تقديم

في كتاب المنهاج النبوي للأستاذ المرشد عيد السلام ياسين، وبالضبط في الفصل الثالث المعنون بــ: “التربية”، يتحدث عن يوم المؤمن وليلته، بعد حديثه عن مجموعة من المفاهيم المنهاجية، التي تعد من أساسيات التربية كمفهوم “المجموع” والذي يقصد به مجموع ما اجتمع في المؤمن من فضائل العلم والعمل، مما يجعله ممتازا لا يماثله أحد في اجتماع تلك الفضائل، ولذلك يقال عنه أنه فريد في مجموعه، ثم تحدث عن “الأعرابية” وعن “مراتب جند الله”، وعن “الميزان العمري”، وكذا صفات الفاعل التاريخي في المنهاج الذي هو “المؤمن الشاهد بالقسط”، وهو العضو الفاعل كذلك في جماعة المؤمنين وفي الطليعة المجاهدة التي تهيء الطريق للمستقبل و إرساء دعائم تربية مستقبلية ومتوازنة.

إن فهم المؤمن لمهمته الدعوية ووظيفته الإيمانية التغييرية يستوجب أن تهيء له الجماعة والطليعة المجاهدة محاضن تربوية تصقل فيها رجولته الإيمانية وتتعزز فيها مروءته وأخلاقيته، وروحه الجهادية (بكل معاني الجهاد وأبوابه) المتوثبة إلى الخير والعمل الصالح، وهذا ما يتوفر في الأسر وجلساتها التحصيلية والدعوية الإشعاعية، وفي حلق المساجد، والأسابيع الثقافية الإسلامية والمخيمات والرباطات، حيث يتربى المؤمنون والمؤمنات ليكونوا جندا لله متمثلين لوظيفتهم البنائية والإحيائية للأمة والدين، ولا غنى لجند الله عن التزود بالحد الأدنى من العلم الموجه والمحفز للعمل (القرآن الكريم، الحديث، فقه العقيدة، فقه العبادات، فقه السيرة، فقه السنة، الرقائق وطب النفوس وعلم السلوك، فقه الدعوة، تاريخ الإسلام والمسلمين، تراجم الرجال، اللغة والصرف، فقه الواقع…).

ومع ذلك وقبله وبعده لا بد أن يكون المؤمن صادقا وتكون له قدرة على السعي إلى الخير والعمل، الذي يتقرب به إلى الله تعالى من عبادات تنقله من زمن اللهو والغفلة إلى زمان العبادة، وكذا أن تكون له في مهنته وعمله ومعاملاته للناس صفات وسمت حسن يميز سلوكه الإيماني.

“يوم المؤمن وليلته”: الانتقال من زمان اللهو والعادة إلى زمن العبادة والجهاد

يتحدث الأستاذ المرشد عن معالم وصوى في حياة المؤمن في ليله ونهاره، إذ يوم المؤمن وليلته برنامج عملي توضيحه في كلام جامع ومختصر ومحفز لاجتماع كل كيان المؤمن على ربه عز وجل يقول في فقرة بعنوان: “عمل اليوم والليلة”.

من أعمال شعب الإيمان ما يلزم المؤمن مرة في العمر كالحج. ومنها ما يلزم مرة في السنة كصوم رمضان، ومنها ما هو موقوت مضبوط كالصلاة والزكاة، ومنها ما يسنح في أوانه وبمناسبته كعيادة المريض وتشييع الجنازة، ومنها ما هو فرصة دائمة كإماطة الأذى عن الطريق، ومنها ما هو صفة نفسية مصاحبة كالحياء، ومنها ما ينبغي أن يصبح عادة راسخة كقول لا إله إلا الله).

لكن المؤمن يجب أن تكون في حياته اليومية معالم لتكون قدمه راسخة في زمن العبادة والجهاد لا في زمن العادة واللهو. هنالك أوقات المهنة والأسرة والمدرسة والشغل، فيجب ألا يمنع توقيت زمن الوظائف الدنيوية عن إقامة الصلاة في وقتها بأي ثمن، وعن الصلاة في الجماعة والمسجد ما أمكن. فإن لم تكن جماعة ومسجد فواجب المجاهد أن يؤلف حوله المصلين في معمله وإدارته ومدرسته ويتخذوا لهم مسجدا وأذانا وإماما ودقائق وعظ ودعوة).

1- يبدأ المؤمن يومه ساعة، أو سويعة إن تكاسل ولا ينبغي له، قبل الفجر يصلي الوتر النبوي إحدى عشر ركعة. ثم يجلس للاستغفار ليكون من المستغفرين بالأسحار).

2- الجلسة بعد صلاة الصبح إلى الشروق سنة. فذاك زمن مبارك يحافظ عليه المؤمن ما أمكن تلاوة، جزءا في اليوم بين صباح ومساء وذكرا وتعلما وحفظا).

3- صلاة الضحى صلاة الأوابين).

4- السنن الرواتب، وليوتر قبل النوم من لا يقوى على القيام أو يخاف فوات الوقت، ووتر السحر أمثل).

