يبتغي هذا المقال مناقشة قضية قديمة جديدة، قديمة من حيث سبق التناول وجديدة من حيث عدم الحسم في إشكاليتها، هذه القضية تتداخل فيها مجموعة من الإشكاليات ويترتب عليها مجموعة من التداعيات والتي لا يمكن معالجتها إلا في إطار نسق متكامل وهو نسق مرتبط بالجوانب السياسية والسوسيو ثقافية الاجتماعية والتعليمية وغيرها. هذه القضية هي قضية الأحياء الجامعية المغربية.

من السمات البارزة التي تميز وضعية السكن الجامعي للطلبة المغاربة: التدهور المستمر. فإلى جانب النقص المهول الحاصل في الأحياء الجامعية بالمقارنة مع الطلبة الوافدين كل سنة على مؤسسات التعليم العالي، فإن الحالة المزرية التي تطبع الأحياء الجامعية القائمة لا تؤدي إلا إلى انعكاسات سلبية وخطيرة على السير العادي للطالب.

لقد سلكت سياسة المسؤولين في هذا المجال منحى مناهض لمصالح الجماهير الطلابية؛ فعلاوة على أن الميزانية المخصصة لبناء أحياء جامعية وتجهيزها هزيلة فإن تصريفها رغم ضعفها لا يتم وفق الأهداف المسطرة والمرسومة. لذا فأبناء المستضعفين من الطلبة هم الضحية الذين يوضعون بين سندان “السمسار” ومطرقة “الملاك العقاري”.

سياسة قياس القدم وفق الحذاء بحيث إن الأحياء الجامعية الراهنة قاصرة بالكامل عن الاستجابة للأعداد الغفيرة من الطلبة. وبدل أن يلجأ المسؤولون إلى أساليب ناجعة لحل مشاكل الأزمة الخانقة التي تنخر القطاع، يعمدون إلى حلول ترقيعية هشة أبانت عن إفلاسها منذ الوهلة الأولى، ولا أدل على ذلك أحياء جامعية أطلق عليها اسم الحي الجامعي “سهوا” بعدما كانت عبارة عن ثكنات عسكرية فيما قبل، مثال: “حي مولاي إسماعيل بالرباط” والذي تم إغلاقه بشكل نهائي، ليكون بعد ذلك مصير الآلاف من الطلاب هو التشرد والضياع، ليجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان، مطرقة السمسار وسندان الكراء المرتفع في ظل تدني مستوى معيشة مستوى هذه الشريحة المهمة داخل المجتمع وهي الطلبة.

تتميز هذه الأحياء الجامعية بكونها أقرب إلى مراكز الاعتقال منها إلى دور السكن، فجميع الأحياء الجامعية تعرف حصارا مشددا وتدخلا سافرا في حرمتها.

أما بخصوص الحي الجامعي بالقنيطرة فمنذ 2002 كانت القرعة بدل المحسوبية والزبونية لإسكان الطلاب، فبعد نضال طويل دخلت القرعة لتخفف مشكلة السكن الجامعي وكانت تتويجا لنضالات الجماهير الطلابية استطاعت أن تنتشل مطلبا جماهيريا وإن كان لا يلبي كل رغبات الطلبة والطالبات في السكن، ولكن على الأقل تم انتزاع هذا الحق من المحسوبية التي غرقت فيها الأحياء الجامعية خصوصا بعد سياسة تأنيث الأحياء الجامعية.

يضم الحي الجامعي للقنيطرة 1600 سرير، 200 منها فقط مخصصة للطلبة بمن فيهم أعوان وموظفي الإدارة. وفي إطار مخزنة الحي والقضاء على الفعل النضالي، وسعيا ألا تشكل القنيطرة الاستثناء هذه السنة عن باقي الأحياء الجامعية، وبعدما كانت القرعة وتكافؤ الفرص هي الحاسمة بين جميع الطلبة، خرجت الإدارة بمجموعة شروط لنيل فرصة الحصول على سرير في الحي الجامعي، بحيث سيتم اختيار 800 من بين حوالي عشرة آلاف طالب وطالبة على الأكثر وفق شروط لا نعلمها، وضعتها الإدارة.

لقد بات واضحا أن سياسة النعامة هذه، التي تنهجها الدولة والمسؤولون تجاه الطلاب، في محاولة لذر الرماد في العيون، باتت عاجزة عن تقديم الحلول الصائبة وبالتالي اصطدمت بإطار الجماهير الطلابية العتيد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.