاسم المزاح بالضم والمزاحة أيضا… والمزاح بالكسر مصدر مازحه، وهما يتمازحان… والمزح من الرجال الخارجون).

المَزْحُ: الدُّعابة، وفي المُحْكَم: المَزْحُ نقيضُ الجِدِّ؛ مَزَحَ يَمْزَحُ مَزْحاً ومِزاحاً ومُزاحاً ومُزاحةً، وقد مازَحه مُمازَحةً ومِزاحاً، والِاسْمُ المُزاح، بِالضَّمِّ، والمُزاحة -أَيضاً-).

قال الأَزهري: المُزَّحُ مِنَ الرِّجَالِ الْخَارِجُونَ مِن طَبْعِ الثُّقَلاء، الْمُتَمَيِّزُونَ مِنْ طَبْعِ البُغَضاء) 1 .

وأما في عرف الشرع فقد عرفه الزبيدي بقوله: هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والاستعطاف دون أذية حتى يخرج الاستهزاء والسخرية) 2 .

وقد قال الأئمة: الإكثار منه، والخروج عن الجد مخل بالمروءة والوقار، والتنزه عنه بالمرة والتقبض مخل بالسنة والسيرة النبوية المأمور باتباعها والاقتداء، وخير الأمور أوسطها.

المراد بالمزاح: الملاطفة والمؤانسة، وتطييب الخواطر، وإدخال السرور. وقد كان هذا من هدي النبي كما ذكر ذلك البخاري في باب الانبساط إلى الناس مستدلاً بحديث: “يا أبا عمير ما فعل النغير” 3 .

قال ابن حجر وهو يعدِّد فوائد الحديث: وفيه جواز المُمَازَحة، وتكرير المَزْح، وأنَّها إباحة سنَّة لا رخصة، وأنَّ مُمَازَحة الصَّبي الذي -لم يميِّز- جائزة، وتكرير زيارة المَمْزُوح معه، وفيه ترك التَّكبُّر والتَّرفُّع، والفرق بين كون الكبير في الطَّريق فيتَوَاقَر، أو في البيت فيَمْزَح) 4 .

وكذلك ما رواه أبو داود عن أنس “أن رجلاً أتى النبي فقال: يا رسول الله احملني. فقال النبي: “إنا حاملوك على ولد الناقة” قال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي: “وهل تلد الإبل إلا النوق””.

وعن أنس أن النبي قال له: “يا ذا الأذنين” يمازحه 5 .

من أجمل ما قيل في ضابط المزاح: أن المزاح كالملح في الطعام… متى زاد أو نقص فإنه مؤثر.

قال ابو الفتح البستي:

أعد طبعك المكدود بالهم راحة *** قليلا وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا اعطيته المزح فليكن *** بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
6 قال أبو فراس الحمداني:

أروح القلب ببعض الهزل *** تجاهلا مني بغير جهل
أمزح فيه مزح أهل الفضل *** والمزح أحيانا جلاء العقل
7

صور من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

– الصورة الاولى

روى الترمذي في كتاب الشمائل المحمدية؟ باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “ياذا الأذنين” 8 .

– الصورة الثانية

عن أنس بن مالك أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: سأله دابة ليركبها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني حاملك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة، فقال صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق”.

– الصورة الثالثة

كان صلى الله عليه وسلم يحب أحد الصحابة اسمه زاهر، وكان ذميماً رضي الله عنه، أي قبيح الصورة، مليح السريرة، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني -اتركني- فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه- أي: يحاول ويجتهد طيلة الوقت أن يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، لبركته عليه الصلاة والسلام وبركة جسده الشريف- فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من يشتري هذا العبد، فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد”.

– الصورة الرابعة

أتت عجوزٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: “يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: “يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز”، قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: “إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً 9 .

فجعلناهن عذارى، أعدنا إنشاءهن من جديد حتى تصبح الثيب في الدنيا عذراء يوم القيامة (عرباً) متحببات إلى أزواجهن، (أتراباً) في سن واحدة، وأهل الجنة أعمارهم جميعاً ثلاثة وثلاثين سنة كما جاء في الحديث الصحيح.

– الصورة الخامسة

عن صهيب قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة وهو يأكل تمراً، فأقبلت آكل من التَّمر، وبعيني رمد، فقال؟ “أتأكل التَّمر وبك رمد؟ فقلت: إنَّما آكل على شقِّي الصَّحيح، ليس به رمد. قال: فضحك رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم” 10 .

خاتمة

تملُّ النفوس من روتين الحياة، وتصدأُ القلوب كما يصدأ الحديد. وإذا كَثُرَ تَـكرارُ أمرٍ مـا على النفوس ملَّتهُ، وإن كان مما لا يُملُّ عـادةً.

إذن فالقلوب تحتاج إلى راحة. والنفوس تحتاج إلى شيء من الاستجمام.


[1] لسان العرب لابن منظور 2 /593.\
[2] تاج العروس للزبيدي 7/117.\
[3] صحيح البخاري باب الانبساط إلى الناس.\
[4] فتح الباري لابن حجر، جزء 10 صفحة 584.\
[5] رواه الترمذي.\
[6] اللطائف والطرائف الصفحة 151.\
[7] دواوين الشعر العربي على مر العصور الجزء 6 الصفحة 16.\
[8] رواه الترمذي في كتاب الشمائل.\
[9] سورة الواقعة الآيات 35 إلى 37.\
[10] رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم واللفظ له والبيهقي وضعف اسناده النووي في المجموع.\