5- ثلاث جلسات من ربع ساعة على الأقل لذكر لا إله إلا الله مع حضور القلب مع الله عز وجل).

6- الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (300 مرة على الأقل يوميا)، وتخصيص ليلة الجمعة ويومها للصلاة عليه).

7- قبل النوم توجه لله عز وجل، وحاسب نفسك، وجدد التوبة، ونم على ذكر الله وعلى أفضل العزائم، ليكون آخر عهدك باليقظة مناجاة ربك أن يفتح لك أبواب الجهاد والوصول إليه).

8- إن كنت طالبا فابذل الجهد الكافي والوقت الكافي للمذاكرة. فأول واجباتك بعد الصلاة والتلاوة والذكر وتحصيل الحد الأدنى من العلم أن تنجح في دراستك وتتفوق).

9- ساعة لأسرتك الإيمانية أو لزيارة دعوة ودراسة).

وليكن وقتك بمثابة ميزانية تنفق منها، فكن بوقتك شحيحا أن تصرفه في الغفلة وتضيعه في ما لا يغني، واعلم أن الوقت الذي تندم عليه ولات ساعة ندم هو وقت لم تذكر فيه الله تعالى باللسان والقلب والجهاد لنصرة دينه. اقتصد في وقت نفسك ولا تضع وقت إخوتك بالزيارات الطويلة وبقلة ضبط المواعيد) 1 .

“يوم المؤمن وليلته”: بين التدرج السلوكي في مدارج الإيمان وبين الوظائف الدنيوية

¨ “يوم المؤمن وليلته” ليس وردا “طرقيا” ينحو بنا نحو تكرار أعمال كئيبة يومية روتينية.

وهذا ما حرص الأستاذ المرشد على توضيحه في شريط مرئي/مسموع سجل يوم الخميس 25 ذي القعدة 1428 بمناسبة حفلات توزيع كتاب يوم المؤمن وليلته بالولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة، وفي هذا يقول: إن يوم المؤمن وليلته يعني أن ننتقل من زمن العادة زمن التشتت في الدنيا وهمومها وهموم الزوجة وهموم الأطفال وهموم الشارع، أن يجمع المرء اهتمامه على الله عز وجل، أن ينتقل من زمن العادة زمن الاهتمام اليومي إلى زمان العبادة، فعندما يبدأ الإنسان في الفجر بالصلاة، وعندما يستيقظ وهذا المطلوب قبيل الفجر بساعة أو نحو ساعة حسب الإمكان فإنه بذلك يقول للشيطان، ولشياطين الدنيا أف ثم أف ثم أف، أنا مقبل على الله عز وجل، هذا زمان العبادة الفجر أنتظر الفجر هكذا يبدأ المؤمن قبيل الفجر، ثم بعد ذلك ننطلق في يومنا هذا امتدادا بهذه النية الطيبة أننا نقبل على الله عز وجل، فيكون اهتمامنا أرقى وأكبر وأوسع من التبرك، ذلك الذي يأتي إلى أوراد لقنه إياها شيخه أو طريقته أو مذهبه، ذلك سرعان ما ينتهي إلى أعمال كئيبة يومية روتينية يمل منها، أما يوم المؤمن وليلته كما نطبقه في جماعتنا، فإنه حافز لكي يتهيأ المرء للقاء الله عز وجل وذلك بترتيب أيامه ولياليه وعمره كله ترتيبا يعبد فيه الله ربه بنية صالحة، بنية التقرب إلى الله، وهذا شيء آخر غير التبرك، هذا سلوك يسمى سلوك إلى الله عز وجل أي سير إلى الله عز وجل والسير يبتدئ بترتيب المرء يومه وليلته يعني عمره) 2 .

¨ “يوم المؤمن وليلته” ليس انسحابا من الواقع وتفريطا في أوقات المهنة والأسرة والمدرسة والشغل.

كذلك ينبه الأستاذ المرشد إلى أن “يوم المؤمن وليلته” ليس استقالة من الحياة ونزوع نحو الدروشة، والانقطاع عن الدنيا، بل يعني أن يكون طلب وجه الله تعالى وطلب ما عند الله أهم ما يحرك المؤمن، في كل صغيرة وبيرة في يومه وليلته، وهذا لا يتناقض والاهتمام بأسرته وذريته وذويه، وكذا إتقان وإحسان عمله، ثم النظر إلى الأغيار بعين المحبة والسلام والعمل على الدعوة إلى الله بحالهم قبل مقالهم وفي هذا يقول:

ويتساءل إخواننا وأخواتنا في الغرب في أمريكا، وفي أروبا، يسألون كيف التوفيق بين متطلبات الحياة الهادرة السادرة في الغي، وفي النشاط المحموم؟ كيف يوافقون بين هذا النشاط اليومي سعيا نحو الكسب، كيف يوافقون بينه وبين يوم المؤمن وليلته؟)أيها الإخوان أيتها الأخوات:)إن الإنسان إذا كان همه الله وهمه لقاء الله فلا شك أنه سيكون عنده سلم أسبقيات وأولويات، فالشيء المستولي على ذهنه المستحوذ على اهتمامه هو دينه، وآخرته، ولقاءه ربه عز وجل، عند ذلك لا يطلب إليه أن يسمح وأن يترك السعي لدنياه بل يطلب إليه أن يوفق بين سعيه الدنيوي، وسعيه الأخروي بترتيبات هو يعلمها، يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا، يستبق الخيرات هذا أمر الله عز وجل قال الله عز وجل: “فاستبقوا الخيرات”، وقال سبحانه أيضا: “سارعوا إلى مغفرة من ربكم”، وقال سبحانه وتعالى: “سابقوا إلى مغفرة من ربكم”. فالمسابقة والمسارعة هي أن يكون همي الأول في كل يوم من أيام حياتي أن أقوم بالأعمال التي تقربني إلى الله عز وجل. لا شك أن من الأعمال التي تقربني إلى الله عز وجل أن أتقن عملي اليومي الدنيوي. أنا أعمل في شركة مثلا أتقن عملي، ولا أغش لأن من الناس من يضللون الناس فيقولون أنا أعمل مع شركة صاحبها يهودي، أو نصراني، أو منافق أو… إذا لا يخلص، إذا كنت لا تخلص في عملك بهذه الدعوى فأنت لا تعلم من دينك إلا القشور. أخلص في عملي وأتقنه لأن الله عز وجل أمرني بأن أعمل صالحا، والعمل الصالح هو العمل المتقن سواء كان في شركة أو في مشروع فردي، أو في جماعة من الجماعات. أتقن عملي هذا مما يقربني إلى الله زلفى. وتسألني إذا كنت في الغرب حيث تسود الفلسفة المادية التي لا تثق إلا بما تحصره الأرقام والكميات والكيفيات، وكنت في نفس الوقت هدفا لدعوة سطحية سميها سلفية أو وهابية أو غير ذلك… تكدر علي سيري وتوهمني أن الطريق إلى الله هو أن أكون متصلبا متعصبا، وأن أكره الناس جميعا نصارى ويهودا ومسلمين، وأن أنعت الناس بالنعوت القبيحة… هذا شيء لا يطلبه الله عز وجل بل يطلب عكس ذلك. كل مسلم وكل مسلمة مطلوب إليه بعد أن ينظم هو في حد ذاته “يوم المؤمن وليلته” وأن يكون عابدا لله عز وجل، أن ينظر إلى الناس جميعا على أنه مكلف بتبليغهم رسالة ربهم سبحانه وتعالى، هو مسلم وسط الآخرين فيمثل الإسلام بسلوكه وتقواه، وإحسانه للناس، وحب الخير للناس جميعا، بهذا أقوم بواجب تبليغ الدعوة بعد أن أكون أنا قد تقمصت الدين، تقمصت “يوم المؤمن وليلته”، طبقت “يوم المؤمن وليلته”، وينبغي أن أكون داعية، أن أدعو الناس الآخرين، أن أكون منظما لا مترهلا، لا مشتت الأعمال مشتت الذهن. وهناك اهتمام آخر: اهتمام الإنسان بأسرته وزوجه وأطفاله، هل يتناقض هذا مع “يوم المؤمن وليلته” أو لا؟ بالعكس اهتمام المسلم بزوجه وذريته وبسائر واجباته نحو المجتمع ونحو أسرته ونحو أقاربه، هذا مما يقرب إلى الله عز وجل ولا يبعده منه؛ يعطي كل ذي حق حقه هذا من صميم الدين، “يوم المؤمن وليلته” إذا قمت الليل وصمت النهار وأكون أنانيا لا انفع غيري ولا أفكر في غيري هذا يربي فيّ أنانية، وللأسف بعض الناس يساعدون ويشجعون الناس على هذه الأنانية، فهو يربي لحية طويلة وهو يلبس لباسا معينا، ويتكلم بكلام معين، فينظر إلى الناس وهم سواد لا نور فيه، وهم ظلام وهم كفر. هذه أنانية يربيها الآخرون. نحن نربي في الناس حب الناس، وحب الله عز وجل، ومن لا يحب الناس لا يحب الله، لأن الله خلقهم وأراد لهم الخير وبعث لهم الأنبياء والرسل بعث لهم موسى وعيسى عليه السلام ومحمد عليه السلام وأرسل لهم رسل الله وهم كثير. الله تعالى يحب للخلق الهداية. إذا كنت أقوم بيوم المؤمن وليلته عبادة أقوم بهذه العبادة الكبيرة وهي أن أبلغ دعوة السلام والمحبة وهي دعوة الدين وهي دعوة الإسلام.) 3

هكذا يتضح أن يوم المؤمن وليلته اجتماع لقلب المؤمن وكيانه على الله بحيث يكون همه الله ونيل ما عند الله، في غير تفريط في حق نفسه وأهله، وفي غير إضاعة للأمانة وللأعمال الموكولة إليه في مهنته وصناعته وحرفته.


[1] ذ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة الثانية، 49/50.\
[2] تفريغ لشريط مرئي ومسموع سجل يوم الخميس 25 ذي القعدة 1428 بمناسبة حفلات توزيع كتاب يوم المؤمن وليلته بالولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة.\
[3] نفس المرجع.\